نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
انشقاقات وسقوط الجزيرة

لن نتكلم في هذه العجالة عن البواكير والرعيل والطلائع الأولى من نجوم الجزيرة وصانعي أسطورتها الذين بدؤوا بشد الرحال باكرا عنها، بسبب انجراف وابتعاد تلك القناة عن قواعد المهنية والموضوعية وإصرارها على الظهور بمظهر لوني واحد، وموقف إيديولوجي واحد متزمت الطابع، طغى على هويتها الإعلامية ما أطاح، عملياً، بشعارها الشهير الرأي والرأي الأخر، وبسبب أيضاً ما يـُحكى عن سياسات استبدادية وديكتاتورية وغطرسة وعنجهية وإملاءات كاتت تمارس بحق الإعلاميين والعاملين فيها، وفد تسعفنا الذاكرة ها هنا في ذكر اسماء من مثل يسري فودة صاحب التحقيقات شبه "البوليسية" الشهيرة التي أفضت لقنص رؤوس كبيرة من الطالبان والقاعدة وعلى رأسهم الكويتي خالد شيخ محمد، وكذا بالنسبة لأكرم خزام مراسل الجزيرة في موسكو، وحافظ الميرازي مدير مكتب واشنطن، وعباس ناصر، بيروت، وحسين عبد الغني في مصر، ويوسف الشريف مدير مكتب الجزيرة السابق في إسطنبول، وتبرز حادثة "انشقاق" المذيعات الجماعية، لاحقاً، لونا الشبل، ولينا زهر الدين، وجمانة نمور ، وجلنار موسى ونوفر عفلي، واللواتي كن العصب النسائي الأجمل والأمثل للجزيرة، الذي مر في تاريخها، كواحدة من الدلائل الهامة عن مدى سوء، وخراب، وطبيعة العلاقة القائمة بين العاملين في هذه القناة وإدارتها ومالكيها وتخبط سياستها وخروجها كلياً عن المسارات الموضوعية، والمهنية وربما السلوكية والأخلاقية.

 وكان تسرب الشريط الشهير لفيلسوف الربيع الأطلسي ومسوقه "القومي العربي" عزمي بشارة وهو يتلقى إملاءات من المذيع السعودي في محطة الجزيرة علي الظفيري، بضرورة تجنب الأردن و"تبييض صفحة المؤسسة" لدى السعودية والبحرين، ثم الاتفاق على تخصيص 45 دقيقة من مدة البرنامج للهجوم عل سوريا والنيل منها، الفضيحة الأشد التي أصابت مصداقية وموضوعية القناة في مقتل وجندلها صريعة محرجة أمام ناظري كل متابعيها المصدومين بالانحدار والسقوط الذي آلت إليه مع تعاميها عن المذابح والانتهاكات التي يرتكبها الجيش السعودي الغازي المغتصب والمحتل في البحرين على مبعدة أميال من قناة الرأي والرأي والآخر وراعية الربيع والثورات والأطلسية.

 سوف نسلط الضوء وبمزيد من التركيز عن الانشقاقات البنيوية العميقة، والتصدعات والهائلة التي ضربت مصداقية الجزيرة في مقتل وهي تغطي الحدي السوري الذي كان مفصلياً وفارقاً في مسيرة هذه القناة القصيرة، والذي يمكن القول أنه أجهز عليها، وأنهى مسيرتها الإعلامية وهي التي كانت الذراع الإعلامية الأطلسية الهامة والباترة والضاربة في ربيع برنار هنري وثورات الناتو وساهمت إلى حد كبير في تهاوي رؤوس أنظمة البؤس الجمهوري المفلس والمهزوم في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، واستبدالها بالطرابيش العثمانية والعمامات واللحى الإخوانية، وتكسرت مجاديف الجزيرة وأرست حبالها المقطعة على الشواطئ "الصخرية" السورية الهادئة، ولسان حالها يقول "مو كل مرة بتسلم الجرة"، لتأخذ بذلك أقسى الدروس والعـِبـَر في ضرورة القراءة المتأنية والعميقة لطبيعة الخصم المفترض وإدراك قوته الحقيقية قبل التورط والإقدام على منازلته.

 فلم تقف الجزيرة في تغطيتها للحدث السوري عند تخوم الكذب والتلفيق والكيدية والترصد التحريض والفبركة، بل تحولت إلى غرفة عمليات عسكرية وأمنية ومركز تحكم وقيادة في العلوم العسكرية C&C تعطي الأوامر، وتختار وتهيئ مسبقاً مكان وأرض المعركة اليومية وتوجه لمكان وزمان حدوث العمليات الإرهابية، وتتنبأ، ويا لمصادفات القدر الثورية، بزمان ومكان "التظاهرات السلمية"، وتقلب وتزيف الحقائق على الأرض وتزود المقاتلين والمنشقين بهواتف الثريا، وحواسب شخصية محمولة "لابتوب" مزودة بإنترنت فضائي، وتقنيات بث فورية عبر الإقمار الصناعية، أي أنها باتت طرفاً مباشراً في الصراع وسفك وزهق الدم السوري، وإدامة الصراع وتأجيجه وتهييج الرعاع ودعوتهم للقتل والتخريب وتدمير البنى التحتية التي ليست، بحال، ملكاً للنظام، ولا لرموزه، بل لعموم الشعب السوري، وتصوير كل ذلك الذبح والانفلات على أنه ثورة ملائكية طهرانية عصماء وبطولات "يسطرها" ثوار أشاوس هطلوا من السماء السابعة لتخليص الشعب السوري من "نظام دموي شرس شيطاني ديكتاتوري غاصب قاتل لا عمل له سوى قتل الأطفال والشيوخ والنساء"، وكله حسب الجزيرة، ومحاولة شيطنته بكل الأشكال.

 ومن هنا، روجت الجزيرة كثيراً لـ، وعولت على انشقاقات في صفوف الجيش وكبار الساسة والدبلوماسيين كي تكون السبب المباشر في تصدع وتفسخ ومن ثم انهيار النظام السوري وفق سيناريوهات الربيع العربي المعمول بها. غير أن تلك الانشقاقات القاصمة المأمولة غيرت اتجاهاتها وأشرعتها مع الحرفنة والبراعة والصمود الأسطوري السوري والتلاحم الوطني والشعبي وضربت وقصمت ظهر الجزيرة ذاتها، وقضت على ما تبقى لها من اعتبار ومصداقية في عيون المتابعين، هذه القناة التي أريد لها أن تكون CNN، العرب، أصبحت، عبر خطابها الديماغوجي والغوغائي الغرائزي الشعبوي الرعاعي الشوارعي، مجرد "صوت العرب" في ستينات القرن الماضي، أو في الأحسن الأحوال واحدة من القنوات الدعوية الطائفية الساقطة كوصال وصفا وغيرها بنجمها الشهير الشيخ العرعور. وأصبح ضيوف ورموز ومنظرو وفلاسفة الجزيرة مجرد نسخ مشوهة وغير أصلية و"مضروبة"، ولا يقبضهم أحد، عن الشيخ العرعور، المهرج السلفي الوهابي والمسخرة الدعوية المعروف.

وأدت التغطية الهستيرية العمياء والمجنونة والطائشة للحدث السوري والمستعجلة لسقوط النظام، إلى "انشقاق" واحد من رموز وأعمدة Pillars، الجزيرة الكبار وصانعي مجدها الحواري، وهو الإعلامي التونسي غسان بن جدو، الذي تكلم في بيان استقالته عن انهيار حلم كبير.

 وتلته سلسلة من الانشقاقات الأكبر لجميل عازار، صاحب وواضع شعار الجزيرة المعروب "الرأي والرأي الآخر". وكذا الأمرة بالنسبة للمذيعة المتألقة والرائعة أيمان عياد "بنورة"، سابقاً، التي غابت بهدوء وصمت ودون ضجيج يعكس طبيعتها الهادئة والدمثة، وكذا الأمر بالنسبة لعلي هاشم، مدير مكتب الجزيرة في لبنان، الذي ترافقت استقالته مع فضيحة مدوية لإدارة القناة التي طلبت منه، حسب اعترافه، أن "ينسى" في تغطيته شيئاً اسمه وجود المسلحين والإرهابيين على الأرض السورية. وأخيراً وليس آخراً دوت أمس فضيحة مدير مكتب الجزيرة في طهران ملحم ريا، "بسبب انتهاكها مبادئ المهنية في تغطية الحدث السوري" كما جاء في بيان استقالته، ناهيك عن عشرات الإقصاءات والتغييرات و"التفنيشات" في مواقع قيادية، وغير قيادية، وعلى رأسها طرد وضاح خنفر، مدير شبكة الجزيرة، ككبش فداء لسياسات الجزيرة وفضائحها المخزية والمشينة، مع رئيس تحرير الجزيرة السابق أحمد الشيخ وإبعاد أيمن جاب الله من الواجهة.

 ومع كل انشقاق، وانهيار، وإقصاء كانت الجزيرة تخسر، وتصرف من رصيدها الذي وصل حد الإفلاس. ولا أدل على التناقض الصارخ والكذب الفاضح في تغطية الجزيرة للحدث السوري إلا تلك اللقطات السينمائية التمثيلية المضحكة رديئة الإخراج، لـ"تظاهرات" يتم تأديتها في مجسمات وديكورات خاصة في الدوحة، والتي تظهر مجاميع بشرية غير محددية الملامح حيث تؤخذ اللقطات من بعيد كي لا تظهر الوجوه على حقيقتها ( لأن من بينهم عمالاً هنوداً ومصريين وبنغال وآسيويين وسودانيين)، يقومون بحركات تهريج ورقص وترديد أهازيج وأغان مضحكة ويبدون، ويا عيني عليهم، وكأن"القط بياكل عشاهم"، وفي حال من الاسترخاء القصوى واللاخوف من "رصاص" الأمن السوري، ثم تظهر الجزيرة في ذات اللحظة خبراً عاجلاً مفاده أن سبعين متظاهراً سلمياً، مثلاً، من هؤلاء تم قتلهم برصاص الأمن السوري، وهذا على مدى علم كامل ونيف من التغطية.

 فلو كان كلام الجزيرة صحيحاً لما تجرأت هذه "الفرق الغنائية الاستعراضية" بعد ذلك، من أداء أية "حفلات غنائية" بنفس الديكورات تقريباً، ودبكات فولكلورية شعبية على الهواء كهذه يشرف عليها مباشرة علماء نفس وخبراء في سايكولوجيا الشعوب من الناتو والأطلسي، ولما بقي في الحقيقة أي متظاهر "سلمي" لأن الأمن السوري، وبتلك الحالة، سيكون قد أجهز عليهم كلهم. ويبقى السؤال أين يؤدي، إذن، هؤلاء هذه الرقصات الاستعراضية، ولماذا لا ينقض عليهم الأمن السوري ويقتلهم، ويسقط منهم الثمانون، أو التسعون، أو المائة قتيلاً، وطبعاً كله حسب الجزيرة، وعواجلها؟ واستطراداً، فإما أن هؤلاء ليسوا في سوريا، وهو الأرجح، لأن لا أحد يقترب منهم، ولا نرى أي أثر أو تواجد للأمن والشبيحة في سوريا، ولا يزعجهم في وصلاتهم الغنائية المطولة، أو أن الأمن السوري تحول إلى أمن "اسكندفافي"، وهذا غير مرجح طبعاً، لأنه بهذا يغض الطرف عن متظاهرين يؤدون "عرضات" فنية في ساحة عامى ويعمل نفسه "موشايفهم"، فأين يقتل المتظاهرون السلميون إذن إذا كان لا أحد يقترب منهم في مظاهرات الجزيرة التي تظهر النظام والأمن السوري عبر مظاهراتها المفبركة، ومن خلال تغطيتها، حيث لا يقتل فيها أحد كحمل وديع بدون أظافر ولا أنياب ولا "شبيحة" وأمن سويسري ونرويجي وفنلندي؟

وإذا كانت المظاهرات كما تظهرها الجزيرة، ها هنا، في ديكوراتها المجسمة وكومبارسها الآسيويين فسنكون عندها، حقاً، في الدانمارك والسويد ولسنا في سوريا ولن نكون عندها بحاجة لهمروجات الربيع أو الإصلاح. ليس كل الطيور يؤكل لحمها، ربما هذه هي حكمة الثورات الأطلسية التي اندفعت بغرائزية قصوى لإسقاط الدولة السورية، التي كان ينبغي على خبراء ومستشاري الناتو ومجالس الأمن القومي إدراكها. وزخم الجزيرة وقوتها الدافعة ورصيدها الهائل الذي استثمر أطلسياً في إسقاط بعض الأنظمة العربية الساقطة بنيوياً أصلاً، تلاشى هنا، ولم يستطع، ولم يفلح مع السوريين، الذين ظهروا وكأنهم هم من أسقطوا الجزيرة، وشقـّوها شقاً، مع ربيع العرب وثوراته الأطلسية المفبركة التي أطاحت بأنظمة ديناصورية هالكة، أصلاً.

 والمفارقة الرمزية الأبرز والدرس الأمثل يقول ها هو ربيع الأطلسي يطيح، ويا لغرائب الصدف، بأداته وذراعه الضاربة، وهي ليست سوى الجزيرة ذاتها، التي انتهت وسقطت مغشياً عليها، ودون أن "يسمي" أحد عليها على أرض سوريا، ولكم من بعدها طول العمر والبقاء.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز