نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
مقابلة نضال نعيسة مع موقع فينيكس

 في هذا الحوار لـ"فينكس" مع الكاتب والإعلامي نضال نعيسة مرارة واضحة, وعلى أكثر من مستوى, يشعر بها السوريون عامة والصحفيون والاعلاميون منخم خاصة. ينتقد الحضور الاعلامي الطاغي للاعلاميي اللبنانيين على حساب زملائهم السوريين, ويوجه سهام نقده لوزير الاعلام السوري.. يقف مع الوطن في هذه الحرب الكونيّة المشرّعة ضده ويزاود عن حياض الوطن بقلمه وحضوره بما أوتي من قوة..

 باختصار: هذا حوار أقرب إلى المكاشفة في كل شيء يخطر في بال السوريين, في هذه اللحظة بالذات.. نترككم مع الحوار:

 نضال نعيسة لـ"فينكس": - بماذا تختلف ممارسات وفساد العائلة الهاشمية في الأردن عن ممارسات وفساد وشذوذ عائلة آل سعود وآل البشير ومبارك وغيرهم؟ هذه ثقافة المنطقة الموروثة أباً عن جد!

 -ويمكن بكل تجرد أن نطلق على النظام في سوريا "النظام الدرعاوي" لطغيان وهيمنة أحبتنا وأخوتنا وأهلنا الكرام في درعا عليه على مدى عقو

 - ألا يتسبب وجود القنديل والمرتضى وهيمنتهم على الإعلام السوري لهجرة وامتعاض وتموضعات لعشرات الكتاب والإعلاميين السوريين

 -عبثاً حاولت ايجاد مقال لوزير الاعلام السوري, واطالبه بكتابة مقال يخبرنا فيه عن المرحلة ورأيه فيها

1- يُحكى عن علاقات لك مع بعض النظام. ما مدى صحة ما يُحكى؟ وما هي التقاطعات بينك وبين النظام في هذه المرحلة؟ أين تختلف معه وأين تعارضه؟

 بداية شكراً لموقع فينكس لإتاحة هذه الفرصة لنا للتواصل مع جمهورنا الكريم وأبناء شعبنا السوري بعد أن أغلق في وجوهنا ما يسمى بالإعلام الوطني، كما وصفه السيد عدنان محمود مؤخراً، هكذا والله من دون مزح. بالنسبة لسؤالك صديقي سامر، لا أعتقد ذلك أبداً، لو كانت لي هذه العلاقات لما كنت عاطلاً عن العمل منذ ست سنوات، رغم وجود قرار وزاري بعودتي للعمل، وكل من حولي يعلم أنني بلا عمل في سوريا، رغم أنني كنت أعمل في خمس وسائل إعلامية تدر عليّ آلاف الدولارات حين كنت خارج سوريا، على العكس اسمي كما نما إلي، موجود على قوائم مكتب الأمن القومي السوداء، رغم نهاية حكم البعث وتحكم هذا المكتب بلقمة عيش المواطنين وتوزيع الثروة الوطنية على من يشاء من "رعيته". فحسابات البعض معقدة وليست بالبساطة التي تتصورها، ولكي يقام معك أي نوع من العلاقات يجب أن تتوفر فيك سلسلة طويلة ومعقدة من المعايير التي أعتقد أنني أفتقدها تماماً. هناك بكل أسف من يخلط بين المواقف الوطنية وغيرها وهذه مشكلته هو ولا علاقة لي بذلك.

 المهم أنا أعرف أين أقف. ومن يعرف عن أية مزايا حظينا بها في سوريا، ومن يوم يومنا، فليقدمها للجمهور، وليحاججنا بها. نحن ضد أي عدوان يمس أمن وسلامة سوريا وسيادتها وسنقف ضده بالتأكيد ونلتقي في هذا مع كثيرين. بالنسبة للوقت الحاضر، كلنا نعلم أن سوريا تتعرض لعدوان أممي لم يعد باستطاعة حتى أكثر الغلاة إنكار ذلك، ونحن من واجبنا الدفاع عن وطننا في وجه هذه البربرية الأطلسية-التركية-البدوية المتوحشة. نتفق مع كثيرين في المواقف الوطنية الخارجية وكالجميع لنا ملاحظات كثيرة على الإدارة العامة، وتوزيع الثروات، والفساد والاستبداد، والبطالة، والعدالة الاجتماعية ونعتقد أن الكثير من هذه الإشكاليات من المفترض أن تكون في طريقها للحل مع بزوغ فجر سوريا الجديدة الأنموذج الفريد في المنطقة كما أنبأنا بذلك الأستاذ وليد المعلم في مؤتمره الصحفي الشهير.

 س2- لاحظ الكثيرون أنه منذ بداية ما يُسمى بالثورة السوريّة كان هناك من يعمل على "شيطنة" العلويين بالتزامن مع العمل على شيطنة النظام السوري وربط الطائفة به (في حين أنكر آخرون ذلك), وكأنه يريد إبراز العلويين كفئة شاذة في المجتمع, في ظل صمت مريب من قبل المثقفين السوريين عامة والمنحدرين من الطائفة العلويّة خاصة..

 نضال نعيسة: ماذا تقول بخصوص عمل البعض على "شيطنة" الطائفة العلويّة, وبماذا تفسر صمت المثقف السوري على تلك الاتهامات بما في ذلك صمت المثقف المنحدر من الطائفة العلويّة؟ بكل أسف لعبت أطراف العدوان الأطلسي التركي البدوي على العامل الطائفي في محاولة استثماره لإحداث تغيير سياسي مع التعويل على عامل الأقليات والأكثريات والمذهبية والضخ التعبوي والحشو المضطرد بهذا الاتجاه اعتقاداً منها بأن هذا سيفلح في تأجيج الطوائف بعضها ضد بعض في مجتمع متعدد الأعراق والمذاهب كالمجتمع السوري وصولاً للحرب الأهلية التي روجوا لها كثيراً، وتحميل طائفة بعينها وزر كل المتناقضات والآلام والويلات والوضع الكارثي الذي وصلت إليه البلد بعد عقود من الفساد والاستبداد والمحاباة الذي لم تختص به طائفة واحدة بل كان نتاج ثقافة مجتمعية سائدة وموروثه مارسها الجميع بنجاح وكل الحمد والشكر لله وبدأت مع الدولة الأموية وفسادها واستبدادها ودمويتها الشهيرة، وكما قال ماركس إن النخب الحاكمة في أي مجتمع تحمل وتمارس وتعكس أخلاق وقيم وثقافة الطبقات المحكومة أي أن هذا الغيث من ذاك المطر، ودود الخل منه وفيه، وهذا ليس تبريراً لشيء بقدر ما هو محض تحليل علمي صرف لظواهر مجتمعية تعيشها كل أنظمة المنطقة ولا يختص بها النظام السوري والطائفة العلوية.

 بماذا تختلف ممارسات وفساد العائلة الهاشمية في الأردن عن ممارسات وفساد وشذوذ عائلة آل سعود وآل البشير ومبارك وغيرهم؟ هذه ثقافة المنطقة الموروثة أباً عن جد، ولو كان العلويون، أو الهاشميون، وآل سعيد في عُمان، سنة دروز أو أسماعيليون وحتى القرمطيون والفاطميون هم من يحكمون فستكون الممارسة والسلوك واحداً طالما أن الجميع ينهل من، ويستلهم ثقافة الصحراء التي تقوم على الغزو والنهب السبي والمغانم والمحاباة والعشائرية والعائلية والتمييز والاستبداد...إلخ.

 حين يتبرأ الجميع ويتخلصون من ثقافة وعقد وموروثات وجينات الصحراء فسيكون لنا ولكم كلام آخر. بالطبع هذا الرهان –الطائفي- والعبث والخيار فشل مع الوعي الرائع والنوعي والثقافة الوطنية العالية التي أظهرها مختلف السوريين إبان فترة المحنة والعدوان. وهنا لا بد من التفريق بين نوعين من المثقفين. نوع واع لطبيعة الخطاب ومآلاته وأهدافه ومنابعه، ونوع منخرط فيه، ومتورط فيه ومتورط حتى العظم في اللعبة الوهابية الخبيثة والشريرة والماكرة وقبض ثمن كل كلمة كتبها والحكم عليه راجع لضمير ووجدان الشعب والتاريخ الذي سينصفه ويعطيه حقه الكامل. رأيي غير مهم ها هنا. وسأتكلم ها هنا عن بعض المثقفين العلويين الذين مشوا في الموجة، وسايروا خوفاً من اتهامهم بالطائفية وهذا موقف جبان وانهزامي وضعيف ومذل وانسياق وراء الخطاب الرعاعي الديماغوجي رغم أن الأمور كانت واضحة منذ البداية من خلال الشعارات والرموز الطائفية البغيضة وخطابها المريض، والتي كانت تقود العمليات العسكرية على الأرض وتدعو لسفك الدم السوري. ولعلي أستشهد هنا بما أتى بكتاب صديقي أُبيّ حسن في كتابه المثير للجدل "هُويتي.. من أكون؟! في الطائفية والاثنية السوريتين" الذي قرأ من خلاله ما يجري في سوريا قبل حدوثه بثلاثة أعوام, فلقد تحدّث في كتابه سابق الذكر عن تبني الأقليات لخطاب الأكثرية نفاقاً منهم وممالأة لهم وقلّة منهم عن قناعة, على أية حال يمكنك الرجوع إلى الكتاب فهو مفيد وهام جداً لفهم ما تعيشه سوريا راهناً.

 س3- يتهم البعض النظام السوري بأنه استغل الأقليات إبّان معركته ضد الإرهاب الإسلاموي والأممي الممنهج راهناً والموجّه ضد سوريا الدولة والمجتمع. ما رأي نضال نعيسة في ذلك؟

 لا لا أبداً على الإطلاق لو كان الأمر كذلك لاختلف سير الأحداث وذهب في وجهات كارثية. إن أحد أهم أسباب الصمود والثبات والانتصار في سوريا هو التلاحم الوطني الرائع وتجنب الانخراط في هذا المأزق، الجميع كان يدرك أن القضية وطنية تستهدف سوريا وليس طائفة أو فئة بعينها. ونرى رموز الدولة الكبار العسكرية والمدنية الفاعلة في القرار هي من مختلف الطوائف، ويمكن بكل تجرد أن نطلق على النظام في سوريا "النظام الدرعاوي" لطغيان وهيمنة أحبتنا وأخوتنا وأهلنا الكرام في درعا عليه على مدى عقود، وهذا ليس حسداً ولا "ضيقة" عين كما يقال، ولكنه توصيف حقيقي للواقع، وتحضرني ها هنا عشرات الأسماء التاريخية.

 س4- يلاحظ أن ثمة مزاج عام لدى العلويين يفيد بأن غالبية المعارضات والمعارضين السوريين يتفقون على كره ومحاربة العلويين ككيان اجتماعي وثقافي, بدليل عدم إدانتهم(المعارضين) لأي مجزرة طالت العلويين منذ بداية الأحداث في سوريا, عدا عن تهجيرهم من قراهم والأحياء التي يسكنها بعضهم في بعض المدن مثل دوما وحرستا وحمص.. الخ. ويميل البعض أن بعض أقطاب النظام يحتقر أبناء هذه الطائفة (من أمثلة الاحتقار التاريخي المزمن عدم الاعتراف بالطائفة العلويّة ككيان اجتماعي وعدم تمثيلهم بوزارة الأوقاف السوريّة كما هي الحال عند طائفة الموحدين الدروز والإسماعيلية الكريمتين, مثالا لا حصراً).

 بالنسبة للشق الأول من السؤال لا أعتقد ذلك هذا الأمر قد يكون موجوداً لدى بعض المرضى النفسيين من أصحاب المشروع الماضوي الظلامي الصحراوي. لكن بالإجمال يمكن القول أن حيفاً وضيماً وظلماً تاريخياً و"استوطاء لحيط" هذه الطائفة من الجميع، وأستطيع الجزم أنها واحدة من أفقر الطوائف الموجودة في العالم، ويرجى عدم النظر إلى بعض الرموز والأسماء التي أثرت من خلال تواجدها في مفاصل سلطوية، لكن غالبية أبناء هذه الطائفة تعاني الفقر والبطالة والتهميش وضنك العيش والقلة والتعتير وأجزم أن نسب البطالة تتجاوز الستين بالمائة وهذه كارثة اقتصادية واجتماعية تهدد استقرار وأمن البلد على المدى البعيد ولها منعكسات اجتماعية خطيرة (دعارة، إجرام، مخدرات، نصب، احتيال....إلخ)، لنذهب إلى منطقة مثل الكورنيش الجنوبي(في مدينة اللاذقية وهو ذو غالبية سُنيّة.

 ملاحظة من المُحاور ونقارن أسعار الشقق والعقارات والأراضي مع غيرها في أية منطقة في اللاذقية، سعر الشقة الواحدة هناك يشتري حي مثل الدعتور(ذي الغالبيّة العلويّة, ملاحظة من المُحاور) بكامله، وكذا الأمر بالنسبة للخدمات وارتفاع مستوى المعيشة وازدهار الحياة بشكل عام. تبدو هناك محاولات لطمس وتهميش دور العلويين وعدم إظهارهم على الساحة والواجهة لأسباب نتفهمها جداً وجيداً ولا يوجد لهم أية مرجعية دينية ولا سياسية ولا قرار واحد, وكما قلت لا يوجد هناك وقف علوي رسمي وكل هذه الأمور، ولا نرى، مثلاً، شيخاً علوياً في وسائل الإعلام "الوطنية تبع" عدنان محمود هذا الأمر في جانب واحد مضيء وجيد وينفي أي استئثار او تمييز للطائفة، ولكن من جانب آخر قد يصيبهم ضيم وحيف لعدم تمتعهم بما يتمتع به نظراؤهم من الطوائف الأخرى من اهتمام بالأعياد والمناسبات وإرسال الموفدين من القصر الجمهوري لمشاركتهم أعيادهم وتهنئتهم بها كعيد الغدير مثلاً. كل ذلك يفعله النظام باعتقادي لإبعاد شبح تهمة الطائفية عنه أو لعدم إفساح المجال لتوجيه أي انتقاد له بهذا الصدد وهذا ما أصاب الطائفة على المدى الطويل بعاهات اجتماعية واقتصادية كارثية! تصور منطقة من اللاذقية وصولاً إلى كسب، تعادل نصف مساحة لبنان تقريباً، لا يوجد بها منشأة سياحية أو مصنعاً حكومياً أو، أو، أو...؟ ما هذا؟ وللعلم فالطائفة العلوية هي الأكثر مظلومية وفقراً في سوريا وهذا الكلام لجوزيف أبو فاضل، وليس من عندي، صديق الشباب وأهل العقد والحل والوصل الحميم، ونحن نعلم كأبناء لهذه الطائفة الكريمة مدى الفقر والتعتير والتشحير والبؤس والرثاثة القاتلة والمحزنة التي عاشتها وما زالت تعيشها هذه الطائفة في ظل حكم البعث العروبي البدوي أدام الله ظله الكارثي فوق الجميع.

 س5- قرأنا كغيرنا عدة تقارير صحفية تّبين الدور السلبي لتركمان سوريا في ما يجري راهناً في الداخل السوري, فالأحداث المؤسفة الجارية في سوريا, وبحسب هذه التقارير ظهر أن ولاء التركمان لتركيا وليس لسوريا, وقد مارسوا عنفاً غير مبرر ضد بعض مكونات الشعب السوري من ذبح وتمثيل بالجثث فضلاً عن تخريبهم لمؤسسات الدولة حيث ثقفوها.

 نضال نعيسة كيف ينظر إلى هذه المسألة؟ وإن صحت فهل هذا يعني أن سوريا أو مواطنو سوريا يعيشون أزمة هويّة؟ بالنسبة للشق الأول لا تتوفر لدي أية تقارير ومعلومات ولا أريد الخوض في هذا الجانب لما له من حساسية خاصة, ولا أستطيع التعميم, وأعتقد أن المال السياسي والوهابي وجد طريقه للجميع، والمرتشي والفاسد لا دين ولا طائفة ولا هوية محددة له. بالنسبة للشق الثاني من الموضوع، وبعد عقود من الضخ الفاشي العروبي السلفي الماضوي الصحرواي الغيبي لاشك تبدلت الثقافة المجتمعية الرسمية وتبدلت معها الولاءات الوطنية لدى البعض, وصارت ولاءات غير وطنية لذا نجد من توهبن وتصحرن وتسلفن وصار ولاؤه للمهلكة الوهابية أكثر من ولائه لسوريا. هناك أزمة هوية حادة , كانت الثمرة الأولى لسياسات البعث الثقافية والتربوية التي تصب في مصلحة التيارات الظلامية في النهاية، شئنا أم أبينا، عن جهل أم عن قصد. ومناهج البعث التربوية لا تفرق كثيراً عن مناهج دول الصحراء ومحميات أمريكا الصحراوية التي أعرفها جيداً.

 س6- ما تقييمك لدور الإعلام السوري في هذه المرحلة العصيبة؟ وكيف ترى التحليلات التي يقدمها المحللون السياسيون السوريون الذين باتوا ضيوفاً شبه دائمين في وسائل الإعلام السوري؟ وما هو رأيك بحضور الإعلاميين اللبنانيين في الإعلام السوري؟ كيف تنظر الى تحليلاتهم, خاصة أنه سبق أن نعتهم بـ"كتيبة لبنان الإعلامية"؟

 هنا مربط الفرس وعقدة النجار التي تجعلنا نتوقف عندها كثيراً. لقد حاول الإعلام السوري الرسمي الموجّه الذي على ما يبدو لا يديره إعلاميون، حاول دائماً ألا يكون إعلاماً، وأن يبتعد عن المهنية الإعلامية ولذا نرى معظم وزراء الإعلام السابقين من غير الإعلاميين ولا علاقة لهم بالإعلام على الإطلاق, ولعلك تذكر حقبة التهريج والانحطاط الإعلامي التي عاشتها سوريا في عهد محسن بلال, وتغليف كل ذلك الفشل والرثاثة برطانة وبلاغات المقاومة للتغطية على التقصير, وكلنا نتذكر مقابلته المهزلة مع أحمد منصور, وتكريمه للجاسوس الإسرائيلي عزمي بشارة رغم تحذيرنا وكشفنا لهويته الصهيونية الواضحة للعميان قبل ذلك، ومن منابر الإعلام السوري الفاشل والغبي تم تعظيمه وتقديمه وتفخيمه ومنحه لقب المجعـّر عفواً المفكر العربي, هكذا كان الإعلام. أما مع الوزير عدنان محمود الذي لم أجد له أية مساهمة إعلامية ولا مقالاً مكتوباً ولا رأياً بقضية رغم بحثي الدؤوب في دهاليز النت، ولم أعثر له على أي إبداع أو إنجاز إعلامي يذكر، وخلال الأزمة لم أقرأ له ولا مقال رأي بما حدث ويحدث وهذا من صلب واجبه وعمله كونه يمثل السياسة الرسمية الإعلامية السورية وهذا تقصير وظيفي ما كان يجب للسيد الوزير أن يقع فيه، ونحن جميعاً بانتظار وتلهف مقال رأي بخط يده وقلمه بالتأكيد كي نطلع على ما في الجعبة الفكرية والثقافية والزاد والمشروع الإعلامي وموقف السيد الوزير مما يحدث، وكل ما أعرفه عنه أنه كان "مدعوماً" من قبل جهات معينة وقريب لأحدهم, وتدرج من موظف بسيط في مكان لا علاقة له بالإعلام حتى وصل إلى سدة الوزارة.

 وخلال الأزمة شعر الإعلام السوري أنه يجب أن "يخجل ويستحي" على حاله ويشتغل بالإعلام ويصير أعلاماً حقيقياً مثل بقية إعلام خلق الله, حتى بدو الصحراء سبقونا في هذا المجال الإبداعي العظيم الذي يعكس روح وحيوية وعظمة أي شعب من شعوب الأرض، فبدأ في الحقيقة، ولو على استحياء مع المحافظة على تابوهاته وأضاليله وألاعيبه المعروفة، بممارسة نوع من الحرية الإعلامية المشروطة ببعض قواعد الماضي ولـ"ناس وناس"، ومع "ناس وناس"، أي سياسة الخيار والفقوس التاريخية المعروفة، وتابع الإعلام في الأزمة سياسة محاباة فريق وصوت ولون واحد برغم بعض الانفتاح، أي كان هناك انفتاح على الذات المغلقة، وليس على الآخر المختلف التي استمرت محاولات تطفيشه وتهميشه وحرقه والتعتيم عليه, لذا لم تر معارضاً واحداً على شاشة التلفزيون الرسمي التي كانت تتهيب حتى وقت قريب توجيه أي انتقاد لدول الخليج المتورطة بالدم السوري وفاء للسياسة المواربة المقززة والكريهة للإعلام الرسمي السوري. أما الاستعانة بالكتيبة الإعلامية اللبنانية فهو ما يميز اليوم الإعلام السوري كتعبير عن عجز فاضح لهذا الإعلام عن النهوض بمسؤولياته وهو أمر مهين ومشين للشخصية الوطنية السورية, وتبدو المحطات السورية أحياناً كقنوات لبنانية لكثرة استضافتها للكتيبة الإعلامية اللبنانية إياها في ظل تغييب وتخميد للشخصية الإعلامية الوطنية السورية كالقرعاء التي تتباهى بشعر خالتها, وهذا إجحاف وظلم وافتراء على الإعلاميين السوريين وإهانة وطنية عامة, وكأن لسان حال من يشرف على الإعلام السوري يقول لسنا بحاجة لكم يا سوريين، ولا لخدماتكم، فلدينا من يدافع عنا.

 لننظر مثلاً في ظاهرة ناصر قنديل؟ من هو هذا الرجل؟ ولماذا هو على ما هو عليه دون غيره؟ ولماذا يتم تفخيمه وتضخيمه إلى هذا الحد على حساب السوريين؟ لماذا لا يفخم السوريون مثله؟ ولماذا يهيمن على الإعلام السوري ولماذا هذه الدعاية الهائلة له؟ ولماذا منح إمبراطورية إعلامية اسمها "توب نيوز" تدر عليه الشيء الكثير وهناك من الإعلاميين والكتاب السوريين لا يجدون ما يسد رمق أطفالهم وممنوعون ومحرومون من العمل والظهور في وسائل إعلامية سماها عدنان محمود بالوطنية؟ وكذا بالنسبة لظاهرة حسين مرتضى أيضاً وغيرهم، وغيرهم كثيرين ممن يتحكمون بالقرار الإعلامي في سوريا ويبسطون الرزق لمن شاؤوا هم ويقطعون الرزق عمن شاؤوا من الإعلاميين السوريين, وهم من يزكوا إعلاميي سوريا أمام الجهات النافذة ويقيـّمون هذا وذاك ويرفعون زيداً إلى عنان السماء ويخسفون الأرض بعبيد المسكين إلى أسفل درك؟ أنا، مثلاً، وأعوذ بالله من كلمة أنا، كتبت أكثر من مائتي مقال خلال الأزمة, كلها تفضح الإرهاب "الثوري" والمؤامرة الوهابية الأطلسية التركية ضد سوريا، لم أقبض عليها قرشاً واحداً، وكانت هذه المقالات ستعمل لي ثروة حقيقية لو نشرتها في الشرق الأوسط أو الحياة، أو لو ركبت موجة الثورة كما يفعل بعض الكتاب العراعير، ولكن أياً منها لم يجد طريقه للنشر في الإعلام الذي سمـّاه السيد الوزير بالوطني، من المسؤول عن هذا ولماذا لا يسأل ولا يحاسب؟

 وأين هو "إعلامه" الوطني أم أنه لا يتابع ما يكتب عن سوريا ولم يسمع بنكرة اسمها نضال نعيسة حيث الحظر سار وحيث الجميع "يستوطي حيط" كتاب وإعلاميي سوريا في الوقت الذي لا يكاد يفتح ناصر قنديل وغالب قنديل وحسين مرتضى فمه بكلمة واحدة حتى تردد كلماته جميع وسائل إعلام السيد الوزير الوطنية طبعاً التي تديرها الجهات النافذة وكأنهم يقولون كلاماً منزلاً! وحين كنت خارج سوريا كنت أعمل في ما لا يقل عن خمس وسائل إعلامية، تدر عليّ آلاف الدولارات شهرياً، ولكن في سوريا ممنوع من العمل فيما يسمى بالإعلام الوطني وهنا يحق لنا أن نتساءل من يريد تطفيش وحرق وخنق الأصوات والشخصيات الإعلامية السورية وتقزيمها ومسخها لمصلحة آخرين، ولمصلحة من هذا في النهاية؟ لماذا نبدع و"نصل" ونصبح مشهورين وتحترمنا الفضائيات والناس خارج سوريا وفي سوريا نصبح نكرات مذمومة لا أحد "يشيلنا" من أرضنا؟ لماذا ما زال البعض يتصرف بالوطن كمزرعة خاصة يهب فيها الرزق لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء؟ إذا كنا متهمين ومشكوك بأمرنا ومن لديه أي شيء يتعلق بهذا لماذا لا يذيعه موثقاً وينشره على الملأ؟

 وإذا كنا عملاء وصهاينة ونقبض من وزارة الخارجية الإسرائيلة كما روجت صحفهم "الوطنية" لماذا لا ينشر ذلك على الملأ ونحاكم ونعدم في الساحات العامة مثل كوهين؟ وإذا كانت الخارجية الإسرائيلية والخارجية الأمريكية وغيرها تهتم بكتاباتنا وتحللها لماذا لا تلاقي مقالاتنا نفس الاهتمام في الإعلام الوطني؟

 هل لأنه لا يحتمل جرعة الحقائق فيها؟ وهل مجرد أن يقرأ ويهتم بمقالك أحد في العالم أصبحت عميلاً ومأجوراً له؟ بنفس المنطق الإعلام الإسرائيلي ينشر ويحتفي ويذيع تصريحات المسؤوليين السوريين وصورهم ويحلل أقوالهم فهل أصبحوا عملاء له كما وصفتنا صحف السيد الوزير الوطنية؟ أي منطق غبي وتعيس وأخرق هذا؟ ألا ساء ما يحكمون وما يفكرون؟ ألا يتسبب وجود القنديل والمرتضى وهيمنتهم على الإعلام السوري لهجرة وامتعاض وتموضعات لعشرات الكتاب والإعلاميين السوريين وإمكانية توظيفهم وتجنيدهم واستئجارهم من قبل قوى تتربص شراً بالبلد؟ ومن هنا، والحال، لا يحق لأحد أن يتذمر ويشكو ويكيل الاتهامات لتلك الأصوات التي نراها في الخارج طالما أن "الإعلام الوطني" أُغلق في وجهها وسدّت أية إمكانية للإبداع والعمل وخدمة الوطن في الإعلام الذي سماه بالوطني.

 هل يخدم وجود قنديل والمرتضى وغيرهم سوريا على المدى البعيد عبر إبعاد وتهميش ومسخ وتقزيم الشخصية الإعلامية الوطنية السورية؟ لماذا لا يوجد لدينا ناصر قنديل سوري ويمنح ما منح القنديل من امتيازات واستثناءات هائلة وأسطرة لا أستطيع فهمها أبداً؟ وما دام الشيء بالشيء يذكر أنا عملت في قناة فضائية في لندن ولبضعة أشهر لم آت على ذكر سوريا ولا أي من رموزها بكلمة نابية، واستقلت من تلقاء نفسي وعدت إلى سوريا طواعية ولن أقول غير ذلك لأنني أستطيع قول المزيد، ولكن ماذا عمن عمل في قناة الجزيرة ما غيرها غرفة العدوان والعمليات على سوريا، وكانت علاقته المباشرة مع حمد بن جاسم صاحب القناة وأثرى من وراءها بعد عمل سنوات وصلت عقداً من الزمان ثم نراه نط فجأة، ودخل القصر الجمهوري بصفة مستشار وصاحب قرار وشأن إعلامي كبير؟ من أخطر على سوريا قناة لندن أم الجزيرة وصاحبها أمير قطر وحمد بن جاسم؟

 أنا أملك تسجيلات مرئية من الجزيرة نفسها لسامي كليب، حبيب ومحظي الإعلام "الوطني" السوري حالياً وهو يشتم ويصف النظام في سوريا بأبشع وأقذع الأوصاف في برنامجه "زيارة خاصة" مع أكثم نعيسة من باريس ومع ذلك لايرصع علي جمالو, صاحب الموقع سيء الصيت الذي صار بوقاً محتلاً من الكتيبة اللبنانية ورموز الارتزاق في لبنان، مقالات سامي كليب المنقولة إلا بعبارة التفخيم بقلم سامي كليب وكأنه رسول مرسل يتلو كتاباً حكيماً ويلقي مواعظه التلقينية علينا نحن التلاميذ والجهلة السوريين؟ هذا الانحناء والاستجداء والتذلل أمام الكتيبة اللبنانية وفي ذات الوقت تجاهل وإنكار والحقد على وكراهية واستعداء والكيد والترصد ومعاقبة السوري وإهماله أمر غير مفهوم وغير مبرر ولا علاقة له بشي اسمه الوطنية السورية، وثم يأتيك عدنان محمود ليقول لك بأن المزرعة التي يديرها هي إعلام وطني.

 "طيب" كيف استقام لك هذا يا سعادة الوزير؟ و"طيب" لماذا تمت مسامحة هذا ودخل غيره من موظفات الجزيرة السابقات إلى قلب القصر الجمهوري وما زال حكم الإعدام والمنع والزجر والقمع والخنق سارياً ضد غيره؟ لماذا أعفوا عن العراعير وحملة السلاح والقتلة الوهابيين ولم يعفوا عن آخرين لأسباب نعلمها ونتفهمها تماماً وستقال في زمانها ومكانها؟ لماذا ما زالت أسماء المئات من الشرفاء والكتاب والنشطاء وأصحاب الرأي على قوائم مكتب الأمن القومي للحزب ومحرومين من حقوقهم المدنية ومن العمل في سوريا ومن العودة لوظائفهم وصرف رواتبهم المجمدة؟ من هو الوطني العظيم المسؤول عن هذه المجزرة الوطنية؟ ومتى يحاسب مثل هؤلاء؟ أعتقد أن هذا التمييز والتفضيل والكيدية ليس في مصلحة أحد على المدى البعيد ويرسل رسائل وإشارات جد سيئة وضارة في غير اتجاه. ومأساة الإعلام السوري الدائمة هي في الاجترار، سواء في اجترار المقولات أو الأشخاص أو الأفكار وهو ما يدخله في دوامة النمطية والمراوحة في المكان.

 ليس في الإعلام السوري أية خبطات إعلامية أو قفزات نوعية واختراقات مهنية ونجوم فضائية تسجل له. هل تستطيع أن نذكر لي اسم مقدم برامج "نجم" سوري معروف على النطاق الوطني قبل الإقليمي والعالمي؟ هنا معيار وتقييم أي إعلام هو في القدرة على تصنع وإنتاج النجوم وتصديرها للفضاء الخارجي. يوجد هنا بعض الاستثناء فيما يتعلق بالإعلام السوري وهو ما تقدمه قناة شام إف إم التي لا بد من التذكير أنها قناة خاصة فلقد حققت اختراقات إعلامية هامة جداً تحسب لها, وكانت سلاحاً فعالاً وهامة في المهنة وهذه رسالة لأصحاب القرار لإدراك أننا من الممكن أن ننافس إعلامياً ونسيطر على الفضاء الإعلامي ويكون لدينا إعلام وطني ذو هوية وطنية سورية. أعتقد أنه بات من المحتم على الجميع أن يدركوا أن معظم المعارك وبنسبة كبيرة منها إعلامية ونفسية ومن هنا لا بد من امتلاك هذا السلاح الفعال والماضي، والعمل به وفق آليات ومعايير الوطنية والكفاءة والإبداع والدرجة العلمية وأن يكون الإنتاج والنجومية والعطاء هي المفصل وليست تلك المعايير القديمة والبالية التي أهلكت الزرع والضرع.

 س7- ثمة مرارة في حديثك عن الإعلام السوري, وربما في تطرقك الموسّع والمسهب عن الإعلاميين اللبنانيين ما يلامس جراح الكثير من زملائهم السوريين, لكن لو كان الإعلامي والصحفي السوري بمكانة زميله اللبناني هل كان الإعلام السوري لجأ إليه؟

 كان هناك عملية مسخ وتقزيم تاريخية للشخصية الإعلامية السورية بحيث كما قلت لك لم يفرز هذا المسمى بالإعلام السوري ولا نجم إعلامي عبر تاريخه وكان هناك إهمال ملحوظ وتعال وتنكر لأي صوت إعلامي سوري مميز ورغبة في تهميشه وخنقه والتعتيم عليه، أنت تعلم دهاليز العقلية التي تدير الإعلام وغيره وترتاب حتى بالهواء وهذا ما أدى تاريخياً لإفراغ الإعلام من أي شخصية مؤثرة وفاعلة ومعروفة على النطاق المحلي أو العالمي، وحين مر الإعلام بأزمته لم يجد من يعتمد عليه من إعلاميين سوى مرتزقة من هنا وهناك يبيعون السوريين الوهم ويمنونهم بالأحلام ويعتاشون على معاناتهم وآلامهم, كما رأينا في المرحلة الأخيرة الغياب الكامل للإعلامي السوري المخضرم الوطني وظهور كتيبة إعلام لبنانية تستوطن الإعلام السوري وتوجهه وتحدد مساراته.

 أي إعلامي سوري، ممن لا يجد قوت يومه لأطفاله، يحلم اليوم أن يفتح الله عليه طاقة ليلة القدر التي فتحت على ناصر قنديل والتي تدر عليه ملايين الدولارات شهريا، والذي يقحم اسمه في حياة السوريين بكرة وأصيلاً، وليلاً ونهاراً، ولا تكاد تفتح أية وسيلة إعلامية سورية حتى تطالعك بفتح إعجازي له. وانضم إلى القائمة سامي كليب الذي نقل البندقية من الجزيرة إلى إعلام عدنان محمود، وياسر قشلق تاجر الآثار المعروف "رجل الأعمال" كما يقدمه لنا إعلام عدنان محمود الذي "فتحها" الله عليه بفضائية بحالها، وسمعت أيضاً أن المدعو سالم زهران أيضاً يتحضر كي تفتح له طاقة القدر الإعلامية السورية، هؤلاء مع طابور طويل عريض لا يجمعهم جامع سوى أنهم غير سوريين. هذا الأمر يخلق حساسية عالية لدى طابور آخر من الإعلاميين السوريين المنبوذين والمبعدين عن مزرعة عدنان محمود الذي لا يطيق، مع غيره، رؤية سوري واحد، ومهما كان شكله ولونه. يا أخي لا أعرف لماذا يسبب لهم السوري كل هذه الحساسية ويستبدلونه باللبناني هل لأن مزمار الحي لا يطرب.

 والسؤال الذي أود طرحه لمن يعنيهم الأمر فقط لماذا ينجح الإعلامي السوري ويحلق خارج "مزرعة" الإعلام السورية وهنا تراه كاليتيم على مائدة اللئيم. للأسف هناك من لازال ينظر للإعلام كمزرعة وملكية خاصة يديرها على مزاجه ولكن لهذا عواقب وخيمة على المستوى البعيد، وأهمه هجرة الكفاءات الإعلامية السورية واستقطابها من قبل جهات إعلامية وتوظيفها في خدمة مشاريع لتفتيت وتدمير سوريا ولا أعتقد أن هذا ما يريده من صدع رأسنا بالحديث عن إعلام وطني. ومن هنا صار كثيرون يتمنون لو منحهم الهر الجنسية اللبنانية؟ صحيح هل بإمكانك تأمين جواز سفر لبناني لي ولو مزور ربما نجد عملاً في مزرعة عدنان محمود نقي به هذه العائلة من غائلة الجوع والمستقبل المجهول؟ بصدق لا أمزح.

 س8- ما هو مستقبل الطائفة العلويّة في سوريا؟ هل تعتقد أنها ستنقرض –كما يعتقد البعض- في ظل المد الوهابي, وفي ظل خوف البعض من انتشار "ثقافة" ومفاهيم ولاية الفقيه الشيعية الفارسية في ربوع الساحل السوري, لاسيّما أننا نسمع عن "استفزاز" قام به موالون ومقربون من حزب الله في اللاذقية وطرطوس بعد حرب تموز بالتوازي مع ما تقوم به الوهابيّة السعودية في عدة مناطق سوريّة بما في ذلك مناطق غالبيتها من الطائفة العلويّة؟ هل سنشهد يوماً تنقرض فيه الطائفة العلويّة بكل تراثها ورموزها لصالح الثقافة الفارسية أو الوهابيّة مثلاً؟

 للأسف هذه الحال من الاستقطاب الطائفي قائمة في المنطقة وقد حرفت أولويات واهتمامات شعوب المنطقة عن مساراتها في الحداثة والعصرنة وهذه كارثة كبرى تحل بالمنطقة وهي ردة حضارية بكل ما للكلمة من معنى، ولا يجب أن ننسى أن الجذر الإيديولوجي للوهابية والشيعية واحد، وبالتالي لا أجد كبير فرق بين التيارين، وإن كان هناك ثمة فرق فهو بالدرجة وليس بالنوع وأنا عموماً ضد تغلغل الفكر الديني في أي مجتمع وأن تكون توجهات الدولة علمانية صرفة لاسيما في ظل هذا التنوع المذهبي الهائل. وللأسف قد تكون بعض الطوائف الصغيرة ضحية لهذا التجاذب والاستقطاب العنيف والحاد.

 لا أعتقد أن يكون هناك انقراضاً أو زوالاً لهذه الطائفة طالما أن ذلك لم يحصل عندما كانت ضحية لعمليات إبادة في التاريخ القريب واستمرت. أعتقد مع انحسار المال البترودولاري السياسي سينحسر تأثير الوهابية والشيعية السياسة وتعود المنطقة لنقائها الحضاري الأصيل والأمر وارد وقريب ولا أعتقد أن الثقافة الفارسية أو الوهابية ستنجح في سوريا. ولا شك أنه مع كل فراغ حضاري وتراجع للحداثة ستتقدم قوى الظلام والماضي لاحتلاله. وتصحيحاً ليس هناك ثقافة فارسية عظيمة كما نعرفها في التاريخ بمعنى الكلمة، ولكن هناك شيعية سياسية لا تختلف كثيراً من حيث المحتوى والمضمون الإيديولوجي، بزواجرها ونواهيها وتابوهاتها وآلياتها، عن الوهابية. الثقافة الفارسية القديمة ولدت حضارة عظيمة ومعظم مفكري ما يسمى بالحضارة العربية والإسلامية كانوا من الفرس المتأثرين بحضارتهم العظيمة. العرب لم يكن لديهم حضارة على مر التاريخ بل سطوا على حضارات الغير ونسبوها لأنفسهم, والدليل أنه لم تقم ولا حضارة عربية في جزيرة العرب على مر التاريخ, وحتى اليوم لا يوجد حضارة, وتعتبر منطقة الجزيرة العربية اليوم برغم الطفرة المالية أشد مناطق العالم تخلفاً وفقراً وديكتاتورية واستبداداً وانحطاطاً ورثاثة وانغلاقاً وشذوذية وانهياراً قيمياً وعبودية ونخاسة وممارسات عنصرية منحطة ومخجلة لا تمت للبشرية والأخلاق بشيء.

 س9- سؤالي الآن لك هو كان يغلب على كتاباتك الطابع الساخر ونقد التراث والفكر الغيبي ولكن منذ اندلاع الأزمة تحولت للانخراط بشكل مباشر بهذا الشأن وبالتحليل السياسي، واعذرني القول أن كثيرين يرونك موال للنظام وأعلنت وقوفك مع النظام منذ بداية الأحداث رغم معرفة كثيرين بما آل إليه وضعك الشخصي والمهني بعد عودتك من الخارج لسوريا؟

 نعم إن اتجاهي العام والمفضل بالكتابة هو الكتابة النقدية والساخرة، وهي من أصعب الفنون الكتابية، أن تنتزع بسمة أو تجترح مفارقة في زمن نمطي كئيب وباعث على المقت والأسى. ولاشك أننا جميعاً مهجوسون بالهم الوطني ومسكونون بحب الوطن وحين يكون هناك قضية وطنية عامة من العار أن تدير لها ظهرك تحت أية حجة ومسمى وشعار ويبدو الأمر بالنسبة لي كخيانة عظمى ليس إلا. لقد كان العقد الماضي، وبداية العقد الحالي، عقداً عاصفاً، ومائجاً وهائجاً لسورية، بكل ما للكلمة من معنى ترافق ذلك، بوصول السيد الرئيس بشار الأسد إلى سدة الحكم. فما إن انبلج صبح هذا العقد حتى طالعنا انتحاريو الوهابية بتفجيرات سبتمبر التي هزت العالم، وثم أتى احتلال أفغانستان والعراق، وبدأت موجات الخطر تتكسر على الشطآن السورية التي بدأت تضطرب وتهتز وتموج تحت وقع تلك الزلازل السياسية، وبدأت التحديات تواجه النظام أول الأمر مع ما سمي ربيع دمشق وتلا ذلك على الفور اغتيال رفيق الحريري، وانسحاب القوات السورية من لبنان الذي كان أكبر خطأ استراتيجي قاتل يقع فيه النظام خلال وجوده وبدأ يدخل منذ ذلك الوقت في نفق الاهتزاز الوجودي، وتبلور التحدي الجديد للنظام بظهور ما يسمى بإعلان دمشق أو كما أسميته إعلان قندهار(1) ثم أتت حرب تموز 2006 التي أعادت بعض التوازن للمشهد السوري الذي كان قد اهتز بعنف باد، ومن ثم يأتي عدوان إسرائيل على غزة، وصولاً إلى العدوان البربري الأطلسي التركي البدوي على سوريا، ومعهم حوالي ثمانون دولة من دول العالم التي الدائرة في الفلك الغربي الأطلسي. ، وكل هذه كانت تنويعات لإسقاط النظام واسمح لي القول أنني في كل هذه التطورات وقفت مع الدولة والنظام في سوريا، وحتى عندما كنت خارج سوريا، وفي دولة غربية، تحديداً. ذلك ما أملاه علي ضميري وواجبي الوطني أو هكذا كان ينبغي أن يكون الموقف ولست نادماً على أي من تلك المواقف.

 س10- ماذا عن ترشحك لمجلس الشعب؟ وما الذي تعتقد أن بإمكانك فعله؟ وهل لديك الإمكانيات لإطلاق حملة انتخابية؟

 في الحقيقة هذا حق وطني مشروع متاح لأي مواطن. ومن موقعي ككاتب وناشط وإعلامي "سابق" قبل العودة طبعاً لدولة البعث، وجدت أنه بالإمكان مواصلة مشواري التنويري وعملي العام خدمة لأوسع شريحة من الشعب السوري عبر برنامج انتخابي طرحته وتفضلتم مشكورين أنتم في فينكس بنشره وأرجو من المهتمين الاطلاع عليه. نستطيع من خلال التزامنا معاناة الفقراء وهموم الشعب والدفاع عنه أن نتابع العمل من منبر أوسع انتشاراً وأكثر تأثير وفاعلية في إيصال كل المطالب والأصوات المخنوقة والمظالم المنسية إلى أصحاب القرار وحل الكثير من الإشكاليات المجتمعية القائمة. وقد اعتمدنا بالترشيح على فرضية وأمل تمويل الحملة الانتخابية من خلال قروض اعتادت الحكومة منحها للمرشحين وخاصة ممن ليست لديهم القدرة، والدخل، والراتب في سوريا لتمويل ذلك ووضعهم بالتساوي والعدل مع المرشحين من الفئة "أ"، ومنهم ناس نافذون ومتنفذون وأصحاب وظائف عالية و"واصلين"، وما في ذلك من جور وظلم وحيف يلحق بالبعض ويغيـّب أي شكل من العدالة الانتخابية كشرط أساسي لأية عملية انتخاب ديمقراطية حقيقية.

 س11- عادة ما تصف حزب البعث بالفاشي، ما السبب في ذلك يا ترى؟

 كل الأحزاب القومية أحزاب فاشية وعنصرية، وهذا توصيف وليس سبة أو شتيمة وحين نسمي الأشياء بأسمائها فهذا ليس كفراً. أي كل تلك الأحزاب التي تعلي من شأن قوم، أو جماعة أو عرق وإثنية، وتقدّمهم على آخرين وتعتبرهم الأفضل والأحسن. وحين تمنع عن الناس العمل وفرص الحياة والصعود السياسي والارتقاء الاجتماعي لأنهم غير بعثيين فهذه ممارسة فاشية صارخة. والفاشية والنازية لم تكن تعطي ذاك الإيحاء السلبي في حينها وكانت لفظة النازي موضع تفاخر بالنسبة للنازيين، ولكن التجربة الفاشلة والدموية التي رافقت ظهور المصطلح هي ما وسمته بتلك السمة السلبية، ولو نجحت التجربة لربما صار إيحاء الكلمة افضل وأجمل. لننظر أيضاً إلى مصطلح البعثي في كل من سوريا والعراق وكيف صار يعني في عموم المنطقة إذ ارتبط بالفساد والديكتاتورية والمحسوبية والاستزلام والتزلف والوصولية والانتهازية وقمع الحرية لدرجة أن أحداً لم يعد يطيق سماع الكلمة. كذا الأمر بالنسبة لمصطلح الليبرالي حين استخدمه العربان وصار يرتبط بالانحلال الخلقي في بعض مشيخات الخليج الفارسي وسبة وشتيمة، نفس الأمر ينطبق على مصطلح العلمانية في بعض الدول المتأسلمة.

 س12- بمعزل عن مآخذلك على حزب البعث والتوصيفات التي تتطلقها عليه, ألا تجد أن للحزب المذكور أية انجازات في سوريا, على الأقل من حيث مجانية التعليم والطبابة في مرحلة سابقة لم تكن هذه المجانيّة مكفولة دستورياً؟

 لا يوجد أية إيجابيات لحزب البعث سوى هذه الحالة العامة التي وصلنا إليها, لأن الحزب لم يكن موجوداً فعلاً, فلا أعتقد أن هناك أنظمة في العالم تمنع التعليم عن أبنائها أو لا تسعفهم بسيارات الإسعاف في حال حدوث حادث معهم، والقضية ها هنا تمثل احتكار البعث لكل شيء بدءً بالتعليم والطبابة، ولكن السؤال هل يستطيع السوري العادي الدراسة خارج مدارس الحكومة التي تخرج أنصاف إرهابيين عبر حشو أدمغة الأطفال بالثقافة الصحراوية. الإنجاز الحقيقي هو فيما لو استطعت أنا أن أوفر لأبنائي مدارس تنويرية وعصرية ذات ثقافات حداثية وأتحكم بتعليمهم لا أن أفرض عليهم ثقافة السيوف والثقافة القومية التي تمجد السيوف المسلولة وعذاب القبر والثعبان الأقرع والقتلة والمجرمين والسفاحين في التاريخ كالقعقاع وغيره.

 من حيث الطبابة أنا لست موظفاً ولا يوجد لي أي تأمين صحي ولا يوجد مستشفي تستقبلني وعلي أن أشتري مع أطفالي حتى حبة الإسبرين التي يوفرها البعث للبعثيين والموظفين الذي يعملون لديه أما الآخر الذي حرم من نعمة البعث فلا يحق له الوظيفة ولا العمل ولا الاستشفاء في دولة البعث ويبقى كالنكرة إن لم يكن بعثياً فعن أية إنجازات تتكلم والدولة تميز بين مواطنيها وترفع هذا للسماء وتخسف ذاك للقاع إن لم يكن بعثياً وتشكك بولائه الوطني؟ الحكمة في أن تتحكم بمصيرك كمواطن حر ذي كرامة لا أن يكون مصيرك ورزقك رهنا هنا وهناك بيد هذا وذاك هنا الدولة الوطنية الحقيقية. أنا تقدمت بدراسة إحصائية موثقة للسيد رئيس مجلس الوزراء الجديد، وكالعادة رميت في سلة المهملات، بيـّنت له ومن واقع إحصائيات حكومية صادرة عن المكتب المركزي للإحصاء تبين وجود حوالي 15 مليون سورياً بدون رواتب ولا عمل ولا ضمانات صحية ولا رواتب تقاعدية وذلك في مقالي المعنون : "السيد رئيس مجلس الوزراء: ماذا عن غير الموظفين؟" هذه كارثة ومأساة وطنية فيما يتمتع بعض البعثيين بمزايا خرافية لم يتمتع بها لا قارون ولا شهريار وآخرون لا يجدون قوت يومهم بحيث صارت سوريا بحق جمهورية المعترين والفقراء. نصف الشعب يبيع بطاقات يانصيب ويعمل شوفير تاكسي يا رجل, والنصف الآخر يعيش عيشة الكفاف! هناك دول نهضت من القاع وصارت نموراً اقتصادية في العالم من دون وجود حزب البعث والبعثيين فيها, لا بل لا أحزاب شمولية ولا فاشية فيها. كل الأحزاب الفاشية قادت بلدانها نحو التهلكة والخراب المعمم.

 هات لي دولة فيها حزب فاشي عرفت الاستقرار والازدهار؟ والأمثلة أكثر من أن تحصى, فيما تحولت سوريا بعد نصف قرن من حكم حزب الأمة الواحدة والرسالة الخالدة إلى دولة من الفقراء والمهمشين وبائعي اليانصيب وبسطات الفول والبليلا والعاطلين عن العمل وسائقي سيارات الأجرة والملايين التي غاصت إلى القاع الاجتماعي من دون أن تجد ترياق البعث الذي ينشلها من مصيرها المحزن فعن أية إيجابيات تتحدث؟ هل الفساد والرشوة والمحسوبية والواسطة والمحاباة إنجازات بعد نصف قرن أم كوارث بشرية واجتماعية وأخلاقية أصابت الأمة السورية العظيمة التي لم تعرف هذا الهوان والقلق والخطر إلا في ظل حكم البع







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز