نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هل وقع الروس في شرك مقلب أممي؟

من الواضح، تماماً، أن القرار 2043 جاء نتيجة لتوافق روسي-أمريكي، نص في بنده الأساس على استقدام 300 مراقب دولي إلى سوريا، كـ"تخريجة" مناسبة لتورط بعض أطراف الصراع في سوريا، بعد المعركة الفاصلة في بابا عمرو، معقل الاستخبارات الأطلسي التركي العربي، الذي شكل سقوطه نقطة التحول الهامة باتجاه حل دبلوماسي يحفظ ماء الوجه كثيرين بعد تيقنت أطراف العدوان من استحالة حسم الصراع عسكرياً وبعدما وصل إليه صراع الإرادات والقوى الكبرى وتقاسم النفوذ وحروب الطاقة ذروتها مجتمعة على الأرض السورية، وعلى أن يترافق ذلك، وباتفاق "الجنتلمان" مع تهدئة على الأرض ترعاها واشنطن من خلال الضغط على "مخدوميها"، أو وكلائها الإقليميين الذين يغذون الصراع ويعمدون على تأجيجه من خلال دعم الجماعات الإرهابية المسلحة، أو توفير الملاذ الآمن، والمخابئ لهم بعد تنفيذ عملياتهم الإجرامية على الأرض السورية.

 لكن لوحظ، وكما أن الهدنة كانت زمناً فاصلاً ووقتاً مستقطعاً، ومناسبة لإدخال مزيد من المسلحين والسلاح وتعزيز مكانتهم على الأرض، وإعطاء جرعة من الدفع المعنوي لهم، تجلى في هذا الاضطراد المتسارع والمتصاعد في أعمال العنف والتفجيرات التي قامت بها الجماعات المتطرفة، منذ بدء تنفيذ الهدنة، والتي بلغ عددها - أي الخروقات- 1400 خرقاً، كما ورد بالأمس القريب، على لسان وزير الإعلام السوري السيد عدنان محمود.

 ومن الملاحظ أيضاً، ومن دون أية مواربة، أن الملف السوري تم تلزيمه، وبـ"التراضي"، إلى وزارة الخارجية الروسية، اتي باتت شبه ناطق رسمي باسم سوريا، على مدار الأشهر الأخيرة الماضية، فيما التزم الوزير وليد المعلم الصمت المطبق، وصارت الرياح تصفر في جدران الخارجية السورية، بعد أن عهدت القيام بذلك إلى المقاول الدبلوماسي المحترف، سيرجي لافروف. ولقد أقلح الروس، والحق يقال، بالتحالف مع التنين الصيني الصاعد بقوة على الحلبة الدولية، في درء الكثير من الأهوال والمخاطر الأطلسية العسكرية التي منعت من افتراس اللاعب السوري، وإمكانية إخراجه بالبطاقة الحمراء، أو بالضربة القاضية على الطريقة الليبية.

 هذا الأمر عزز الثقة المتبادلة بين الجانبين الروسي والسوري، فاتحاً المجال نحو مديات أوسع، وآفاق لا محدودة من التعاون الثنائي بن الجانبين، مع وجود مصالح استراتيجية عميقة بينهما. وقد زاد أيضاً، بالمقابل، من ثقة الحليف الروسي، واندفاعاته الدبلوماسية، القدرات القتالية الخارقة، والتكتيكية العالية التي أظهرها الجيش الوطني السوري النظامي في مواجهة واحدة من أشرس حروب العصابات في التاريخ التي تشرف عليها وتديرها قوى إقليمية ودولية لا يستهان بها مادياً، وعسكرياً، ولوجستياً، واستخباراتياً.

 ومع التزام الروس بضمان تنفيذ حليفهم السوري لبنود خطة المبعوث الأممي عنان، لاسيما فيما يتعلق بالبند الثاتي القاضي بسحب قوات الجيش، والآليات الثقيلة، من بؤر التسخين اللاهبة التي يتواجد فيها المسلحون، لم تقم الولايات المتحدة، على ما يبدو، بإلزام وكلائها، وأدواتها المحلية والإقليمية، بالالتزام بهدنة الثاني عشر من الشهر الجاري، وحدث أسوأ التوقعات وهي عودة سيناريو المراقيبن العرب الذي كان حضورهم مدعاة، بمثابة إنقاذاً للمسلحين بعد أن حوصروا ووجهت لهم ضربات قاصمة نزعت منهم أية قوة تفاوضية أو قدرة على فرض أية شروط أو نيل أية مكاسب سياسية على الأرض.

 وها هو المشهد يتكرر ثانية، ويزداد دموية وعنفاُ بعدما لاح أن المسلحين قد أخذوا "روحاُ" ومتنفساً مع قدوم المراقبين، حيث يحاول الجانب السوري، ولو ظاهرياُ، إبداء التزام مطلق بتنفيذ بنود الهدنة لاسيما البند الثاني القاضي بسحب قوات الجيش من المدن، وفي هذه الأثناء، فالماكينات الإعلامية الجبارة جاهزة لاتهام "النظام" بأي خرق لوقف إطلاق النار، وهي التي كانت هي المصدر الرئيس على الدوام لبلورة التصورات، حتى الخاطئة منها، عن الوضع في سوريا والبناء عليه.

 يتراءى لي أن الروس قد وقعوا في شرك مصيدة دبلوماسية كبرى، وغدر مع هذا التصعيد العسكري غير المسبوق من قبل الجماعات المسلحة التي يبدو أنها لا تفعل ذلك إلا بالتنسيق مع قوى خارج الحدود، وهي خسارة معنوية ودبلوماسية للروس لا يستهان بها، ولا يمكن الجزم بأن الروس لا يعون هذه الحقيقة فقد أظهروا قدراً كبيراً من الحنق والغيظ لهذا الانقلاب و"الغدر" الأمريكي لهم إذ دعا لافروف وبالفم الملآن وعلانية السوريين للرد بقوة على الإرهابيين والجماعات المسلحة، لكن ما لا يعيه الجميع، ولا يمكن التنبؤ به في المدى المنظور هو طبيعة الرد واالانتقام الروسي، وزمانه، وقد تسبب ذلك لهم بإحراج كبير أمام حليفهم السوري الذي يبدو اليوم بين نارين، نار إرضاء، والالتزام مع الحليف الروسي والظهور بمظهر الاحترام للشرعية والإرادة الدولية، ونار المسلحين التي تصيب بلظاها، وتدمي المشهد السوري الجريح.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز