علي الصراف
alialsarraf@hotmail.com
Blog Contributor since:
22 December 2011



Arab Times Blogs
خلل الرؤية في المشروع القومي العربي

لا يوجد تعريف أقرب الى الواقع من التعريف القائل "إن المشروع القومي العربي هو مشروع ثورة".
ولكن لا توجد "مفارقة أقدار" أكثر إثارة للدهشة من الحقيقة التي لا يراها أحد الآن، وهي أن الثورة تلك بالذات هي التي قضت على المشروع القومي.
الاعتقاد الشائع، لدى القوميين خاصة، يقول "إن الثورة هي ما يأتي بالتغيير".
لقد كان قوميو الماضي ينتظرون أن تساعدهم الثورة في إحداث التغيير المنشود في الاحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وعلى هذا الأساس صاروا ثوريين.
ولكنْ، كان هناك شيء لم يروه؛ شيء مر من تحت أنظارهم، ولم ينتبهوا اليه؛ شيء كانوا هم الذين ساعدوا في ولادته، ولم يأخذوه بعين الاعتبار.
فقد ظلوا، حتى وهم في السلطة، يعتقدون أن الثورة هي التي تأتي بالتغيير. ولكنهم لم ينتبهوا الى الحقيقة المضادة، وهي أن التغيير هو ما يأتي بالثورة. فعندما تتغير أحوال الناس، في مجرى التراكم اليومي، فانهم لا يبقون هم أنفسهم الناس. وما كان ملائما لهؤلاء الناس في وقت من الأوقات قد لا يعود ملائما لهم بعد 10 أو 20 عاما. والسبب لا يتعلق بمقدار نجاح أو فشل السلطة، بل بمقدار ما يتغير الناس هم أنفسهم. وعندما يتغير الناس، تتغير عقلياتهم. وعندما تتغير العقليات، فلا أعرف بأي حق لا تتغير الأنظمة، ولا يتغير الرؤساء، ولا تتغير أدوات ووسائل الحكم؟
انظر الى التاريخ كله، وسترى أن التغيير في المعاش الثقافي، يقلب أفكار المجتمع ويقلب تصوراته تجاه السلطة. وكذلك الحال بالنسبة الى المعاش الاقتصادي. فالانتقال من الرفاهية الى الفقر يأتي بالثورة. بل إن الانتقال من الفقر الى الرفاهية يأتي هو الآخر بالثورة. لانك لا تستطيع أن تحكم شعبا أصبح مرفهّا بنفس الوسائل التي كنت تحكمه بها عندما كان شعبا فقيرا.
وإذا كنت تحكم شعبا ثلاثة أرباعه أميين، فانك لا تستطيع أن تحكمه بالوسائل نفسها، ولا بالحزب نفسه، ولا بالقائد نفسه، عندما يصبح ثلاثة أرباعه متعلمين.
وعندما تحكم لأربعين أو خمسين عاما متواصلة، وعندما تكاد التغييرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في بلادك والعالم تشمل كل شيء، فالسؤال هو ليس ما إذا كانت الثورة ضرورية، بل لماذا تأخرت الى هذا الحد؟
والحال، فعندما يتغير كل شيء في معاشك، وعندما يتغير كل شيء في محيطك، فان الثورة تصبح ضرورة ملحة، وهي لا تحتاج الى مؤامرة لكي تندلع.
وبينما كانت تظهر أجيال جديدة تتطلع الى أن يكون لها مكان ودور في السلطة والمجتمع، فقد اعتاد الكثير من زعمائنا على السلطة وكأنها ملك شخصي. وأصبح كرسي السلطة جزءا من غرفة النوم بالنسبة لبعضهم حتى إن الحاكم أصبح يُورّث السلطة لابنائه الذين صنعهم وهو جالس على ذلك الكرسي. من دون أن ينتبه الى ما يتغير في معاش الناس وطريقة تفكيرهم.
ولكن طول الجلوس على الكرسي، في مجتمع يتغير، كان نصف المصيبة. النصف الآخر هو أن الحاكم لم يعاند التغيير فحسب، ولكنه استمرأ الظلم أيضا، حتى ظن أنه فوق الحساب وفوق المساءلة، وحتى ظن أن أحدا لا يستطيع أن يمسه مهما ارتكب من انتهاكات ومهما جر على شعبه من ويلات، ومهما أصاب من الفشل.
هل هذا منطقي في عالم اليوم؟ هل ينطوي هذا السلوك حيال الناس على أي عقل؟
إذا اكتشفت أن هذا السلوك بلا منطق وبلا عقل، فستعرف لماذا يُرسل الحمقى دبابات ومدافع لقتل الناس إذا طالبوا بالحرية. وستعرف أن السلطة العمياء حولت أصحابها الى قتلة محترفين يمكنهم عمل أي شيء ولا يتورعون عن أي شيء، ليس لأنهم مجرمون، بل لأنهم عميان، لم يروا سيل التغيير الجارف الذي كان يجري من تحت أقدامهم.
فعندما لم يلاحظ النظام في سوريا أو النظام في ليبيا أن عظامه تحللت، ومفاهيمه اهترأت، ومنطلقاته تآكلت، فكأنه أعمى لا يرى أن الشعب الذي حكمه قبل 50 لم يعد هو نفسه الشعب. شبابه شاخوا، وأطفاله أصبحوا رجالا ونساء راشدين. وهؤلاء يستحقون أن يُنظر اليهم نظرة مختلفة وأن يُعاملوا معاملة مختلفة، وأن يُحكموا بوسائل مختلفة.
لاحظوا أيضا، إن معظم الانظمة الحالية، ولاسيما نظامي العقيد بشار الأسد والعقيد معمر القذافي، قالت إنها جاءت لمحاربة الظلم. لقد كان هناك ظلم الفقر، وظلم الأمية، وظلم تفشي الجهل وظلم المرض الذي كان ينهش في عظام المجتمع. لكن، وحيثما كان هناك استعمار فقد رمينا بكل شيء على عاتقه. وقلنا إن الاستعمار هو السبب في كل شيء. وبذلك فقد أصبحت الثورة مشروعا للتغيير، ومشروعا للتحرر، وليس فقط مشروعا للعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروات. وكان من الطبيعي لتلك الثورات السالفة أن تبدأ بمشاريع أولية للاصلاح الزراعي ومحو الأمية ومنح بعض الحقوق للعمال، وهي بدأت بمشاريع، أولية أيضا، لنشر التعليم وتقديم الخدمات الصحية. ولكن هذه الثورات لم تلاحظ، مع مرور السنوات، أن مصادر الظلم تغيرت هي الأخرى.
فالظلم لم يعد شيئا خارجيا. لقد أصبح الظلم ناجما عن فشل النظام في محاربة الظلم. كما أصبح الظلم ناجما عن النظام نفسه عندما تحول الى نظام قمع.
لم يلاحظ النظام السوري ولا أخوه الليبي أبدا المفارقة المفزعة أنه توجد في البلاد أجهزة مخابرات أكثر مما توجد جامعات.
لم يلاحظ هذا النظام أيضا أن مشاريعه الزراعية تحولت الى كارثة على المدينة والريف في آن معا.
ولم يلاحظ أن خطابه الأيديولوجي البالي لم يعد يقنع أحدا.
ولم يلاحظ أن شعاراته المهترئة وموافقه السياسية الفارغة لم تعد ترضي جيلا جديدا لا يستمع في الأصل اليه.
وبرغم أن نظام دمشق اضطر الى أن ينقل "الهتّيفة" الى البرلمان لكي يهتفوا له: "بالروح بالدم"، فانه لم يلاحظ أبدا أن الهتاف ليس وظيفة البرلمان، وأنه يحوّل نفسه الى مسخرة أمام العالم عندما يجعل البرلمانيين يصفقون لخطاب فارغ من رئيس لا يقدم لشعبه إلا التهديد والوعيد، وبدلا من الاصلاح لا يقدم له إلا الخداع والبهتان.
لقد سقطت هذه الأنظمة قبل أن تندلع الثورة؛ لقد سقطت بما لم تستطع أن تراه من تغيير حاصل بالفعل في معاش الناس وفي ثقافتهم.
مع ذلك، فقد عاندت التغيير. وأرسلت لمواجهته الدبابات وأطلقت على الناس المدافع. وكأنها أصيبت بالعمى، بصرا وبصيرة، حتى لم يعد بوسعها إلا أن تسير الى حتفها بما تفعل.
لقد كانوا قوميين يؤمنون بأن الثورة هي التي تأتي بالتغيير. ولكن ماذا فعلوا عندما جاء التغيير؟
لا تندهش إذا قلت لك الحقيقة البسيطة التالية، وهي إنهم وقفوا ضد الثورة. بل وقفوا ضد الشعب نفسه الذي كانوا يقولون إنهم يريدون التغيير من أجله.
لا تندهش أبدا، اذا رأيت القوميين، ومنهم البعثيين خصوصا، يقفون الى جانب نظام العقيد القذافي والعقيد بشار الأسد، ضد الثورة.
لماذا؟
لأنهم لم يلاحظوا التغيير. بل ولأنهم رفضوا عوامل ونتائج التغيير (الاقتصادي والاجتماعي، والثقافي...) التي صنعوها بأنفسهم في ظل السلطة.
وهم لم يقبلوا تلك العوامل والنتائج، لا لشيء إلا لأنها صارت تتحدى وسائلهم الأمنية في الحكم، وإلا لأنها صارت تتحدى فساد نظامهم وفشله في تحقيق التطلعات التي وعدت بها الثورة.
ومفارقتهم مع التاريخ مفزعة أكثر.
يوما ما، كانوا يقلبون أنظمة، ليكسبوا شعوبا، وصاروا يقلبون شعوبا ليكسبوا أنظمة!
ويوما ما، كانت الأنظمة هي "العميلة" في ثقافتهم، بينما الشعوب هي المقاومة والصمود. اليوم صارت الشعوب هي العميلة بينما الأنظمة هي "المقاومة والصمود".
ويوما ما كانوا يذهبون الى السجون من أجل حرية شعبهم، وصاروا يرسلون أبناء شعبهم الى السجون من أجل أن ينتصر نظامهم على الناس.
هذا جانب من المفارقات التي يقدمها "قوميو" الاستبداد هذه الأيام.
هم يعرفون أن الأنظمة التي يدافعون عنها ليست سوى أنظمة فاتها قطار التغيير. ولكنهم يتغافلون. وظلوا يكتفون بالشعارات الفارغة التي تقول إن الثورة هي التي تأتي بالتغيير، ولم يلاحظوا أن التغيير "فات وعدّى"، وصار بحاجة الى ثورة لكي يجعل منهم يفهمون أن الواقع تغير كليا، وأن شعبهم لم يعد هو نفسه الذي حكموه قبل 40 أو 50 عاما.
وفوق أنهم فشلوا في تحقيق برامجهم للتغيير، فقد اكتفوا بملاحقة شعارات لم تتحقق. وعندما تقول لهم: لماذا بعد عدة عقود من السلطة لم تتحقق هذه الشعارات؟ يقولون لك: إنها "مؤامرات الإمبريالية". وعندما تقول لهم: لماذا فشلتم في مواجهة "مؤامرات الإمبريالية"؟ فانهم قد يخترعون أي جواب من أجل إلقاء اللوم على الآخرين.
وهم يعرفون أن أنظمتهم تحولت الى أنظمة فساد. إلا أنهم يتجاهلون الفساد، ويتجاهلون عواقبه الاجتماعية، كما يتجاهلون الحطام والأذى الذي يتركه في نفوس الناس.
وهم يعرفون أن أنظمتهم ترتكب جرائم وانتهاكات، وسجونها مليئة بالضحايا، حتى لكأنهم شهود زور على الآلام والمرارات التي يتكبدها الأبرياء من أبناء شعبهم، ولكنهم لا يأبهون.
وهم يعرفون أن إشتراكيتهم ترهات، ولم تورث شعبهم إلا الفقر والبطالة، ولكنهم قليلا ما لاحظوا المفارقة بين القول والعمل.
وهم يعرفون أن أحزابهم الحاكمة لم تعد أحزابا، وإنما منظمات شبيحة ومخابرات تكتم على أنفاس الناس. ولكنهم يرضون، لانهم يرون أن حرية الناس تكشف فراغ دعاويهم، وتفضح نفاقهم.
وهم يعرفون أنهم تحولوا من مطالب الحرية والاستقلال الى بناء جمهوريات استبداد، حتى باتوا يرهنون الحرية ببقائهم في السلطة. فأنت حر إذا رضيت بهم، وأنت قتيل إذا انتقدت أو عارضت.
ومثل "اللي مسوّي عليك منيّة"، فانهم يجيزون لأنفسهم أن يرتكبوا كل جريمة وانتهاك، شنو بالله، لأنهم معادون للامبريالية والصهيونية. وهم يريدون من شعوبهم أن تنتظر (وقد انتظرت طويلا)، وأن تصبر (وقد صبرت طويلا)، وأن تخنع (وقد خنعت طويلا) لمجرد أنهم يرفعون شعارات تدعو الى التغيير، بينما كان التغيير يحصل من جميع الجهات التي لم يلتفتوا الى معانيها أو نتائجها الاجتماعية.
وغير الثورة التي تأتي بالتغيير، فقد كان علينا أيضا أن ننتظر التحرير،.. منهم!
ولقد فعلوا ما فعلوا بأخت الأمة العربية، وبأم أمها، ولكنهم ظلوا يريدون البقاء في السلطة الى أبد الآبدين، شنو بالله، لأنهم يستعدون لمعركة تحرير خرافية لم يقدموا لها إلا إستعباد شعوبهم وسحقها.
ولم يسألوا أنفسهم أبدا السؤال المر: هل يمكن لشعب هو نفسه مُستعبد أن يحرر شعبا آخر؟ هل يمكن للطغيان أن يخوض معركة تحرير؟ هل يمكن للمسحوقين تحت أحذية الأمن والمخابرات، أن يكونوا مقاتلين من أجل أي قضية أقدس من قضية خلاصهم الخاص؟
فهل عرفت الآن، لماذا ظلّ مشروع التحرير يترنح لأكثر من نصف قرن؟ وهل عرفت الصلة التي تجعل الطغيان حليفا للطغيان؟ وهل رأيت كيف أنهم، بفشلهم نفسه، كانوا أفضل حلفاء للإمبريالية ولإسرائيل؟
وبعد عدة عقود من العنتريات التحررية، التي انتهينا منها "على الحديدة"، فان آخر شيء يسمحون لك به، هو أن تتظاهر مطالبا بالحرية. لانك ستكون ساعتها، لا شيء أقل من "عميل للأمبريالية".
شعوبهم انخرطت في الثورة ضد أنظمتها لان هذه الشعوب كانت ثمرة للتغيير الحاصل في معاشها الاقتصادي والاجتماعي. وإذ لم يلاحظ قوميو الماضي أن التغيير حصل، وأنه يتطلب نظاما سياسيا جديدا، فقد وقفوا ضده ليس لأنهم سيخسرون مناصبهم، بل لأنهم خسروا معركة التغيير، ولأن هذه المعركة انقلبت ضد نتائج سلطتهم. فالثورات التي شنها قوميو الماضي من أجل التغيير، غيرت الكثير، إنما الى الأسوأ. ولم ينتبهوا الى أن التراكم الكارثي للتدهور صار من السوء بحيث صارت الثورة ضدهم ليست ضرورية فحسب، بل ولازمة حتى ولو أدت الى أن يتقدم الناس في مواجهة الدبابات عراة الصدور. وهو الأمر الذي لم يفعله الناس عندما كانوا يواجهون بطش المستعمرين.
ثم لاحظ هذه المفارقة: لقد أصبح أولئك القوميون ثوريين، لأنهم كانوا قادرين أن يحركوا تظاهرات تخرج من مدرستين اعداديتين في بغداد أو دمشق، وكانوا يمثلون شيئا من ضمائر شعبهم في ذلك الوقت. أما اليوم، فقد صاروا ينكرون على شعبهم تظاهرات تقوم بها مدن تخرج عن بكرة أبيها.
وبالفشل السياسي والإقتصادي والإستراتيجي الذي أورثوه لشعوبهم وبلدانهم، فقد كانوا لا يجدون لفشلهم تبريرا سوى إلقاء اللوم على الامبريالية وعملائها. ولكني لا أعرف إن كانت الامبريالية ستجد عملاء أفضل منهم لتقديم خدمات التخلف والفساد والإنهيار.
هؤلاء هم قوميو الإستبداد. هؤلاء هم البعثيون الذين ظننت أنهم عادوا الى أحضان الثورة عندما جاء الغزاة، فاذا بهم، يعودون الى الطغيان عندما جاءت الثورة. ووقفوا ليساندوا نظامي العقيدين في ليبيا وسوريا.
هؤلاء هم، قوميو الفشل الذي إذا واجهتهم به اعتبروك خائنا. وإذا طالبت بالحرية اعتقلوك. وإذا فتحت فمك عذبوك. واذا تملكت رأيا غير رأيهم شتموك. حتى انتهى الأمر بهم أن يلصقوا تهمة العمالة ليس لأفراد فحسب، بل لشعوب بأسرها، شنو بالله، لأنهم هم وحدهم الثوريون المخوّلون بالتغيير.
ولقد وقع التغيير، ودارت دورته مرتين، عندما انتقل الناس من الفقر الى الرفاهية، حتى أواسط السبعينات من القرن الماضي، ومن الرفاهية الى الفقر، منذ ذلك الوقت حتى الآن.
لم ينتبه أولئك القوميون الى ما حصل. لم يقرأوا عوامل التغيير. فلما اندلعت ثورة المحرومين والفقراء والمظلومين، فقد كان من الطبيعي أن يقفوا ضدها، وظلوا يؤمنون بالشيء القديم الذي تجمدت عليه أذهانهم، وهو أنهم يحاربون الإمبريالية.
لم يلاحظوا أنهم يحاربون شعوبهم، ويحاربون تطلعاتها في الانعتاق والحرية من سلطة الحزب الواحد والقائد الواحد والرأي الواحد.
لم يلاحظوا أنهم، بموقفهم المعادي للتغيير، قدموا أكبر خدمة للإمبريالية عندما حولوها من عدو الى صديق لتطلعات شعوبهم، بل ودفعتهم الحماقةُ وسوء التدبير، الى أنهم نسبوا الحراك الشعبي الجارف ضد الظلم والاستبداد الى تلك الإمبريالية، بل سمّوا ربيع المقهورين والمظلومين "ربيع الناتو"، وذلك لكي يحسّنوا صورة أبشع قوى الإستعمار في التاريخ، ولكي يحوّلوا هذه القوى الى صديق إجباري لشعوبهم.
لقد حصل ما حصل، على أي حال، فقد جاءت الثورة على مستوى الشعب، وانقلبت على طغيانهم وفشلهم.
أما اليوم، فقد بات التغيير ضروريا على مستوى القوميين أنفسهم، وذلك بحثا عن قوميين جدد، وبعثيين جدد، يؤمنون بأن التغيير على مستوى المعاش الاقتصادي والثقافي جدير بأن يأتي بالتغيير على مستوى السلطة، بدلا من إيمانهم القديم بأن الثورة هي التي تأتي بالتغيير.
هناك حاجة الى إعادة نظر جذرية، ليس في موقف القوميين من هذا الحراك الشعبي العظيم، بل الى موقفهم من أنفسهم.
هذا الحراك لم يعد بحاجة لهم. فقد حصل، من دونهم، وبعيدا عنهم. ومن المؤسف أن ينتهي الى أحضان واحدة من أبشع قوى التخلف العقلي، ممثلة بالسلفيين وحركة الاخوان المسلمين، التي لا يمكنها أن تعد شعوبنا إلا بالمزيد من الهزائم والإنكسارات والفشل.
لقد تركنا الناس من دون رؤية، فوقعوا ضحية لعمى التاريخ، وجلبوا الى السلطة قوة تخلف وحرب أهلية وتدمير لكل قيم التقدم والتحضر التي أراد شباب هذا الحراك أن يلتحقوا بها.
أقول، إن الحراك الراهن لم يعد بحاجة لهم. ولكن هل يجب أن يخسروا ونخسر معهم الحراك القادم؟ هل يجب أن نخسره، وهو قادم بالفعل، وربما عن قريب؟
يجب أن نسترد المشروع القومي، ويجب أن نخرجه من المستنقع الذي وقع فيه. ويجب أن نسترد حزب البعث من منظمة الشبّيحة التي تسيطر عليه ونعيده الى الناس، كما يجب أن نسترد اليسار الوطني كله، ونوحده في جبهة حرية وديمقراطية وتقدم. وإلا فان عمى التاريخ سوف يقذفنا، من دون رجعة، الى خارج التاريخ. وليس أمامنا وقت طويل لعمل ذلك.
كسب المستقبل يمكن أن يبدأ ليس من كسب الناس، بل من كسب النفس أولا.
وهذا عمل قد يحتاج الى الكثير من الجرأة، والكثير من القدرة على النقد، إلا أنه يحتاج الى ثوريين حقيقيين؛ ثوريين ينتسبون الى مشاعر الناس وآلامهم ومعاناتهم؛ ثوريين يقفون مع شعبهم لا ضده؛ يساندوه ويدافعوا عن حقوقه ويضمنوا له كرامته حتى ولو كان على خطأ. ومعه يصلحون، وليس بالاستغناء عنه أو بالتعالي عليه.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز