نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
متاهات إعلامية سورية

في ظل غياب الصوت العقلاني الليبرالي العلماني الإنساني الوازن المتزن الموضوعي المتنور، ما زال، وبكل اسف، التيار والخطاب العروبي العنصري البدوي الفاشي الظلامي الاستفزازي المتهور طاغياً ومسيطراُ في ما يسمى ويعرف بالإعلام السوري الذي بات ينافس اليوم السي إن إن والفوكس نيوز وإمبراطوريات روبرت مردوخ، كما فهمنا مؤخراً من بعض أصنام وثقاة هذا الإعلام الأشاوس الكبار. هذا الخطاب والتيار الفاشي هو ذلاه الذي قاد شعوباً وأمماً كثيرة إلى مهاوي وأتون صراعات وحروب ضروس لم تبق ولم تذر وتسبب في شلالات من الدماء لو تحولت ماء لما بقي فتر من الصحراء في هذا الكون المترامي الأطراف، ليس ابتداء بألمانيا وإيطاليا الفاشيتين مروراً بصربيا وعموم البلقان وليس انتهاء بالعراق الجريح والسودان الشقيق المتفسخ.

 إذ من المخجل والمشين والمستفز جداً التغني بعرق وإثنية ومجموعة بشرية "على عين" وأمام مجموعات بشرية وعرقية وإثنية أخرى وتيارات وطنية وإنسانية وعلمانية وليبرالية لا تشتري العنصرية القبلية بقشرة بصلة. وإذا كان البعض يعتقد أن بإمكانه الهروب تحت الغطاء القومي من بعض الاستحقاقات الوطنية الضاغطة والتلحف بالهوية القومية بدل هويات وطنية أقوى وأمضى وأبعد تأثيراً فهذا ليس سوى مجرد هروب أعمى وقفزة في الفراغ نحو هاويات لا قرار لها، فلقد أثبتت الهويات الوطنية الجامعة، في الدولة الحديثة وحسب الدساتير العلمانية، بأنها أقوى من أية هوية أخرى وجمعت بين ظهرانيها وصهرت كل المكونات تحت فيئها وظلالها الوارفة.

 ولا يوجد، اليوم، ما هو أجمل وأعرق وأبهى من هويتنا الوطنية السورية الخالدة حقاً، ضاربة الجذور العميقة في التاريخ الإنساني، والتي نعول على تفعيلها والتعظيم من شأنها في وضعنا على المسار التاريخي الصحيح. لقد قادت السياسات الفاشية العنصرية التي تعلي من شأن عنصر وعرق وقومية على حساب أعراق وقوميات وإثنيات أخرى إلى كوارث وأدى إلى تفتيت ووحدة كيانات وطنية في غير مكان من هذه المنطقة الموبوءة بكوارث أبدية، ومع ذلك لا يزال البعض مصراً على التمسك بها واجترارها.

 بالأمس، وعلى غير عادتي، تابعت على ما تسمى بالقنوات الفضائية السورية، (لأن معظم ضيوفها الأشاوس من كتائب الارتزاق اللبنانية إيـّاها، التي لا تبرحه، حتى أصبح المذيع السوري المسكين مضطراً لأن يرطن متلعثماً أحياناً باللهجة اللبنانية "تبع" هيفاء وهبي، ونانسي عجرم ومريام فارس وفارس العروبة الجديد سمير جعجع)، فخرج لنا ذات الجحفل العروبي العنصري الناري والكتائب البدوية الجاهزة لتتحفنا بهمروجة المؤامرة على العرب وأن المقصود من كل هذا هو أمة العربان، والأمة الخالدة خلود إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، ولتزف لنا تلك الجوقة العنصرية والطبالون الأعاريب المستعربون البشرى الكبرى بأن خلاص سوريا هو في التمسك بتلابيب العرب والعروبة وجلاليب شيوخها والعودة إلى ربوع ومتاحف القيم العربية الأصيلة والنبش في إرث الدم والقتل والغل والفتك والغدر والخبث والمكر وبث الحقد والكراهية وسفك الدماء المعروف تاريخياً، لا بل تحدث أحد المفوهين، هكذا ومن دون خجل ولا احترام لعقول المشاهدين، عن الرسالة الحضارية للعرب ودعانا إلى التبرك بها.

 ولا أدري في الحقيقة إلى أين إلى أين يأخذنا هؤلاء الدجالون والمشعوذون والطبالون المستعربون الذين دمـّر زملاؤهم الأشاوس بالجعير والجعيع والفحيح العنصري المنظم ذاته العراق وأوصلوا رئيسه البائس لحبل المشنقة، ألا يوجد من سبيل لإيقافهم ومخاطبة العقل لا الغرائز القبلية التي يشعلها ويؤججها على الضفتين مثل هذا الخطاب الأرعن المعتوه؟ هل نحن أمام محنة وطنية أم محنة قومية؟ صناعة الوهم وبيع الأحلام والاتجار بآمال وأمنيات البشر وسياسة تفسير المنامات وقراءة الكف والطالع التي يتبعها البعض اليوم، والهروب إلى الإيديولوجيات العصبوية واستنفارها واستنهاض الغرائز القبلية والعرقية ما هو إلا كناية عن محض عجز فاضح في ملامسة الهم ووضع اليد على الجرح وتعبير صارخ عن فشل ذريع في مواجهة الواقع واجتراح حلول بأدوات عملية واستنباط برامج تساهم في تسكين وتهدئة هذا الجيشان والغليان على غير صعيد، لا المساهمة الغبية والحمقاء في تأجيجه وتسعيره وأخذه إلى ذات الهاويات والمصائر المرة والكارثية السوداء التي أخذت الغير إليها.

 لا أفهم، مثلاً، ما هي علاقة موريتانيا الشقيقة بأزمة داخلية وطنية سورية تراكمية ذات أبعاد وتشعبات وخلفيات اقتصادية وسياسية وعرقية وفسادية وإفقارية.....إلخ؟ وكيف ستساعد وحدتنا مع الصومال الشقيق بخروج سوريا من هذا النفق؟ والسؤال الأهم متى كان العربي الميت تاريخياً يجر ميتاً عربياً آخر؟ فالأنكى، والمفارقة الكبرى أن البعثي عمران الزعبي، الذي سمـّوه مؤخراُ وزيراُ للإعلام، (رغم زوال حكم البعث إذ من المفترض في بلد تعددي أن يكون وزيرا الإعلام والثقافة، تحديداً و"خص نص"، وزيرين مستقلين لا ينتميان لأي طيف حزبي أو سياسي، وكون الزعبي بعثياً هو رسالة خاطئة باستمرار ذات الخطاب الأزلي القديم)، نقول الزعبي وفي تصريح منفصل، حمـّل العرب والعربان وجامعة الدول العربية ووزراء الخارجية العرب، ومن في حكمهم وكل ناطق بالضاد وكل من هب ودب على ما يسمى بالوطن العربي مسؤولية الهجوم الذي طال إحدى قنواته الفضائية، إذ يبدو أن الجحفل المستعرب، إياه، لا يتابع ما يقوله وزيره ولا يستشف من تصريحاته فحوى السياسة الإعلامية المطلوبة، أو على الأقل هو-أي الجحفل- لا يأبه ولا يكترث كثيراً، وعلى ما يبدو، أو ربما ليس في وارد، والله أعلم، أن يأبه ويهتم بما يقوله وزيره المصون الذي يرخص ظهوره ويسمح لهم بالتنظير في قنواته الفضائية التي يدفع الشعب السوري بكل فئاته وتياراته وتلاوينه واتجاهاته الفكرية ضرائب ورواتب هذا الجحفل العظيم ليكافأ بمثل هذا الخطاب العقيم واليتيم.

 ويبقى السؤال الأكثر إيلاماً وتأملاً إذا كان هؤلاء العربان هم، يا سعادة الوزير البعثي، سبب كل هذا الدم والخراب والويل والبكاء فكيف سنتحد معهم، ومن يتحد مع متآمرين وقتلة ومخربين وكله حسب خطاب السيد الوزير؟ أم أن هناك عرب آخرون غير هؤلاء العرب الذين نعرفهم وتحدث عنهم السيد الوزير واتهمهم بسفك الدم السوري؟

 أليس ممكنا في هذه الحالة أن نؤجل همروجة الوحدة العربية حتى يصبح العرب "أوادم"؟ وهنا حار واحتار المتابع الخائب الضائع المحبط، مثلي، هل يؤثم العربان أم يذهب للتوحد معهم ويعشقهم ويستمر بموالاتهم والضرب بسيفهم والتعويل عليهم في حل كل مشاكل السوري الفقير كما يقول لنا الجحفل المستعرب الذي يحتل ما يسمى بالإعلام السوري؟ لم نفهم في نهاية النهار، يعني، وعذراً ففهمنا على "قد حالنا"، وبات الأمر يستلزم توضيحاً ما، هل العرب هم الحل على غرار شعار جماعة الإخوان المسلمين بأن الإسلام هو الحل، أم العرب هم المشكلة في الأزمة السورية؟ بالله عليكم فهمونا وأفهمونا، فقد ضعنا وراحت علينا؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز