نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
جنون البشر

من صلب رهافة الحس وشفافية الرؤية وبعد البصر والبصيرة يأتي الإبداع، وهي كلها ما تميز الكاتب والمفكر والفيلسوف الحقيقي، وهي من تنتج لنا الأفكار التي تتحول، لا حقاً، بفعل الصهر، والقولبة، والحرارة المجتمعية العالية إلى طفرات فكرية وفلسفية متأججة بقوة وحتمية التطور الخلاق ومن صم تصبح منهاج عمل وشعارات وسلوكيات تعمل المجتمعات الحية على تحقيقها وتلبسها، وهكذا تدور الرحى التاريخية في مخاض ولادة وموت وإعادة إنتاج الأفكار. والمجتمعات التي تشهد موت أفكار قديمة وعبثية وفاقدة الصلاحية، وولادة وإنتاج أفكار جديدة هي وحدها المجتمعات التي تعبر نحو برازخ جديدة، ويحق لها أن تتباهى بين الأمم، وهذه من نراها اليوم، في حال من التنقل الدائم من فضاء إلى فضاء، ومن عصر وعصر.

وعلى الجانب المقابل المنطقي، فإن المجتمعات التي تقدس الأفكار الأثرية، وتعجز عن إنتاج الجديد منها، وتتشبث بالأفكار البائدة والميتة والنافقة، فاقدة الصلاحية، هي المجتمعات الكسيحة الذبيحة الطفيلية التي لا وجود حقيقياً لها، ولا تتغير رغم أنها تتحرك كالأشباح على مسرح الخليقة، وتصدر الأصوات المزعجة والصرخات والأنات والأصوات العالية والخطاب الناري العقيم، والذي هو تعبير عن حالة الاحتضار، أكثر، من كونه تعبير عن القوة والبقاء كما يعتقد بعض المعتوهين والخبل والبلهاء. كنت قد كتبت، بكل تواضع، ذات مرة عن العصاب الإيجابي الذي يحمله المثقف والمفكر، بشكل عام، وهذا العصاب هو نوع من الاستشراف للواقع القائم ومآلاته ومصائره المحتملة ودواعي ومبررات الخوف عليه، والخوف منه، بآن. ولو لم يكن هذا العصاب الإيجابي موجوداً، على نحو فطري في النفس البشرية المبدعة، وحسب، لما عرفنا أي مثقف ولا كاتب، أو فيلسوف على مر التاريخ.

كان العصابي الإيجابي دائما، بحال من القلق الوجودي، يخاف بقرارة نفسه من نسائم وأهوال الزمن العابرة، ونتلفت إلى التاريخ القريب والبعيد، ويستطلع كم المجهول القابع، والممتد بكسل في ثنايا الأفق اللامتناهي البعيد، يقلق على أحوال ومستقبل ووجود العباد بمجرد مطالعات عابرة وسريعة للواقع، وتحليلات بسيطة لمعطياته الوفيرة، بما يحفل من تناقضات ومفارقات مذهلة ومثيرة ستتحول، حكماً، في عملية التفاعل الاجتماعي والتاريخي إلى كوارث مجتمعية مؤجلة وانفجارات مأساوية على المدى الأبعد من أرنبة الأنف بقليل.

وكل مثقف وفيلسوف ومفكر ناجح ومبدع عبر التاريخ يجب أن يتحلى بهذا العصاب الإيجابي الذي قد لا نجده عند الغالبية العظمى من الناس ما يؤكده قول المتنبي: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم". هذا الشقاء الفكري المقيم لدى المثقف والكاتب والمفكر والفيلسوف هو بالضبط العصاب الإيجابي الذي قصدناه، وهو من ينتج تلك الحالة الاستشرافية لدى فرسان الكلمة الحرة. ولكن ماذا عن ظاهر ة المفكر أو الكاتب أو الفيلسوف العصابي السلبي المريض "النقاق" غير الموهوب، والذي لا يملك مشروعاً سوى السباب و"الهباب" والتنقل بين المضارب الإيديولوجية والقبائل الفكرية وتأخذه التيارات الإيديولوجية حسب لون وطبيعة الموجة التسونامية السائدة ولا يفكر بالوقوف بوجهها أو في مقاومتها، أو حتى الوقوف بعيداً عنها، وهو أضعف الإيمان العصابي. فمرة يتنقل هذا الشقي العصابي من أقصي اليمين إلى اقصى الشمال، وبالعكس، ومرة يرتدي العمامة، وأخرى يلبس البنطال، وثالثة نراه مزهواً بالطربوش العثماني، ورابعة يرمي حتى ورقة التوت ويسير في الشارع عرياناً بلا ستر ولا غطاء.

 للأسف هذا الأنموذج المثقفاتي، القابض بكل العملات، هو من يصول ويجول وتفرد له الفضائيات والمنابر والصفحات، ويتنقل من هذا الحضن إلى ذاك ملقياً بكل الفضلات الفكرية التي لم تهضم معه، وتكونت لديه من أزمنة التسول والتسوق والاستجداء على عتبات هذا وذاك مطعمة بأصناف الخرافات والخزعبلات والشعوذات التي يقول عنها مواقف وإبداعات وأفكار، ولاحقاً، ثورات بنكهة الوهابية وفتاوى ابن باز وقليل من بهارات كتاب رأس المال. في العصاب السلبي والمرضي الذي تعبر عنه هذه الهذيانات الفضائية الشعبوية الجماعية والحركات الصبيانية والهيجانات العصبوية وحالات الانتفاخ والتورم والصرع الديماغوجي، والبلاهات المنغولية، والرثاثات العقلية، واللوثات الإيديولوجية، والرداءات الثقافية، تحولت فيها لحية ماركس "الجاهزة" إلى لحية ابن باز وخليفته ابن لادن المهدي "المحتضر" في مثلث برمودا على ما يقال، واستبدلت فيه الرايات القومية والبلشفية الحمراء، برايات السلف السوداء.

وأفرزت حالات الجنون المطلق والنشاز الجماعي تحالفاً هجيناً غريباً بين شيوخ نفط ثوار جهلة يؤازرهم رهط من اللمامات والبقايا اليسارية المتمركسة المتحالفة بدورها مع اليمين الصهيوني المتطرف الذي يحمله رايته الفلسفية اليوم برنار هنري ليفي. لم ير تاريخ البشر قط هذا الكم من التخريف والزيف والتكاذب والتخابث والتثاقف والالتواء والتواري والتلطي والتغني بالانحطاط والبذاءات والفسق والخلاعة والتعري والتهريج الفكري والجنون البشري والديماغوجية، والغوغائية والقتل والإجرام والهيستريا الجماعية القطيعية التي يحمل رايتها أهل الكهف "الأبرار" الذي يتم تطهيرهم وتقديسهم وأسطرتهم والرفع من شأنهم في واحدة من أقبح عمليات الدجل والتزييف والنصب والاحتيال الفكري والتجميل والحقن في التاريخ.

هذا المثقف العربي الذي تربى في أحضان عبد الناصر، وخرج منها ذات يوم إلى فناءات اليسار المعصوب والمأزوم، يجد راحته الأبدية وهناءه في رداءات الفلسفة العرعورية الصاعدة، يضرب بسيفها، ويمشي تحت رايتها، لطالما أنها رغبة أصحاب الموائد، وحاملي دفاتر الشيكات البونات من الأشراف والأسياد. وكما يقول المثل الشعبي: "إذا جن ربعك ما عاد عقلك ينفعك"، أخشى ما أخشاه أننا لم نعد بحاجة لعقولنا بعد اليوم







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز