د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
محنة الرئيس

هذا مقال لي نشرته للمرة الأولى عام 2010 .. ولم يتيسر لي وقتها نشره في عرب تايمز .. هاانا اعيد نشره لقراءة جديدة قد تكون مفيدة في ضوء مايجري حولنا من أحداث

يظن أغلب الناس أن الرئاسة تحقق لصاحبها امتيازات خاصة تجعله يتميز عن بقية الناس ، بل تجعله المتحكم الوحيد في رقاب الناس وأرزاقهم .. وأنه الوحيد – بعد الله – الذي بإمكانه أن يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.. ذلك الظن في مجمله صحيح لولا أن للأمر جانباً آخر يلفت النظر إلى أن الرئيس وبمجرد تربعه على سدة الحكم فإنه ينزلق طوعاً أو كرهاً إلى قدر محتوم يجعله غير قادر على الفكاك من أسر الرئاسة والسلطة حتى لو أراد ذلك ومن ثم يصبح كمن سلك طريقاً بلا عودة أودخل باباً لايمكنه الخروج منه . يحدث هذا تحديداً في بلادنا العربية ، بل لعله لايحدث إلا في بلادنا العربية كنتيجة طبيعية للحكم الشمولي وسيادة النزعة الفردية والغياب المخجل للديمقراطية كما يفهمها ويطبقها الغرب أو للشورى كما يدعو إليها الإسلام . ولعل نظرة سريعة على الخريطة العربية تؤكد لنا أن عمق الأزمة وفداحتها واحد في كل بلدان العرب ، بل إن محنة الرئاسة واحدة في تونس كما هو الحال في تونس واليمن مروراً بليبيا ومصر والسودان .. فليس من باب المصادفة أن تكون كل تلك البلدان تنعم بنظم رئاسية أبدية محتمل تطورها إلى رئاسية أبدية وراثية كذلك .

 ولعل سيناريو الرئاسات العربية يكاد يكون واحداً لايتغير ، إذ يبدأ عادة برئيس يصل مصادفة إلى كرسي الرئاسة أو عنوة عن طريق انقلاب عسكري يطيح بمن سبقه .. لكن بكل الأحوال فإن الرئيس حين يبدأ حكمه يكون سجله ناصع البياض سواء على مستوى آدائه الوظيفي كما حدث في مصر ،أو آدائه الثوري كما هو الحال في ليبيا والسودان .

 لكن سرعان مايكتشف الرئيس الموظف والثوري على السواء ، أن تولي مقاليد الحكم في البلاد له آلياته التي يجهلها مهما بلغ تفوقه وتميزه في أعماله السابقة ، فهناك فرق كبير بين أن تعمل تحت رئاسة آخرين وبين أن تكون المتصرف الوحيد في البلاد والعباد دون مراجعة من أحد .. هنا تحديداً تكمن محنة الرئيس الذي يجد نفسه لأول مرة قادراً على أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في أمور لايعلم عنها شيئاً لأن لها سدنتها وحوارييها ، وهنا ينزلق الرئيس باختياره إلى الطريق المفروش بالابتسامات المهذبة والطاعة المؤكدة إلى حيث لايمكنه العودة من حيث أتى كما تسقط ذبابة تعيسة إلى خيوط العنكبوت الدقيقة والناعمة.. ففجأة يجد نفسه صاحب الكلمة العليا – او هكذا يصور له سدنة نظامه - في كل مايخص البلاد من أول التوقيع على صفقات السلاح وبيع المصانع وتشريد العمال إلى بيع أجزاء من أراضي البلاد ذاتها ، وفي كل الأحوال فإنه يشعر دائماً بالرضى لأن من حوله يصورون له الأمر وكأنه مصلحة عليا تقتضيها ظروف البلاد أو رفاهية العباد أو دواعي الأمن ..

على حين أنها تكرس القطيعة الأبدية بين الرئيس ورعاياه وتلوث ثوبه الذي كان ناصعاً .. يكتشف الرئيس أنه قد جاء وحده بسجل نظيف وانتهى به الأمر إلى أن صار جزءاً من نظام فاسد ، سد عليه المخارج كلها ولم يعد أمامه من حل سوى التشبث بالسلطة والدفاع عن النظام الذي ساقه إلى الخطيئة وغمره بالخطايا ... هنا تبدأ مرحلة جديدة من التفكير في توريث الحكم لأحد أبنائه لاطمعاً في مزيد من المال أو الجاه وإنما خوفاً من سقوط النظام الذي صار راعياً له والذي أحكم قبضته عليه من حيث أظهر له الاحترام والتبجيل ، وخوفاً من مواجهة حتمية قد تفتح الملفات التي يحرص على إحكام غلقها في حياته وإن استطاع بعد مماته.

 يكتشف الرئيس كذلك - وهو مالك كل شئ – أنه ليس حراً تماماً حتى فيما يخصه ، فهو لايستطيع أن يلقي خطاباً عاماً ولايمكنه ركوب سيارة غير مصفحة ، ولايمكنه التلويح بيديه للجماهير لأنه عادة ليس ثمة جماهير ، إن كل شئ يخصه مرسوم بدقة تجعله بعيداً تماماً عن الشعب الذي يحكمه ، والحجة الأبدية والدائمة هي أمن الرئيس وكثرة الأعداء ، ولن يدعه المحيطون به يشعر بتأنيب الضمير فالشوارع خالية من الجماهير تماماً وبالتالي فلاضرورة للتلويح ، والبيوت والعمائر التي يمر أمامها تبدو كبيوت الأشباح لأن الأمن يحتلها ويمنع ساكنيها من الظهور في الشرفات حتى جنود الأمن المركزي الذين يصطفون في طريقه تكون ظهورهم ناحيته ووجوهم ناحية الأعداء المحتملين الذين قد يهاجمون الموكب في أي نقطة ..

 إنه باختصار يحكم شعباً من الأعداء ولذلك فعليه أن يحكمه من بعيد لبعيد . تلك هي محنة كل الرؤساء في منطقتنا العربية تقريباً ، ولأن العقلية العربية يحكمها منطق القبيلة فإن النظم الملكية تكون أقرب وأنسب لشعوب لم تتعود سوى على السمع والطاعة ، فالديمقراطية على النسق الغربي أكذوبة كبرى لأن شعوبنا لاتستسيغها ولاتعرف آليات تطبيقها وستظل تفرز لنا على الدوام ملوكاً في إهاب رؤساء.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز