نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
امتشاق السيوف لايتعبها..والسوريون في غار ثور ..ان الله معهم


ليس هناك اصعب على المرء من أن يناله الشك في قضيته التي يحارب من أجلها .. ومن أنه ربما يكون خطأ على سفينة القراصنة .. وبين القراصنة، يأكل معهم ويشرب معهم الأنخاب ويسكر معهم .. بل ويحشو لهم بنادقهم ومدافعهم وهو يصلي من أجلهم ومن أجل عيونهم المغطاة بقماشة سوداء الصلوات الخالصة .. وكم هو مرعب أن يشك مايسمعه في الظلام والضباب ليس صوت لقاء البحر والشاطئ بل صوت لقاء المحيط مع المحيط البعيد ..حيث لاشواطئ ولاموانئ ولايابسة ..بل أغاني القراصنة التي تقول: "خمسة عشر رجلا .. ماتوا من أجل صندوق"..

ماأصعب أن يحترق قلبك بالشك وأن من لاتعرف ان كان من تحب يستحق الحب أو الرشق بالاحتقار والرجم بالأحجار .. وماأصعب أن تكتشف أنك تنتمي الى أمة تصنع لأعناقها السلاسل فيما هي تزيد في انتاج العبيد والاماء والأبناء الأغبياء والخرفان .. ماأصعب أن تكتشف أنك تقف بين العرب في جامعة العرب في هذا الزمن .. انه الوقوف بين العبيد والاماء على سفينة القراصنة ..في "جزيرة" ليست جزيرتك وعلى شاطئ لتصدير العبيد .. ما أجمل فراق العرب في ربيع العرب..

أيها الأصدقاء

كم يكون الشك محملا بالعذاب عندما لايعرف نعمة اليقين .. وكم يبدو لقاء اليقين أروع من لقاء الحياة نفسها .. فليس هناك أكثر طمأنينة للقلب وسكينة له من أن يدرك هذا القلب أنه يمسك باليقين وأنه يقف على نفس الصليب الذي وقف عليه الناصري وأنه يتذوق نفس المسامير في يديه وينزف دمه فوق نفس الأخشاب التي نزف عليها المسيح .. كم هو لذيذ أن يكتشف المرء أنه يرجم مع من رجم في الطائف قبل مئات السنين وشج رأسه .. وأنه الآن يدخل مهاجرا غار "ثور" مع اثنين من قادة الثائرين .. وأن كل قريش في جامعة العرب تجدّ في أثره .. وأنه يسمع في الغار صوتا يقول له: لاتحزن ..ان الله معنا..

كنت أخشى أن يتغير العرب وأن يهدوني موقفا نبيلا .. موقفا يخجلني من نفسي ويخجلني من احتقاري لثوراتهم .. كنت أخشى أن يحيط بيقيني زعماء الشك وزعماء في أعناقهم سلاسل العبيد .. وكنت أعيش قلقا وجوديا من أنني لست على صواب وأنني صرت قرصانا من القراصنة .. وأن قلبي لم يهتدي ..وأنه ضائع بين الهداية والغواية ..

ولكن ...

أن يخاف العرب من صوت الاعلام السوري فلهذا دلائل كثيرة جدا .. فهو يدل على أن مايقال في الاعلام السوري ليس تزويرا بل ان فيه مايخشاه العرب ومايخشاه القائمون على مشروع الربيع العربي .. وهذا يعيدنا بالضبط الى نصيحة هنري كيسنجر ابان الانتفاضة الفلسطينية الأولى عندما أحرجت اسرائيل بصور تحطيم عظام الفلسطينيين وخجل العالم من تلك الصور .. فبعث كيسنجر بنصيحة عاجلة للقيادة الاسرائيلية بأن "انسوا مايقال عن حرية الاعلام والرأي .. وأخرجوا الصحافة العالمية والكاميرات من الأراضي المحتلة ..وتابعوا تكسير العظام" ..

ربما ليس هنري كيسنجر من بعث بالرسالة العاجلة للعرب بل لاشك لدي أنه برنار هنري ليفي الذي يتنقل بين أنقرة وقبرص وتل أبيب والقاهرة.. ليفي الحائر في كيفية تحطيم الروح المعنوية للسوريين واسماعهم تغريد المغردين من عصافيره في الربيع العربي .. انه قلق على مصير ربيعه العربي وأصدقائه الاسلاميين .. وهذا الاصرار على أن نؤخذ كالبهائم الى مسرح بعينه لنسمع فقط الجزيرة والعربية يدل على أن الاعلام السوري صار مسموعا وصار مؤثرا .. وهذه نتيجة منطقية لعام كامل من الفشل لأن الاستعجال في دخول الشام على ظهر حمار الربيع العربي و"حميره" جعل اخراج المشاهد مستعجلا وطبخ الأخبار وخاليا حتى من التقنيات السينمائية الضرورية ولأن اشتداد النفاق وفوضى الضمير في الاعلام العربي صار يثير شكوك المشاهدين العرب الذين يبحثون عن بدائل أكثر اقناعا ..فاللعبة بدأت تثير النظرات والارتياب .. ورائحة اللصوص لم تخفها العطور الثقيلة لجزيرة العرب ..

الربيع العربي في خطر ومزاج الثورات لم يعد مزاجا يمكن الوثوق به .. فهناك أصوات صارت تتعالى مستفيدة من صدى الاعلام السوري وصوت دمشق الساخر من هذا الربيع والمستهتر بقيمه .. هيبة الربيع والاحترام المقدس لأبقاره في خطر شديد .. فصوت دمشق يشجع من كان يخشى انتقاد الربيع على أن يعلو صوته .. والثوار السوريون الذين كانوا ضحايا ظهروا قتلة مجرمين لايعرفون من الفعل الثوري سوى العنف الأسود .. عنف الثوار المريض وهزلياتهم الثورية صارت محرجة للغاية ومصدر عار على كل الثوار .. حتى عزمي بشارة الذي أرخى عليهم الأغطية الكثيفة والستائر الفخمة الطويلة والشراشف المطرزة بمحنك الكلام طوال عام كامل لم يعد قادرا على الامساك بالاغطية التي تفشى من تحتها الدم ولم يعد ممكنا ابقاء الستائر التي نقعت بالصراخ .. حتى عزمي بشارة الذي لعق الدماء التي أهرقها الثوار بلسانه الطويل ومسحها بشاربه الكبير لم يعد قادرا أن ينكر قسوتهم .. واضطر للاعتراف على أنهم يمارسون العنف .. أي أنهم ثورجيون أقل من مستوى الثوار .. وأكثر من مستوى مجرمين عاديين .. وهو بالضبط توصيف لمجموعة من القتلة المحترفين والمرتزقة .. وان لم يقلها لسان عزمي بشارة "الطويل" الذي مسح الدم عن أظافر الثوار ومخالبهم وأسلحتهم وأحذيتهم ونظف أسنانهم من الخثرات ..

فالاعلام السوري صار اعلاما مسموعا وموجعا وألزم كل الدنيا على الاعتراف بالحقيقة وهي أن في سورية مجموعة من القتلة يحاربون الدولة .. الربيع العربي اذا يترنح وليس على مايرام وهو تحت ضربات السوريين .. ويبدو أن كلمات الخطيب الروماني الشهير شيشرون صحيحة عندما قال: ان الضربات المتواصلة ولو بأصغر فأس كفيلة بتحطيم أكبر اشجار الوجود ..

فالشجر الاعلامي العربي وغابات الكذب الكثيف تحترق ويتصاعد الدخان من بين خمائل "العربية والجزيرة وصفا ووصال .." حتى "السي ان ان" و "البي بي سي" والمحطات الساركوزية توجعت وظهرت على عيونها كدمات سوداء من لكمات هذا الاعلام السوري الذي أيقظه صراخ الجزيرة .. وعواء العربية .. ونباح كلاب العرب..

الفأس السورية على صغرها تهوي على جذع شجرتي الجزيرة والعربية كاليقين فتهتز الأشجار العملاقة مع كل ضربة تغوص وتنهش من جسد الشجرة .. ترتعد الأشجار من طقطقة الجذوع وهي تتمايل وتعاند السقوط ممسكة بما بقي لها على الأرض ..ويمسك فيصل القاسم بجذع الشجرة العملاقة يائسا عله يصمد ويستنجد بعمال السخرة من المثقفين للشد "بالاتجاه المعاكس" .. ولكن الشجرة تهوي في الاتجاه المعاكس للاتجاه المعاكس.. هيهات يافيصل أن تسند يداك الناعمتان شجرا هوت عليه ضربات الفؤوس التي لاتخاف ارتفاع الأشجار وغلظ جذوعها ..عندما تسقط الأشجار العملاقة يجب أن يبتعد من يقف تحتها وفي ظلها .. وأن يهرب في "الاتجاه المعاكس"..

الاعلام السوري الذي اعتقدنا أنه مع أهل الكهف نائم .. يتثاءب في الكهف ويوقظ النائمين ..فيرتعد دقلديانوس ..فلأول مرة يعود ناصر السعيد الى الحياة ليقود الحديث عن السعوديين .. ولأول مرة يتمطى خيال جهيمان العتيبي حول الكعبة وهو يطوف حولها وتحوم روحه حول قباب المدينة .. ولأول مرة يسمع آل خليفة أن اصوات المقاصل ليست حكرا على باريس القديمة .. بل ان المقاصل قد تزور الدوحة لتطيح بالخيانات والجرائم ..

ماذا يعني أن العرب صاروا يخافون من الاعلام السوري؟ .. فرغم كل ماقيل عن دبابات الجزيرة وقاذفاتها فانها تفجرت في حقول الألغام التي نصبها لها مواطن سوري اسمه رفيق لطف عمل ببساطة عماد مغنية في تفجير الميركافا .. وانشطرت هذه الدبابات وطارت أبراجها في "خفايا بابا عمرو" .. قرار العرب يعني ببساطة أن هناك خشية حقيقية من انقلاب مزاج الناس ضد الربيع العربي .. وأن عملية الضحك باللحى على اللحى لم تعد تروق للناس .. وأن التصويت باللحى لايمر بسهولة من شقوق صناديق الاقتراع ..الثورات العربية ليست على مايرام..تعاني الحمى والاسهال والهذيان الثوري..

وبعد .. ماذا نقول للعرب .. جامعة ..وشعوبا مغلوبة أو مغشوشة؟؟

أيها العرب .. سيخطئ من يعتقد أن امتشاق السيوف الدمشقية يتعبها .. مايتعب السيوف هو اغمادها ونومها الطويل في الغمد الوثير الدافئ .. السيوف لم تخلق للأغماد والاغماء الطويل .. فالأغماد اخترعها من لايحاربون لكنهم يحبون التزين بالرجولة .. ولايكره السيف مسكنا في الدنيا كما الغمد حيث الراحة والظلام .. انه للسيوف ظلام المقابر

وياأيها السوريون .. السيوف لاتحب أغمادا لها كما قلوب الأشرار وصدورهم .. فلا تبدلوا الأغماد بصدور الأشرار وأعناقهم .. وأكرموا سيوفكم بزيارة الصدور المنتفخة بالخيانة .. وأولموا لها من قلوب تضخ الصدأ والقيح..

وأما من تعب من امتشاق السيف فليكرم سيفه بأن يكسره ولايذله بالغمد أو بالتدلي والسجود .. فالسيوف أسهل عليها أن تنكسر من أعناق مقابضها من أن تتدلى وتنحني بها الذراع حتى تلامس بها التراب .. السيوف لاتحب طعم التراب ولايذلها مثل ان تنغرس رؤوسها في التراب.

ومن تعب من النظر الى السماء فليفقأ عينيه بيديه لأن العيون لم تخلق للنظر الى أديم الأرض بل الى السماء والنجوم والشموس ..بحثا عن الضوء .. وبحثا عن ظلال الله الذي يتمشى بين المجرات .. وأما من يطرق برأسه الى الأرض فلن يجد في الأرض سوى الشياطين واخوان الشياطين .. ومن يهبط نظره من السماء فلأنه آثم .. فلتبق عيوننا في السماء .. فلربما التقت عيوننا صدفة بعيني الله الطيب والرحمن والرحيم..

ولاتسألونا عن العنفوان أيها العرب .. العنفوان ياسادة شيء لايباع في السوق ولايعرفه أصحاب الذهب ولن تجدوه عند فلاسفة النفط ولافلاسفة هنتينغتون وفوكوياما.. العنفوان كلمة اخترعها شعب استلقى بين الحصار وبين الحصار .. وبين النار التي تأكل النار .. وتلوى بين الهزيمة والانتصار .. ومن أراد أن يبيع عنفوانه ..فعليه أن ينسى أنه سوري .. السوري لايبيع العنفوان بالذهب ومن أجل "صندوق" مات من أجله "خمسة عشر رجلا في الجامعة العربية" ..

نحن لا نبيع العنفوان ...بل نعلم الدنيا معنى العنفوان







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز