رياض هاشم الأيوبي
riadhayyoob@gmail.com
Blog Contributor since:
11 January 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الغواية الأخيرة للسيد الكبيسي

أثارت تصريحات الشيخ أحمد الكبيسي الأخيرة بشأن عليّ معاوية الكثير من ردود الأفعال المتناقضة بين عموم المسلمين ، فهذا الفريق ينكر على الشيخ تناول معاوية بالتسقيط وبالتكفير ، وهو الذي عرفناه ينكر ممارسة تكفير البشر ، وينكر مصادرة حق الخالق في الحكم على الناس، خصوصاً من ينتمون لزمان غير زماننا وليس هناك غير منقولات التاريخ تنبئ عن أخبارهم ، وذاك الفريق يبتهج ويزغرد كما لو كان والدة عروس مطعون بعذريتها وها قد جاءتها (البشارة) من لسان (شاهد من أهلها) ! أنا؟

 حضرت ببالي قصص فتن آخر العمر، واستحضرت معاني الآية الكريمة ( ومنكم من يُردّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علمٍ شيئاً) فور معاينتي لعبارات الرجل المنفلتة والتي قلّ أن تصدر من حبال صوتية عربية الإنتماء ، فموضوع تخطئة معاوية هو موضوع فارسي تم تصديره ضمن نشاطات غرفة تجارة الثورة الإسلامية الإيرانية إلى العقول العربية على مدى قرون مرت والناس نيام غافلين ، لم تكن مرجوّة من الكبيسي لأجل هذا السبب بالذات لا غيره وإلا، فهو رأي من الآراء لا أكثر ! وكنت قد أجّلت التعليق على موضوع تصريحاته هذا لتلاحك مواضيع مقالاتي الأخيرة وبشكل متسلسل بفعل تعليقات بعض القرّاء ، لكن يأبى بعض المعلقين إلا أن أرتدي بدلة القادسية الزيتونية وأضع البسطال الأحمر ، وأدخل هذه الساحة لأعيد تنظيمهم وأبرمج عقولهم لتعديل ما أحدثته بها تلك الفايروسات العابرة للخليج العربي ، فقد عرّض بعضهم في أكثر من تعليق ومراسلة شخصية ، بآراء الكبيسي هذه ، كما لو كانوا يتصورون تعدادهم قد زاد بواحد يعدل مليوناً ونقص من تعداد جماعتي بواحد يعدل عشرة ملايين !

 أنا أقف بالضد من آراء الكبيسي هذه ليس لأنني أؤيد معاوية ضد علي ، فتلك أبعد ما تكون عن إهتماماتي بتحطيم الأصنام ( لكن رغم ذلك، يبقى نظام حكم معاوية جديراً بالإحترام ، وإلا لما رأينا كل الرؤساء العرب وغير العرب يجتهدون للوصول لمستواه ويحكمون بلادهم بأقرب شيء لنظام حكمه وإن كان لا يبلغ معشار ما بلغه ذاك من الفطنة والتدبير و التوفيق . حتى بشار الأسد ووالده المقبور ، العلوي النصيري، لا علاقة لحكمه بنمط علي بن أبي طالب وإنما هو تقليد غبي لطريقة حكم معاوية ومن أعقبوه من الأمويين) . إنّ ما استفزني هو جملة أمور أخرى لها كل الإرتباط كما أرى بواقعنا الحرج وصراع قمبيز مع قحطان ، وبأذرع الإخطبوط التي وصلت إلى سوريا ولبنان ، وبكم جاءت تناولات الكبيسي في وقت يجعلها تخدم نظام الآيات الشيطانية في قم وطهران ، لذا لزم الرمي المدفعي ، ولذلك لزم إستخدام المهداد المتشظي ، ونتوكل على الله إبتداءاً فنقول : يجهل غالبية القراء من غير العراقيين وحتى من العراقيين غير المقيمين ببغداد في التسعينات أنّ الكبيسي تعوّد على إلقاء محاضرات رمضانية حظيت بمتابعين كثر ، فقد تعود أن يلقي تلك المحاضرات في جوامع بغداد مطلع التسعينات الفائتة تلك ،عقب صلاة العشاء من شهر رمضان ، ومنها جامع حي دراغ بالمنصور وجامع عثمان بن عفان في الشوارع الخلفية لحي الجامعة من جهة اليرموك . وكان الكبيسي ينقل محاضراته الرمضانية تلك من جامع لجامع ، بزعم تعميم الفائدة والتقرب من مناطق بغداد المختلفة ، وكنا نحن نتنقل معه كغيرنا .

 وأذكر أننا لم نجد مجالاً بداخل جامع عثمان في محاضرة منهن فبقينا ننصت خارج الجامع فيما مكبرات الصوت تضخ لنا ولأهل المنطقة المساكين ( وهو إجراء نعاني منه أشدّ المعاناة هذه الأيام ،مع أربعة جوامع تحيط بنا من كل جهة في مساحة محدودة لا تتحمل أكثر من مكبرات صوت لجامع واحد، وأصوات صبيان دون سن الحلم ، يتدربون برءوسنا وآذاننا على الأذان والتلاوة في كل وقت وبالذات يوم بدعة مولد النبي حيث نضطر للسفر هرباً من السعار الذي ينتاب المهووسين هؤلاء فيجعلهم يقلبون الأثير إلى جهنم تحرق كل مريض أو مستثار الأعصاب بفعل المعيشة العراقية القاتلة ، فلا ربّ العالمين أمر بهذا البث التعسفي ولا استنّه رسوله (ص) ، وإلا لكان مكان خطيب الجمعة في زمن الرسول (ص) وما بعده ، هو قمة المئذنة، لا المنبر داخل المصلى !).

 هذه الدكتاتورية أو الجبرية في إجبار الناس على السماع رغماً عنهم لها علاقة وثيقة بما أحكيه هنا ، فقد وجدتها كنفس طارئ لدى الكبيسي بعد إحتلال بغداد ببضعة سنين، وهو يشرح من قناة (سما دبي) الفرق بين ( ميْتا ، وميّتاً ) بشكل يوحي بالعناد وعدم التثبت ، في هذه وفي غيرها من خفائف الأمور التي كانت مجمل ما جعله ضيفاً للبرنامج ، كان أسلوبه إملائياً بشكل يثير الإستغراب لدى من يعرفه قبلاً ، وهو لم يوفق أصلاً في شرحه لأن المثال الذي ضربه وهو يعمم اللفظ ، تبين لي ،أنا من الناس، أنه غير ملزم كما إفترض الرجل وهو يعتبر الكلمة الأولى تخص الأرض والثانية تخص البشر ، وبشكل قاطع لا مجال لتفنيده وفق دكتاتورية الدكتور الكبيسي ، هناك آية واحدة بالقليل تقف بالضد مما يعتبره الكبيسي إكتشاف العصر المقيّد بإسمه كبراءة إختراع فيما القرآن الكريم يحفل بأمور كثيرة تستحق الشرح والتنوير في عصر المعلوماتية وفرط التواصل الإجتماعي الذي نعيشه هذا ! والله تعالى خلق القرآن قبل وضع قواعد اللغة العربية كما نعلم جميعاً ، وأنزله على قلب نبيّه (ص) قبل وضع القواعد أيضاً ، أنزله برسم خاص ، لا واو الجماعة فيه تخضع لقواعد الفراهيدي وسيبويه ، ولا إستخدام الضمائر يخضع لمفاهيمنا نحن الناطقين بعربية القرن الحادي والعشرين وما سبقه من قرون ، فأنت تجد آية تحكي عن ذات الله بلفظ المتكلم المفرد ( أنا ، إنني) ومن ثم يتحوّل اللفظ لضمير المتكلمين الحاضرين( نحن، إنّا)، وفي آيات أخرى ،فهل هو كلام عن ذات الله تعالى مقابل كلام عن الله تعالى وجبريل الروح الأمين، كما يرى من لهم رأي بذلك ، أم أنه أمر آخر لم يطلع الله تعالى أحداً من عباده عليه ؟ وهو يقسم بعبارات لا يمكن لها أن تصاغ وفق طريقة قسم البشر،( لا اقسم بيوم القيامة) و(لا أقسم بهذا البلد)، وقد تتعاقب صيغ أفعال الماضي والمضارع في نفس المشهد ، كما لو كان الزمان هو غير ذلك الزمان الذي نتصوره نحن البشر القاصرين، دالةً مستقيمة تصاعدية لا مجال للرجوع للخلف فيها ( ربما كان الزمان دائرة مغلقة ، من يعلم؟ دائرة تبدأ من نقطة وتنهي بنفس النقطة، بحيث لا تترك مجالاً للأسئلة الأزلية المستحيلة الحل تلك : ما كانت بداية الخالق؟ ما هي نهاية أمد الجنة و جهنم؟ ما هي الأبدية؟). و تأمل ببناء الآية رقم 153 من سورة الأنعام، ترى أنّ الله تعالى يبتدئ بلفظ المتكلم( وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه) ثم إذا نحن ، والآية التي هي وحدة واحدة لا تتجزأ لا زالت هي هيَ نفسها، إذا نحن بإزاء بناء لغوي يخص الغائب المفرد عقبها ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون) .

 ومثلها الآية رقم 98 من سورة هود ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار و بئس الورد المورود)، فنحن قبالة فعل مضارع ومن ثم فعل ماضي يعقب المضارع . هذا بناء لغوي بوحي سماوي الزمن بالنسبة له هو خلاف ما يبدو لنا ، كمّاً وإتجاهاً ، ليس لسان بشر مهما كانت فصاحة لسانه وبيانه . لا أدري كيف يرى الدكتور الكبيسي الفعل المذكر (يقنت) في خطاب موجه للنساء في الآية رقم 31 من سورة الأحزاب ( ومن يقنت منكنّ لله ورسوله)؟ هل تخضع لقاعدة لغوية؟ وما رأيه بإيراد عبارة (إناثاً) نكرة هكذا، مقابل عبارة (الذكور) المعرفة ب أل التعريف، في الآية 49 من سورة الشورى ( لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور)؟ هل يراها الكبيسي تمييزاً بين الرجال والنساء ،أم هي من مستلزمات البناء اللغوي المتفرد، الذي لا يشبه كلام البشر ولو كانوا من عتاة الشعراء وفحول اللغة؟ وكيف يرى انقلاب تسلسل الأفعال في الآية رقم 123 من سورة آل عمران ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون)؟

هل أن التقوى ملزومة لأجل الشكر، أم هو الشكر ملزوم لأجل التقوى؟ ولماذا قال "كان" ولم يقل" كانت" في الآية رقم 42 من سورة الروم ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين) ؟ ولماذا أورد العبارة " كذلك" منصوبةً، في خطابه لزكريا بالآية رقم 9 من سورة مريم ( قال كذلكَ قال ربّكَ ..) ، وأوردها مكسورةً بخطابه للسيدة مريم في الآية 21 من نفس السورة ( قال كذلكِ قال ربّكِ ..)؟ وهل هو اليوم الآخَر أم أنه اليوم الآخِر ؟ لقد خاب مَن نصب نفسه قيماً على كتاب الله ، خاب مهما كان عنوانه، فهو كتاب معجز كما أقرّ بذلك فحول اللغة و أفصح من نطق بها ، وكنت أتوقع من الكبيسي الكثير الكثير غير تلك اليتيمة التي تشبث بها تشبث المعدم ببيضة مفردة يملكها، بحيث بات يكررها في كل حلقة .

 أعود لتاريخ الكبيسي فأقول ، ختم الرجل محاضرته ليلتها وتوجهت من فوري صوب صديقي الشيعي المتشدد، تذكرونه، واستطلعت رأيه فأفادني أنّ "الشيخ، نص ونص"، وتفصل بعدها فقال إن الكبيسي لم يعط آل البيت حقهم، فحكى بين بين ،ليرضي أولئك، ويرضي هؤلاء . كان صديقي يريد أن يعلن الكبيسي بعظمة لسانه أنّ كل خلافة أموية أو عباسية إنما هي حكم مغصوب، وأنّ حق الحكم مقصور على أئمة آل البيت، هذه هي أسباب عدم رضا صديقي عن الكبيسي آنذاك، رغم أننا وجدنا الكبيسي ليلتها قد أعطى الأئمة الكثير وليس القليل ، في وقت لم يكن هناك رجل دين يجرؤ على "التخورد البرمكي" ذاك، الذي كان يشتهيه صديقي ! وهكذا، لم ينل الكبيسي رضا صديقي الشيعي وتم تقييده بإعتباره (نصف ناصبي) و(من وعاظ السلاطين)، اليوم، صديقي يرى الكبيسي نموذجاً للمصداقية والشفافية ، ولا أحد يصطف خلفه حتى ! وسبحان مغيّر أحوال البشر .

 دوناً عن أمم الأرض وطوائف الشعوب ، وحدهم الروافض يصرّون على جعل صراع علي ومعاوية مركزاً للتاريخ الإنساني كله ، كما يجعلون النجف وكربلاء مركزاً جغرافياً للكون كله ،و ليس للأرض وحدها . وحدهم الروافض يرون أنّ هناك إنساناً (علياً) مخلوق من نور وأنّ خلقه سبق خلق آدم ! لا بل يرون ولادته في الكعبة ضرباً من التشريف العظيم فترى بعضهم يكتبون على سياراتهم ( يا وليد الكعبة)ن بدل( يا ألله) ، ويتجاهلون أنّه لو كانت الولادة في الكعبة شرفاً لكانت من نصيب من هو أشرف منه وأعزّ على الله ، لا بل يتجاهلون حقيقة كون الكعبة آنذاك مثابة لأوثان وأصنام قبائل العرب ، يوم كانت صلاة المشركين عندها مجرد مكاءاً و تصدية ، أي تصفيقاً وصفيراً ، والعري يسود حال الطائفين من المشركين، فهل هناك من تشريف وفخر لمن يولد هناك، وأمّه غافلة عن حالها إذ كان حريّاً بها أن تلزم البيت في شهرها!؟ هي مثل جنوح الكثير من البسطاء إلى إعتبار من يموت من أعزائهم ليلة الجمعة قد ضمن مقعده في الجنة ، هذه مشتقة من تلك !!

 ما معنى هذا الكلام ؟ وكيف يجوز هكذا إعتقاد في ظل الدين الإسلامي؟ وحدهم الروافض يرون كل وقائع التاريخ البشري، حتى لبقية الديانات، من خلال بيئتهم وموروثاتهم ، وها هو المجلسي يورد رواية عن جعفر الصادق( لا أدري هل أنّ محمد الباقر أو موسى الكاظم كانوا معدومي الصدق كي يتم قصر هذا اللقب على جعفر لوحده؟) ، يجعله فيها يقسم بالله أنّ نخلة منهنّ في الكوفة ، هي النخلة التي أمر الله تعالى مريم أن تهز بجذعها لتساقط عليها رطباً جنيّاً !! (وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ حَفْصٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) يَتَخَلَّلُ بَسَاتِينَ الْكُوفَةِ فَانْتَهَى إِلَى نَخْلَةٍ فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا ثُمَّ رَكَعَ وَ سَجَدَ فَأَحْصَيْتُ فِي سُجُودِهِ خَمْسَمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى النَّخْلَةِ فَدَعَا بِدَعَوَاتٍ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا حَفْصٍ إِنَّهَا وَ اللَّهِ النَّخْلَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ لِمَرْيَمَ ( عليها السلام ) وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) ! لذا لا عجب أن قلدوا الرقم 12 في تراث بني إسرائيل فجعلوه عدد الأئمة لديهم رغم أنهم 11 لا أكثر فآخرهم كان لا أولاد له ، هل يلزم لتصديق الأمر بعض الروايات التي تحفل ب (رض، ع، عج ) مما يحجب الرؤية والعقل عن البسطاء؟؟ بسيطة جداً، خذوا أل رواية تطوع لفبركتها دهاقنة المراقد وحوزات العجم على مدى قرون، و ما أسهل الوضع ومن ثم الطبع، ليصدقها المطايا من الربع !

 الروافض لا يفرقون بين رسل الله ودياناته فهم عالميو الهوى، لذا إستعاروا التثليث من المسيحيين المؤمنين بالثالوث فأصبحوا لهم ما يرددونه في الملمات ( ألله محمد علي)، واستعاروا الإثني عشر نقيباً من بني إسرائيل فأصبح لهم إثنا عشر إماماً بالمقابل، واستعاروا مفهوم(أرض الميعاد وشعب الله المختار) فأصبح لهم وعد من الله كما يزعمون، بأنّ قائمهم سيظهر في آخر الزمان وسيملك الأرض كلها، وأنّه لن يدخل الجنة إلا (شيعتنا) ، حتى حائط المبكى وممارسات البكاء السرمدية، أصبح لديهم مثلها بالضبط ، حتى الباشن بلاي ، مسرحيات اللطم !! وكل هذا، وتقرأ لغبي كويتي منهم يتساءل في مقالة سخيفة ، وبكل فطاره : لماذا يكرهوننا؟ لماذا يلصقون كل التهم بنا؟ وكل هذه الخرافات المفبركة التي لا يعقلها ذي لب ومن ثم ترى متعلمين مثقفين لواحدهم شهادة دكتوراه وشهادة ماستوراه أو اثنتين، يعيبون على أمة العرب المسلمين أنها متخلفة وأنها أضحكت من جهلها الأمم، لكنهم لا يقصدون هذه الدجليّات ومن يصدقون بها ! يغلب على تصريحات الكبيسي الأخيرة ما أصفه بأنه (دور رجل الدين في تطييح حظ الأمة أكثر مما هي طايحة حظ أصلاً، بدل توعيتها) فهو تورط بتجريم شخصية بائدة ، مهما كان حسابها، لأن حسابها هو على الله تعالى، والتاريخ ليس حكماً عادلاً أبداً . أرى أنه شطح شطحة توحي بمرور الرجل بمراهقة خامسة أو سادسة ربما، ما لم يكن منطلقه هو كونه متخوفاً من تغير وجهات الرياح وهو مقيم قرب فوهة البركان ذي الخلايا النائمة ، ويلزمه أن يرتب للوضع الجديد إن حصل وحدثت المواجهة المرتقبة، فهو ترتيب للأوضاع وتحسب لشتات مقبل من قبل الرجل ، ربما! .

 من حق الرجل أن يرى أنّ علياً أفضل من معاوية وأحق بالحكم ، كلنا كنا نفكر هذا قبلاً بحكم كتب التاريخ ومناهج الدراسة التي سارت على الخط الفاصل ولم تتعمق بتحليل نزاع دموي مسلح كان بمجمله قطع رءوس وضرب بالنبل والرماح ، بين مسلم من مضر يقابل مسلم من ربيعه ! ولأجل ماذا؟ لأجل أن يستلم الخلافة فلان أو علان .

 إنه نفس المشكل الذي تورطنا به جميعاً في عصرنا هذا ونحن ننفذ مشيئة قادة يرتأون ما يرتأون وعلى مزاج الواحد منهم فندفع نحن أنهار الدم تنفيذاً لمقرراتهم ، ليصطلحوا هم بعدها فيما بينهم على موائد الطيبات ، ويتقاسمون الأرض وآبار النفط فيما بينهم ، وينتهي كل شيء هكذا ، وتذهب تضحيات الجنود سدى، بمعنى أننا لم نتقدم خطوة واحدة للأمام في مضمار الوعي الفردي أو الجمعين ولا في مجال الحرية الإنسانية وتعريف ميزان الحقوق مقابل الواجبات، والعقد القائم إفتراضاً، بين الحاكم ورعيته التي تنتخبه ، من يوم صفين ويوم الجمل قبله إلى هذا اليوم .

 وأعود فأقول ، إنّ الكبيسي يمتلك كل الحق بأن يفكر مثل أولئك المتذابحين في إستماتتهم دفاعاً عن زعمائهم ، وكلهم يحسب أنه ذاهب للجنة ، يحق للكبيسي إعلان ولائه لمن، ولكن ليس تنصيب نفسه كمالك يوم الدين ! و ليس وهو رجل دين يحمل لقب(شيخ) مأمور بإتباع الحق أو إعتزال الساحة ، أنا أتصور أنّ من نطق من داخله هذه المرة هو (الدكتور الكبيسي)و ليس (الشيخ الكبيسي)! ، وليس بالتعرض لنزاع بائد يستحيل تحديد المسئوليات بدقة موضوعية فيما جرى ضمنه ، ولا بأيّة نسبة مئوية من الدقة أو اليقين ، وليس عندما يكون رأيه هذا تقوية لخصم شعوبي يلعب على هذا الوتر البغيض منذ قرون، في كلمات حق يراد بها باطل شنيع ! كان بإمكانه فعل ما هو أفضل من ذلك بكثير ، ولا أقصد التقريب بين الفريقين لأن تلك أصبحت تثير الضحك حد الإستلقاء على الفقرات العصعصية ولم يعد من مجال لفعلها ، بل أقصد أن يحلل صراع العلويين والأمويين بكل حيادية ، فيقول لأتباع هؤلاء وأنصار أولئك، أنّ قتل المسلم للمسلم وإخراجه من بيته هو حرام ، بأي شكل كان ، سواء أبدر من معاوية أو من علي، فقد حرّمه الله تعالى على بني إسرائيل من قبل، ونحن أولى أن نلتزم به حتى لو لم يرد بكتاب من كتب الله .

 كان بإمكانه أن يذكرهم بنص الحديث الشريف القائل ( كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)، وأنّ تحريم الظلم هذا هو أكبر من كرامة عنوان العلويين كأقارب للرسول الكريم ، فالقرابة لا تقدم ولا تؤخر، لكان لأبي لهب شرفاً يعليه فوق بقية المشركين، ولا أقول فوق الصحابة فتلك غير منطقية، ليس في دين الإسلام حيث من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ، هذا حديث شريف يرسم حدود المسئولية في كل ما حصل قبلاً ، فلا يعفي أحداً ممن قادوا الأمور إلى الصراع الدموي، ولا يحمّل المسئولية على طرف دون آخر، بل يقسمها عليهم بالتساوي . كان بملك الكبيسي أن يحكي كل الحقيقة فيعلّم من لا يعلمون، أنّ خطأ علي بن أبي طالب كان عدم الإقتصاص من قتلة عثمان ، ولا السماح لمعاوية بالإقتصاص منهم باعتباره وليّ الدم في الفترة الرمادية التي سبقت خلافة علي وبيعة غالبية المسلمين له كما هو مطلوب. كان على الكبيسي أن يناقش سبب إحتضان علي بن أبي طالب لمالك بن الأشتر وهو ملطخ اليدين بدم عثمان الذي هو صهر الرسول وخليفة المسلمين بالإجماع ، إن كان جلّ شرف علي هو زواجه من بنت الرسول فعثمان له ضعف الشرف هذا ،نحن نقارن بين إنارة سيارة مقابل إنارة دراجة نارية ! والتاريخ يخبرنا أنّ الحسن لام أباه وعنفه على عدم حسم موضوع قتلة عثمان ، أنا لا أخترع المواضيع من ذهني .

 إن التورط بتنزيه علي مقابل تجريم معاوية سيقود حتماً وبالضرورة إلى البت في وقفة علي بالضد من عائشة، ليس في موقعة الجمل فقط بل ما سبقها يوم نصح الرسول (ص) بأن يطلقها فالنساء غيرها كثير، والرجل الحصيف لا يتورط بهكذا مقولة تطوعية في ظل وحي ينزل، وقد نزل فعلاً ، لكن بخلاف رأي علي بن أبي طالب . لو أراد الكبيسي أن يقول الحق كما يدعي ، فالحق لا يقال مقتطعاً ولا مجتزءاً في مشهد واحد متخيّر دون غيره ، والمقولة هذه تبتدئ تفاعلاً متسلسلاً لا مجال لوقفه أو التحسب لنتائجه مستقبلاً . أرى أنّ الكبيسي لم يعمل بالحكمة التي توصي بالصمت الذهبي مقابل الثرثرة الفضية ! يبدو سهلاً لمن لا يتجرعون معاوية ونظام حكمه، يبدو سهلاً لهم أن ينتقدوا خلافة معاوية فكل نظام حكم لا بد له من تقصيرات وأخطاء ،لكنهم لن يجيدوا إنتقاد وتقييم خلافة علي بن أبي طالب لأنها لم تكن سوى حروب متداخلة وكانت خلافة مبتورة بحكم إغتيال الرجل مبكراً .

 العيب كل العيب هو في تنزيه النظام وشخوص النظام فوق العادة ، ومع هذا، يبدو أنه يصعب على هؤلاء أن يكملوا ما بدءوه فينتقدوا خلافة علي بن أبي طالب هو الآخر بموضوعية وبتجرد . يصعب عليهم فعل ذلك لأنهم أسرى لوهم العصمة والحق الإلهي وقرابة الرسول ! هذه مشاعر تنتاب الكثير من أهل السنة ، لا تنتاب الشيعة وحدهم ، فهو تراث مزروع بالأذهان منذ الصغر باعتباره تراثاً مشتركاً لكل المسلمين ، باب خيبر وسيف ذو الفقار والصيام بالصيف والضرب بالسيف وقطع الرءوس والحرب الحرب الحرب ، لدرجة إطلاق إسم (حرب) على أولاده الثلاثة، بالتعاقب، رغم قيام الرسول (ص) بتنبيهه لخطأ إختياره من خلال تغيير الأسماء إلى ( حسن وحسين ومحسّن ). كان الرسول (ص) يبعده عن خيارات العنف وتفضيل المجابهة بالسلاح دوماً ، لكن الرجل لم يفطن لذلك فانتهى بما إنتهى إليه مقتولاً غيلةً و ثأراً لمن قتلهم من الخوارج ، وكذلك إنتهى حال إبنه الثاني ، وريث طباعه الأوحد ، بينما كان للحسن مسيرة أخرى مع معاوية تجنبت القتل والقتال وآثرت التراضي والصلح ، فشتان شتان !

القتال لا يجرّ إلا المزيد من القتال والقتل ، وكل من يتعشق الرجل يهمه أن يكون بدرجة القديس العابد ليلاً، المقاتل الصنديد نهاراً ، مضمون العاقبة إلى الجنة لا غيرها بفعل العبادة والجهاد ، فذلك يعطي مظلة أمان للتابع الكسول ، شعور بالإرتياح والإطمئنان لمصيره النهائي باعتبار أنّ المرء يحشر مع من يحب ، كما لو كان هناك (زحف) أو (إعفاء) من يوم الحساب ( ينفر غالبية المحسنين في يومنا هذا من مساعدة عائلة منهكة أو فك دين غارم مثقل بالدَين، لأنهم ينفرون من هذا النمط من الإحسان، و يفضلون أن يبتاعوا ثلاجة يضعوها بباب المسجد كي تعاينها عيونهم ويشعرون بالإرتياح لسجل حسنات يرونه يمتلئ يوماً بعد يوم وإسم الواحد منهم مكتوب عليها ضمن لافتة تطالب من يشربون الماء منها أن يطلبوا المغفرة لفقيدهم الذي أخرجوها من تركته أو بتوصية منه ، تناسوا الصدقة المخفية التي تعلم بها يد وتجهلها اليد الأخرى، و كأنما الله تعالى يحتاج منا أن نعلمه بخيرية المحسن ! فهم يتعقبون ( الصدقة الجارية) لأنهم يحسبونها بلغة الأرقام لا غير ، يرونها شيئاً مستمراً بالتوليد لحسابهم، مثل حساب التوفير ذي الربحية، حتى بعد وفاة الواحد منهم ، وهم يتخيرون هذا الأمر بالذات طمعاً بالمروق من يوم الحساب ، ولا يتصورون أنّ الله تعالى ربما يرى مساعدتهم لأخيهم المحتاج في فك ضائقته أكبر وأفضل من سقي المصلين أو مرتادي الأسواق من السابلة شربة ماء ليست حرجة كتلك الحالة والحاجة ، وإن تبخرت العطايا في لحظة ، هذا من فرط التركيز على نوع حسنة دون غيرها ، هذا من فرط الإخلال بالأسبقيات الذي هو مصدر تخلفنا وأدائنا المتردي منذ مدة طويلة بحيث لا نبدو كمسلمين حقيقيين فيما يبدو الغرب مسلماً أكثر منا !).

 إنها خاصية لا تخلو من الإنتهازية ، أن يختار المرء نموذجاً بائداً ليتبعه طمعاً بالفوز بالحث، من دون كثير عمل وطاعة ومكابدة لأجل السلعة الغالية التي هي الجنة ! فترى المرء يكرر ما قاله نموذجه كالببغاء ، كالأعمى الذي يسير خلف سليم العينين! وتراه لا لغة له مع ربّه ولا حوار شخصي يمتلكه ، لا مناجاة ذاتية من القلب بل تكرار مملّ لأدعية من سبقوه وأنماط كلامهم المنقولة في كتب لا أحد يعرف مدى مصداقيتها ، ومن غير فهم لمعاني العبارات حتى ، فهي ثقافة (الدرخ) المتبعة في كل أساليب وطرائق تعليمنا وتدريبنا وتثقيفنا ! ربما لأجل هذا دعا الكبيسي على غيره بأن يحشره الله مع معاوية بنفس لا يمت بصلة لرجل يقول عن نفسه أنه رجل دين، وهكذا ظهر على شاشة الفضائية الخليجية تلك قبل بضعة سنين، وهو يشتم إمرأة إتصلت به من بغداد، شتمها ولعنها بعبارات وقحة ومن دون مبرر .

وقتها رأيت وجهاً دنيوياً مترعاً بالدكتاتورية والإعجاب بالذات، لا علاقة له برجال الدين ، وها هو هنا قد حكم على معاوية بأنه من أهل النار ، كما قرر إدخال علي للجنة ، ووقع القرار وأعطاه رقم الصادر ومن ثم الختم ، وحجب عنه التمييز و الإستئناف ! نحن إزاء رجل قد نصّب نفسه متحدثاً بإسم السماء ، وبحسبه ذلك تجاوزاً على ملك الملوك ذي الحمى الذي لا ينبغي التجاوز عليه ، ونحن إزاء رجل ناطق بلسانه عن أحداث يوم القيامة الذي لم يحن بعد ولا بشر يعرف ما ستكون مشاهده وقراراته، ومزكياً للأنفس التي نهى الله عن تزكيتها، فالله تعالى من يزكي لا غيره. إنها نهاية مروعة لرجل شابت شعيرات لحيته ورأسه وهو يحظى بتقدير الناس في بلده ، الناس الذين لا يعرفون شيئاً عن خفايا حياته ، ليس أكثر من أنه متصاهر مع عائلة موصلية، وأنه خطب في الأعظمية عقب إحتلال بغداد بعد أن زحفت معه جموع ترتدي الدشاديش، ميزت بينها ضباطاً في الحرس الجمهوري الخاص ومنهم السيد محمد ، آمر كتيبة !

 ومن ثم تم توريطه بقصة مفبركة عن عراقية تعرضت للإغتصاب المتكرر من قبل جيش الإحتلال فصدّق الرواية واستخدمها للتحريك على جيش الإحتلال ، لكن بول بريمر وقادته العسكريون أجبروه على الخروج من العراق إثر تبين زورها ، كعقوبة له على ترديده للقصة تلك ، لكن حدثني من أثق كثيراً بمعلوماته عن الكبيسي أنه قابل صدام حسين بعد أن ألح بالظفر بتلك المقابلة، و إستلم سيارة أولدزموبيل بيضاء اللون. مقابلته سبقت ربيع 2003 الأسود بمدة قصيرة . قال لي صاحبي أن سيارته تلك تم تحميلها بعشرة ملايين دينار عراقي ، لكنه خرج بعد الحرب بروايات عن إستهداف صدام حسين له !! ، وعلمت أنه جمع تبرعاتٍ بالملايين من إماراتيين وعرب (نواصب!!) متعاطفين مع أهل الفلوجة (النواصب هم الآخرين!!) في محنتهم الرهيبة تلك ، لهم ولإعمار مساجدهم التي تضررت بالكامل .

 السؤال هو ، هل وصلت النقود لمستحقيها؟

سؤال لديّ إجابته لكن أترك للكبيسي فرصة التوضيح قبل أن أشرع من جانبي .

 أما بقية الأخبار التي بحوزتي عما يفعله في المحيصينه ومن الذي يرعاه ويستخدمه لأغراضه الشخصية في تحليل المتعة ،وزواجه من شابة يانعة ولزوميّات ذلك الزواج، فتلك سأتركها لمقالة مقبلة ، لكن أنا أعيب هنا على كل شيعي كان يعيب على القرضاوي زواجه بشابة جزائرية وتقرّبه من حكام الخليج ، لكنه صفق هنا طرباً لكلام الكبيسي لمجرد موافقة الموقف ! المواقف يجب أن تتجرد عن المنافع الشخصية والمذهبية وإلا أصبحت ميكافيلية مكشوفة، ورحم الله القبور المندرسة !







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز