توفيق الحاج
tawfiq51@hotmail.com
Blog Contributor since:
26 February 2007

 More articles 


Arab Times Blogs
ذبحتني يا سالم..!!

عذرا..!!

 في شهر ذكرى النكبة الرابعة والستين ..،ولمجرد المصادفة  .. سأتخلى في هذا المقال فقط عن  طبعي الساخر.. ،واستبدله   بما  تيسر من قطيفة الإعجاب الموشاة بحزني الفاخر..!! 

لفلسطيني مغترب أكتب.. ،وهل  رونق الكلمات  بعد الصمت يليق بالوجع المسافر..؟!!

  

 قبل 15 سنة  تقطع   مذيعة الفضائية اللقاء مع العبد الفقير..بصفته شاعرا  ،وتتلقى اتصالا   من أمريكا..!!

كان صوته البدوي    ،وحماسته  ..يعبقان في الاستوديو برائحة عروبية ممزوجة بنكهة  القهوة في مضارب النقب..

اخذ رقم تليفوني من الكنترول ،وسرعان ما اتصل بي..

عرفته (سالم الهزيل).. حفيد الشيخ سلامة  المشهور بكرمه ،وزيجاته ،وتلك الحكمة التي حافظت على بقاء أهلنا متجذرين في ارض ال48.. !!

  تواصلت المكالمات  ،وزادت عمقا في الانتفاضة الثانية.. كان سالم  بأسلوبه الخاص ..يتحرق شوقا لمعرفة أخبار غزة من غزة ،ويتألم بشدة من الأنباء التي تحمل دم الضحايا ،ومعاناة الأهل تحت البساطير الوحشية للاحتلال..

 حاول الرجل قدر استطاعته أن يترجم  قلقه إلى أفعال  في توأمة أسرية.. طلب أشعاري ، وقدمها إلى صديقه المغترب لتصدر بالعربية ،والانجليزية معا .. لكن المشروع   ذهب مع الريح كما ذهب  الصديق..!!

 

في عام 2004 أرسل لي سالم الجزء الأول من كتابه (رحلة الأماني) وهو سيرة ذاتية لبدوي  عشق تراب السبع ،وهواء الناصرة  ...وحملهما معه في طريقه إلى أمريكا ... ضحكت في البدء من رحلة ذكرتني  قبل أن أتصفحها بفيلم محمد هنيدي (صعيدي في الجامعة الأمريكية)..!!

 

قرأت ..فأبكتني  كلماته ،وصوره الفطرية العميقة  عن وداع أمه الصابرة ،فتخيلتها أمامي   تحتضنه في مشهد تراجيدي صامت...،وهي تتذكر أخاها الشهيد..!! وعن وداع أبيه القاسي الذي ذاب في دمعتين ،وكلمتين.. تكشفان عن موقف إنساني نادر.. جمع حنان الدنيا كلها في قلب اب..!!

كنت الهث ،وأنا أتابع المشهد تلو المشهد في رحلة  هذا ال(سالم ) الغريب..!!

السائق المصري (يوسف) الذي نقله من  ميناء نيويورك ورفض أن يأخذ الأجرة لما عرف انه فلسطيني..!! 

مدرس التاريخ ( مسترسميث) الذي تلقى درسا بليغا  في الحافلة عن مأساة فلسطين بشغف وحب من طالب  مرتبك يخطو خطواته الأولى إلى غربة مجهولة..!!..

كلية(يورك) في نبراسكا  البادرة جدا..  الناس،والنساء، وأصدقاء التلمذة (كريم وجورج )من الناصرة.. أيقونة المحبة  العفوية بين المسلم ،والمسيحي في قالب انساني شديد الخصوصية..  كرم الفلاح الأمريكي ،وطقوسه على المائدة.. ،ومشاركة سالم  بقراءة الفاتحة ،ليقول الحضور المسيحي امين..!!

كنت في مكالماتي  القليلة معه أتمنى عليه دائما ،أن يدركني بالجزء الثاني من رحلة الأماني.. حتى نسيت السؤال عن مصير اشعاري..!!

 في هذا العام  وبعد 8 اعوام كاملة.. فوجئت بطرد منه فيه كتابان له .. الأول :عن صدام حسين.. عليه صورته وهو يقف بحانب نصبه التذكاري في جنين..!! سالم كما تخيلته تقريبا .. قرأت  الكتاب في يوم واحد ، لأنه كتاب متوقع عن مشاعر قومية متوقعة.. ،والثاني :   رحلة الاماني.. ج2.. تأملت الكتاب كما لو انه سفينة تايتانيك جديدة.. ،وبدات الابحار على أرض يابسة من نبراسكا الى كاليفورنيا  وأنا اشعر مع سالم بالتحول من جهامة الثلج ،وقسوته  الى زهو الربيع ،وخضرته.. ،واسافر عبر نفسيته الممزقة بين الحنين الى الصحراء ،واهلها ،ووجع الغربة ..تذكرت ،وانا اقرأ وأتصور غربة ابني البكر شادي مع الفارق طبعا ،لكنها تبقى الغربة  بمعانياتها ومراراتها..!!

 

كان سالم الهزيل صادقا معنا ،ومع نفسه .. لم يرسم لنفسه أبدا صورة البطل ..!! ولم يزيف الصورة لتبدو اجمل .. ،بل تعمد ان يكون سالم الانسان الذي يستجيب لغرائزه ،وشهواته ،فياخذنا معه الى  مرقص (... )ويغرينا بمداعبة الأمريكيات الفاتنات ،ويسوق بنا السيارة عائدا وهو مخمور..!!

شدني هذا البدوي العنيد الى لحظة  من الفقر والياس والجوع..استلقى فيها  على فراشه مستسلما .. ليسمع صوت ابيه هاتفا..( قوم يا سالم .. )..!!  ويقوم سالم ليبحث من جديد  ، ويجد عملا..!!

 

 كان (هوميروس ) الهزيل يغترب منذ أوائل الستينات في مسار محاذ لحركة المد والجزر  في وطننا العربي.. ،وتتمزق روحه باستمرار مع تسارع الأحداث ،والأخبار.. ،ويصل الألم إلى منتهاه في محطتين .. هزيمة 67 ،وظلالها التي انعكست عليه، وعلى رفيقيه  بالاكتئاب ،والانطواء ،والخرس .. ،ووفاة عبد الناصر المفاجئة التي  لم تترك له ،ولرفاقه الا الذهول والبكاء ، وقد عمق ذلك الدم الفلسطيني  المباح في عمان..!!

ذبحتني.. يا سالم ..!!

هتفت بها   باللهجة البدوية القح بين دمعتين نافرتين ،وأنا أضع الكتاب قرب راسي مع الكتب التي اعتز بها..

،ويتوقف بنا ابن السبعين عند تلك الليلة وليسكت عن الكلام المباح وقد ادرك  عاشق الارض الصباح.. على وعد بتقديم الجزء الثالث من رحلة الاماني للقراء في المستقبل القريب.

نعم لقد استطاع  ابن البادية الغريب ان يقدم لنا تاريخنا  في ميلودراما عربية على ارض أمريكية قاحلة سياسيا  حرثها اللوبي الصهيوني وبذرها بالاكاذيب والافتراءات فحصد ما اراد وسط غياب عربي بليد..

واستطاع  (سالم) بوحي من غربته ،أن  يعمق ارتباطه الأبدي بالأرض الفلسطينية بزواجه من غزية فاضلة  أنجبت له أسامة وآخرين.. ،وبالاصرار على تزويج أبنائه ،وبناته في (راهط).. ،وكاننا امام اليكس هيلي جديد يقدم لنا وجها اخر ل (الجذور)..!!

ويقول  رغم مرور 64 سنة على النكبة ..بصوته البدوي القوي( شعب فلسطين حي ).!!

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز