موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
بين العمائم واللحى... ابليس يبحث عن جحا

سيستغرب القارئ الكريم عندما يعلم بأني رجل ملتح, وسيزيد استغرابه أكثر حين أخبره ان لحيتي قديمة العهد, أي منذ بداية تكليفي الشرعي وحتى الآن حيث كنت دائم الإلتحاء حتى أصبحت لحيتي "علامة مسجلة" أكثر منها رمزا للتديّن.

لم أشعر يوما أن لحيتي تسبب لي خطرا على نفسي أو إحراجا مع أقراني وزملائي الأوروبيين وغيرهم. حتى تنقلي الدائم بين مطارات العالم وفي عز الخضّات الأمنية التي ضربت كثيرا من عواصم الغرب ووسمت زورا أو حقا بخاتم الاسلاماويين لم تدفعني للوجل والحذر ولم تنقص من لحيتي شعرة ولا حتى قيد  أنملة.

ظلت لحيتي كريمة عزيزة, وموضعا لاعتزازي وفخري, أمشطها بيدي متفكرا وأضمها بكفي ساهما متأملا, حتى جاء "الربيع العربي" بموضة اللحى الشعثاء الموّبشة  والجباه الزرقاء المدبّغة, فصحوت من سكرة الفكر مصعوقا وانتبهت لفوضى الدشاديش مصدوما وهالني أن أكون شاطرا مثل الشاطر أو حازما  مثل حازم,

فانتفضت وجلا وأخذت بحيازيمي محوقلا مسترجعا وأنا ابحث يمينا ويسارا عن مخرج من الهم والغم الذي أصابني  والعار والشنار الذي وضعتني فيه لحيتي.  

ويكفي اليوم أن يكلمني أحد جيراني الغربيين ويركز نظره أثناء الحديث في لحيتي حتى أشعر بالعيب والحرج خشية من أن يحسبني أحد الأوباش الرقاع أو أن يصنّفني فردا في قطعان  الهمج الرعاع فأتساقط خجلا وأذوي مضطربا مخافة أن  أقرن إلى تلك النظائر البهيمة  اللئيمة التي استعارت من القرد وبرا ومن الحمار ظلفا وظهرا.

 

لحيتي يا جماعة ربيّتها بدمع العين شعرة شعرة تأسيا بلحى كثيرة شريفة كريمة تأسّيا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم واقتداء بتشي غيفارا وعبدالقادر الحسيني وحسن نصرالله.

إشهد يا رب, إن لحيتي غسلتها بماء البراءة من شرور فتن الإخوان والسلفيين وقبح صنيعهم وضلال أعمالهم.  لحيتي إذا ما أرغمت على الإختيار فهي أقرب بلا شك ألف مرة إلى لحية الراحل البابا شنودة منها الى لحىً تقطر بالدهن والحنّة  لوعاظ السلاطين  وعبيد الدنيا وبينهم وعلى رأسهم كلبهم العاوي يوسف القرضاوي.

  قد يقول قائل لحية بلحية لا فرق في ذلك, أقول كلاّ بل أن الفرق واضح وجلي فلا يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات والنور وليست المرضعة كالمستأجرة  ولا المحصنة العزيزة  كالرخيصة المسّخرة.  ولا تستوي لحية علي بن أبي طالب عليه السلام الذي قال: "سلوني قبل أن تفقدوني, سلوني عن طرق السماوات فإني أعلم بها من طرق الأرض" بلحية العتلّ الزنيم الأشعث بن قيس الذي وقف سائلا بسخرية وتهكّم: إن كنت  يا علي تعلم طرق السماوات والأرض فأخبرني كم شعرة يوجد في لحيتي هذه؟؟

يجيبه الإمام بكلمات كالسيف قاطعة: يا أشعث يوجد في لحيتك كذا وكذا شعرة وخلف كل شعرة شيطان.

 

نعم يا كرام, هذا هو الفرق فلحية تحفّها الملائكة ولحية هي مرتع للشياطين. ولو كان الشَعْرُ عزيزا بنفسه لما ذوى تحت الآباط أو كان خيرا بذاته لما نما فوق العانات والعورات. مثل اللحيتين كمثل السيفين, أحدهما أشهر للحق وآخر جرّد للبغي ولا يفلح سيف سلّه الشيطان ولو طعّم قرابه بالدر والياقوت أو بآيات من كتاب الله.  ولحية حرّة ثائرة عادلة لا تعادلها أخرى سائبة مدجّنة أو ظالمة مفتنة.

ولنا من التاريخ عبرة ففي لبنان زمن الإنتداب الفرنسي  قام المندوب السامي بتقريب بعض رجال الدين المسلمين والمسيحيين ليكونوا أدواته  في خدمة المشروع الإستعماري وبرقعا جميلا للتغطية على قباحة وجه المحتل الأجنبي. فكانت مجالس المفوض السامي عامرة باللحى من كل حدب وصوب, تركوا صوامعهم ومساجدهم وتحلّقوا حول موائد فرنسا العامرة يخطمونها خطم الإبل نبتة الربيع ويسبحون بحمد السيد المفوض ويمجّدونه ويبتهلون إلى الله لكي يديم عز فرنسا ويبقيها ذخرا ومطعما لأصحاب  الذقون الطويلة الرثيثة واللحى المستطيلة الخبيثة.

إلا أن ذلك الزمان لم يخلو أيضا من أصحاب اللحى الطيبة وعلماء مجاهدين كأمثال الإمامين محسن الأمين وعبدالحسين شرف الدين ومعهم ثلة من  الشعراء وأهل الفكر وبين هؤلاء الشاعر موسى الزين شرارة  وشيخ من آل العبدالله  كان سبّاقا للتبرؤ – رغم لحيته- من أصحاب اللحى الموبؤة والعمائم المشبوهة فأطلق ابياته الغاضبة:

بين العمائم واللحى      إبليس يبحث عن جحا

قد ألقحوها فتنة     دارت بنا دور الرحى

أما موسى الزين شرارة فاطلق صرخته المزلزلة ضد الإكليروس الملتحي وكهنوت رجال الدين المتواطئين مع عدو الأمة ممن يكنزون الذهب والفضة ويبيعون البسطاء والفقراء صكوك الغفران ووعود الجنة ممهورة بختم المفوض السامي. يقول شرارة في وصف هؤلاء الملتحين الحثالة:

لو زرتهم لوجدت في أبياتهم     مال الرشيد وعزة المتوكل

يعني لو زرت هؤلاء الشيوخ  في بيوتهم لصعقت لمقدار الرفاهية والغنى حيث أن بيوتهم مثل قصر هارون الرشيد أما مجالسهم فمليئة بالفاكهة والطعام والأبهة كأنها مجلس المتوكل العباسي.

 الطريف في الأمر,عندما وصلت تلك الأبيات إلى الشيخ علي مهدي شمس الدين  وهو أحد العلماء المجاهدين والشعراء الفحول, كتب شمس الدين إلى الشاعر موسى شرارة معترضا ومستنكرا: لا ليس هكذا يا أستاذ موسى, ما كان ينبغي لك أن تقول:

لو زرتهم لوجدت في أبياتهم   مال الرشيد وعزة المتوكل

بل كان أولى أن تقول:

لو زرتهم لوجدت في أبياتهم   ساكو اليتيم وبنطلون الأرمل







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز