د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
الأزهر ... الدور والقيادة

يذكر لنا التاريخ أن الثورات المصرية الكبرى كانت تبدأ من صحن الجامع الأزهر الشريف ،وأن شيوخه كانوا يتقدمون الثوار ضد الظلم والفساد والاحتلال الأجنبي مهما كانت درجة القمع والتنكيل التي يتعرضون لها . في التاريخ الحديث ،لم يثنهم عن دورهم محاولات بونابرت استقطاب العلماء وتشكيل هيئة منهم تكون بمثابة ديوان لحكم البلاد يساعده في قمع المصريين على رأسها الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر آنذاك والشيخ خليل البكري، والشيخ مصطفي الصاوي، والشيخ سليمان الفيومي وغيرهم 

 ومع ذلك فقد اندلعت ثورة القاهرة الأولى ضد نابوليون بونابرت وانتهت إلى إعدام ثمانين شخص دون محاكمة إلى جانب عدد من علماء الأزهر الشريف كان من بينهم شيوخ كبار من أمثال الشيخ عبد الوهاب الشبراوي والشيخ أحمد الشرقاوي والشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان وثلاثة عشر عالماً من علماء الأزهر إلى جانب انتهاك حرمة الأزهر ذاته ودخول القوات الفرنسية بخيولهم إلى صحن الجامع ، ولم يكد يمضي سنتان على الثورة الأولى حتى قاد السيد عمر مكرم والسيد خليل البكري ثورة القاهرة الثانية ضد كليبر القائد الفرنسي للحملة بعد هرب نابليون من مصر ، بل ويذكر التاريخ أنه حتى طلبة الأزهر ساهموا في الأحداث الكبرى الساخنة ومن بين هؤلاء البطل السوري سليمان الحلبي الذي كان مجاوراً بالأزهر وغضب لقتل شيوخه وأساتذته فكمن للقائد العام وقتله هو وكبير مهندسيه في حديقة بيت الألفي بك مقر إقامته ، ولاينسى التاريخ دور الأزهر في الثورة على الوالي العثماني الظالم خورشيد باشا ودفعهم للقائد الألباني محمد علي باشا ليصبح والياً على مصر ولتبقى سلالته تحكم مصر حتى قيام ثورة يوليو 1952 .

 الأزهر إذن كان على الدوام هو قائد الأمة المصرية ومعقد آمالها حتى في أوقات حكم المماليك لها أو الاستعمار الأجنبي ، ولعل عبد الناصر أدرك في محنة السويس هذه القيمة الكبرى للجامع الأزهر فلجا إليه ليستحث الجماهير من فوق منبره ويبكي في خطبته الشهيرة التي هزت القلوب .. دور الأزهر لم يتوقف منذ إنشائه قبل ألف عام ويزيد فهو لم يكن جامعة تحفظ علوم الدين فقط وإنما كان بالنسبة للمصريين وحتى لغير المصريين هو مدرسة الوطنية الأولى إلى جانب دوره التنويري والتثقيفي وفيه تخرج قادة الأمة قديماً وحديثاً .

 لذلك كان الأزهر على الدوام يمثل المعارضة الحقيقية للسلطة الحاكمة سواء كانت هذه السلطة أجنبية استعمارية أو وطنية تميل للعسف وظلم المصريين إلى أن تم تدجينه بعد ثورة يوليو 1952 ليسير في ركاب الدولة وينطق باسمها حقاً أو ظلماً سراً أوعلانية . هكذا إذن بدا مسلسل الانحدار لتلك المؤسسة العريقة التي كانت بمثابة القائد الحقيقي للشعب المصري في سعيه نحو الحرية والانعتاق على مر العصور ، فقد استمرأ شيوخ الأزهر ذلك الهدوء وتلك السكينة التي طبعت علاقاتهم بالسلطة الحاكمة باعتبارها سلطة وطنية ليست في حاجة لمناهضة أو معارضة ، ولم يكن ذلك صحيحاً على إطلاقه فالحاكم الوطني يمكن أن يكون ظالماً وفاسداً كذلك وليس محصناً ضد الظلم والفساد وبالتالي فغض الطرف عن مظالم الحاكم وسوء تدبيره بل ومحاولة تبرير تصرفاته وتسويقها للعامة لم يكن من حسن السياسة بل إنه أفقد مؤسسة الأزهر طابعها القيادي الذي تميزت به على الدوام في مناهضة الظلم والوقوف ضد الفساد أياً كان مصدره.

 وقد شكلت ثورة الخامس والعشرين من يناير نهاية شهر العسل بين مؤسسة الحكم ومؤسسة الأزهر ولم يطل بنا الوقت حتى شاهدنا شيخ الأزهر ينسحب علناً من حفل تنصيب أول رئيس مدني يأتي بإرادة حرة للشعب المصري ، وبدل أن تشكل هذه المناسبة عيداً خاصاً لمؤسسة الأزهر العريقة باعتبارها العين الساهرة على مصالح المصريين ورأس الحربة في نضاله ضد الفساد والمفسدين ، إذا بالمناسبة السعيدة تنقلب وبالاً على مؤسسة الأزهر فينسحب الشيخ من الحفل في مشهد درامتيكي عميق الدلالة انسحب شيخ الأزهر من احتفال تنصيب رئيس الجمهورية غضبا لنفسه ولمكانته الرفيعة وهو وظيفيا في درجة نائب رئيس وزراء وقد كان محقا في انسحابه فلا يليق بمكانة الإمام الأكبر وعلماء الأزهر الكبار أن يجلسوا في الصفوف الخلفية بينما يجلس في الصف الأول من لاصفة ولامكانة لهم . هذا الأمر يدفع للتساؤل الملح ، هل جاء هذا الترتيب عفوا دون قصد أم كان القصد منه توصيل رسالة معينة لمؤسسة الأزهر ؟!.

 ليس من الرئيس ذاته بطبيعة الحال ولكن من أولئك القائمين علي ترتيبات حفل تسليم السلطة وممثلي الحكام الجدد ، والرسالة مفادها أنكم حين كنتم تقومون بدوركم خير قيام في الرعاية الدينية للشعب ، كنتم في الواقع تقودون الأمة وكانت أماكنكم في الصفوف الأولي هي حق أصيل لكم ، ولكن حين تخليتم عن دوركم. وصرتم شيوخ من بيده الأمر ، صرتم عبيداً للمال والجاه ، تغضبون لأنفسكم ولاتغضبون لله ، عندها لجأ الناس إلي قيادات دينية بديلة ، فتصدر المشهد جماعات ليست وسطية وبدأت تسيطر علي أدمغة العامة شخصيات كالمحلاوي وحجازي وحسان واليعقوبي والحويني وأنتم تنظرون ببلاهة لضياع مكانتكم وقد شغلتكم الدنيا ، صارت هذه الشخصيات وعشرات غيرها هم قادة الناس الحقيقيين حتي أنهم تحكموا في إرادتهم ، لتدفع هذه الشخصيات بمن تريد إلي أماكن لم يكونوا بالغيها لو كان الأزهر يقوم بدوره كما كان دوماً خير قيام ، فإذا كانت الرسالة لم تبلغ شيخ الأزهر بعد فعليه أن يقعد إلي نفسه وهو الرجل الصوفي ليسألها ويراجعها شأن الصوفيين الحكماء ، من الذي أوصل شيوخ الأزهر الأجلاء لهذا الدرك ؟.. وستجيبه نفسه حتما ، يا شيخنا لقد تخلي عنك مكانك حين تخليت عن مكانتك.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز