نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
من الذي أسقط الطائرة التركية؟

من المعلوم تماماً، وفي إطار اللعبة الإعلامية والسايكولوجية التي يسيطر على أدواتها الغرب والقوى الدائرة في فلكه، أن تسليط الضوء على أي بلد من البلدان، والتركيز عليه، يأتي في صلب عملية الاستهداف والابتزاز، ولـَيْ الذراع، والضغوط عليه في محاولة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واستراتيجية من خلال عملية الشيطنة والضخ والحشو وتأجيج الرأي العام لافتراس هذا الخصم أو ذاك واستثمار أي حدث في هذا الإطار. وإلا لكانت دعوات التغيير و"الربيع العربي" المزعوم قد وجد طريقه إلى مجتمعات ودول أخرى، أولى به، في أربع أطراف الأرض، تعاني بما لا يقاس، ولا يقارن، من استبداد وتسلط وديكتاتورية وقهر ونهب منظم للثروات وظلم ممنهج أكثر ربما، وبكثير، من تونس وسوريا ومصر(1).

والكل يتذكر عملية الشيطنة والتركيز الإعلامي الهائل على المشير عمر البشير، لكن قبل أن يصبح الجنوب المسيحي مع بتروله في جيب وحضن دهاقنة الاقتصاد العالمي، فأصلبهم بعدئذ الصم والبكم والخرس والعين العمياء عن "مجرم الحرب" هذا وتناسوا الثلاثمائة ألف قتيل الذين قيل أن الجنجويد السلف الأعاريب، من "شبيحة" البشير، قد قطفوا رؤوسهم، ولكن أرواحهم ورؤوسهم لم تعد تهم، على ما يبدو، وتعني شيئاً لوزارات الخارجية الغربية المغرمة جداً بحقوق الإنسان بعد أن صار بترول السودان تحت إمرة تروستات النفط الكبرى. روسيا ، اليوم، المعنية جداً والمتهمة بفرملة ما يسمى بالربيع العربي، ومنع قطف آخر ثمراته السورية، باتت على ما يبدو في دائرة الاستهداف الغربي الإعلامي والدبلوماسي والحرب السايكولوجية عليها.

 فقد نسبت صحيفة "صندي تايمز" البريطانية الى مصادر دبلوماسية وعسكرية في الشرق الأوسط من بينها مصادر إسرائيلية أن "روسيا قد تكون متورطة في تدمير المقاتلة التركية التي أسقطتها الدفاعات الجوية السورية في الثاني والعشرين من حزيران الماضي". وطبعاً وحسب المنطق الغربي، من غير الجائز، ومن الحرام والمحرّم تماماً إسقاط أو التصدي لأية طائرة غربية أو أطلسية أو إسرائيلية تخترق مجالاً جوياً وحيوياً لأي بلد، ومن هنا أتى وصف هيلاري كلينتون للعمل السوري بالتصدي للطائرة بـ"الوقح" حسب تعبيرها، فالإنصاف والعدل والواجب، وكما يقتضي منطق العصر الأمريكي، هو أن تفتح جميع بلدان العالم أجواءها لطائرات الأطلسي كي تصول وتجول وتعربد فيها كيفما تشاء ودونما حسيب أو رقيب، هل هناك وقاحة وصفاقة حقيقية يمكن للمرء أن يتخيلها أكثر من هذا؟ فهل نحن بهذا التوزيع العشوائي للتهم أمام ارتباك ولخبطة غربية واضحة، أم نحن إزاء سياسة متعمدة ومقصودة الهدف منها استثمار الحدث بكل مدياته وأبعاده الممكنة في عملية تحصيل أية مكاسب سياسية ومعنوية ممكنة ومن غير طرف؟ غير أن الخبر، بحد ذاته، يحتمل عدة قراءات ربما من بينها، ومن أهمها، واستدراكاً للصفعة التي تلقاها أردوغان بإسقاط طائرته وهو الذي كان يتهدد ويتوعد ويرغي ويزبد ويصول ويجول و"ينرفز" مزمجراً ويبدو، ويا حرام، على وشك الاقتراب من مرحلة نفاذ الصبر وفرد العضلات تارة ويظهر تارة كأسد هصور يبحث عن فريسة ما، نقول أراد الخبر التقليل من شأن القدرات العسكرية السورية وإشراك طرف آخر في العملية، والإيحاء لمتلقي الخبر بأن سوريا من الضعف والوهن بحيث لا تقدر على القيام بمثل هذه العملية التي صدمت كما أبهرت كثيرين.

فالقول بأن السوريين قد أسقطوا الطائرة ينسف ويطيح بخطاب كامل وحملات إعلامية منظمة ومنسقة تحاول القول بأن النظام هش ويتداعى ويضعف والجيش ينشق والنظام يفقد السيطرة ولا يسيطر سوى على 40% من الأراضي السورية، فكيف وأنى يمكن لنظام، وجيش كهذا أن يسقط طائرة هي "أطلسية" في النهاية والمقام الأخير، ولم يفلح اجتماع جبابرة وصقور الناتو الطارئ والتالي للحدث سوى في توجيه تحذير هزيل بدا كلفت نظر مدرسي لـ"تلميذ مشاغب" لا يحترم زملاءه والتهديد بضرورة عدم العودة لمزاولة الفعل مرة ثانية وأنه "دير بالك" فسنضطر لاستدعاء ولي أمرك؟ لكن الأغرب والأكثر ظرافةً وتفكهاً، وتذاكياً ربما، وفي إطار سياسات الباب المفتوح المواربة والخجولة المعهودة، وفي تصريح منسوب له في موقع سيريا نيوز، أن يذهب عمران الزعبي(2)، للقول بأن السوريين أسقطوا الطائرة فقط لاعتقادهم بأنها كانت طائرة إسرائيلية، هكذا، وكأنه أراد القول بأنه لا يوجد عدو لسوريا غير إسرائيل التي اعتاد البعض تعليق كل شيء على جسمها "اللبيس" جداً، ومن هنا، وحسب رطانة وفهلوات السيد الوزير العبقرية فإنه مسموح لأي كان بانتهاك الأجواء السورية باستثناء إسرائيل، رغم أن ما تتسببه تركيا للسوريين، اليوم، ليس أقل مقارنة مما تسببته إسرائيل في يوم من الأيام، حتى وإن سلمنا جدلاً ومرغمين، وهو ليس كذلك، بالمقولة والفرضية القائلة بأنها- أي تركيا- تخوض حرب إسرائيل بالإنابة، وبدا السيد الزعبي بذلك مناقضاً لتصريحاًت سابقة معتبرة ووازنة للسيد جهاد مقدسي، الذي قال ما معناه، بأن ما قامت به سوريا هو فعل سيادي تمارسه أية دولة في العالم، الأمر الذي لاقى استحسان وافتخار كل سوري وأنا واحد منهم، مع ميلي المعلن والصريح لعدم التصعيد والصدام والحرب مع أي كان.

وأنا، ها هنا، لا أبرئ إسرائيل من شيء ولست عاشقاً أو مدافعاً عنها، بحال، بقدر ما أنا معني بتطبيق مبدأ وحدة المعايير، فإن كل من يعتدي على سوريا وينتهك مجالها الجوي وينال من عذريتها الوطنية وسيادتها فهو عدو آثم ودخيل ولا يوجد منتهك جيد ومنتهك سيء، وعدو مسموح له وآخر ممنوع عليه، هذا محض هراء وتسخيف، لاسيما إذا ترافق ذلك مع التصريحات العدائية والنارية للثلاثي الإخواني أردوغان-غل- أوغلو الشهيرة التي طالت على الدوام الكرامة والوطنية السورية، ومن هنا لا أستطيع فهم سر هذا العداء المستحكم لإسرائيل تحديداً و"خص نص"، فهل الأمر نابع وراجع ويمكن عزوه إلى خلفية وسر الصراع بأحد وجوهه الطاغية وهو البعد الأسطوري والعامل الغيبي الديني القدسي الذي يقف بمجمله وراء عداء السلفيين العروبيين البدو الفاشيست لإسرائيل وليس لعوامل أخرى من مثل السيادة والكرامة والانتماء الوطني والقانون الدولي وما شابه، وتصريحات السيد الوزير تؤكد هذا الشيء وتصب فيه

 فلو كان الأمر يتعلق بغير ما نزعم ونساجل لأتى تصريح السيد الوزير على غير هذه الشاكلة وربما كان مكملاً ومتناغماً مع تصريحات السيد مقدسي الموضوعية والمنطقية والمثيرة للإعجاب أكثر من تصريحات الوزير الزعبي المستفزة والمثيرة للاشمئزاز والإحباط. بكل الأحوال، وبعيداً عن كل تلك التأويلات والتحليلات القائلة باختبار النوايا، والقدرات، وكسر العظم وامتحان الإرادات، وبغض النظر عما إذا كانت سوريا، أو روسيا، أو حتى الجن الأزرق هو من أسقط الطائرة التركية، إذ لم يعد مهماً من الذي قام بالأمر، فالأمر يبدو، بحد ذاته، أكثر من سقوط وانهيار رمزي فاضح بالدرجة الأولى، وأكثر من أي شيء آخر لهيبة أمريكا والأطلسي ومعهما ما عرف حتى اليوم بالربيع العربي، وتعثره عند تخوم الحلقة السورية حتى الآن وعلى أقل تقدير وعجز الغرب وحلفائه، تماماً، وبالمطلق عن تحقيق أي اختراق على هذه الجبهة تماماً كما حدث للطائرة، و الفشل في إظهار أية قدرات في معالجة الحالة السورية وفق أي من السيناريوهات التقليدية المعتمدة كاليمنية أو الليبية أو التونسية والمصرية، سقوط لم تستطع كل تلك اللغة الانفعالية والتصريحات الانفعالية وتوزيع التهم والخطايا والآثام أن تحجبه، بل أتت جميعها لتؤكده قائلة في الوقت ذاته أنه مع سقوط هذه الطائرة سقطت كل ألاعيب إسقاط الأنظمة وتغيير زعماء والإتيان بزعماء ينصاعون للهوى والمزاج الغربي، وانفضحت أيضاً كل محاولات العبث بأمن وسيادة الشعوب والدول واللعب بمصائرها وأقدارها وتزييف إراداتها تحت الرايات المشبوهة للثورات البرتقالية، والقرمزية، والإرجوانية المفبركة، وأخيراً وليس آخراً ما عرف بالربيع العربي، وكله وفق اعترافات برنار هنري المعلنة والتي لم تعد تخفى على أحد.

 (1)- هناك مثلاً دول في المحيط والجوار ما زالت تمارس العبودية والرق وتتاجر بالبشر بالأطفال وتغتصب الصغيرات شرعاً وقانوناً وتضطهد المرأة على عين مجلس "الغبن" الدولي.

 (2)- محامي سوري، كان من الضيوف الدائمين على ما يسمى بالإعلام السوري في المرحلة الأخيرة، وهو من الرموز التاريخية للنظام في سوريا ومحسوب على التيار البعثي السلفي الفاشي البدوي الذي حكم سوريا منذ العام 1963، وحتى اليوم، وأدت سياساته الكارثية المدمرة- أي التيار- إلى تحويل سوريا إلى بلد قندهاري ومجتمع ديني مغلق متطرف بامتياز وقضى، تماماً، على وجه سوريا الحضاري التعددي التنويري التاريخي ودورها الوظيفي الإنساني الاستثنائي في رفد البشرية بـ، ومواكبة وإنتاج الإبداع الحضاري وذلك عبر تغليبه ودعمه وتبنيه وتقوييته للتيار السلفي البدوي الفاشي العروبي على حساب التيارات الأخرى المتواجدة على الساحة وما أكثرها من علمانية، وماركسية، وتنويرية، وليبرالية، وحداثية.....إلخ .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز