نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
من سيـُسقط النظام السوري؟

من السذاجة والصبيانية السياسية لأطراف محور العدوان على سوريا التفكير بتفكيك منظومة إقليمية فائقة القوة، ولها أعماق دولية، هكذا بكل سهولة، ودون أن يلقى ذلك أي نوع من المقاومة والتصدي لهذا المشروع. ومحاولة تطبيق الأنموذج التونسي، أو اليمني، والمصري، وحتى الليبي على سوريا، هو أكثر من مجرد سذاجة سياسية، بل ربما يذهب إلى حدود الحماقة والمغامرة الغبية. فما جرى في تلك الحالات كان تفكيكاُ من ذات المنظومة وليس من خارجها، أي أن دول الاعتدال التي نجحت الثورات فيها، كانت مرتبطة وتابعة أمنياً واستراتيجياً لذات المحور الأطلسي، والتركي، الخليجي، الذي قام بتفكيكها، وبكل سهولة، خلال أيام معدودات، وهو يعرف كل معارجها وشعابها ودهاليزها السياسية، ويخترق حتى أصغر منظومة إدارية، وأمنية، وعسكرية فيها.

وعلى ذات النمط والتهريج، ظلّ الغرب، المنتشي بتفكيك أنظمته الفاشلة والهزيلة، وأذرعه الأمنية التابعة له، وعلى مدى أكثر من سنة حتى اليوم، يبشـّر بسقوط النظام في سوريا، وأن أيامه باتت معدودة في الحكم، وأن عليه، هكذا ببساطة، مجرد الرحيل. ولكن هذا لم يحدث مطلقاً، لا بل يبدو أن النظام قد "خرج" منها، ويا للأسف، أقوى، لا بل أدت محاولة إسقاط النظام إلى تغير في الخريطة الجيوسياسية في العالم تجلت بولادة قطبية جديدة، شكلت كابوساً جديداً للغرب، لم يكن يخطر ببال أكثر الاستراتيجيين والمحللين، دهاء، وخبرة، واستشرافاً وذكاء.

وثمة عوامل كثيرة، داخلية وخارجية تؤكد استمرار وبقاء النظام مع الاحتفاظ بكامل لياقته العسكرية والبنيوية السلطوية، ومع استحالة، بل انعدام الفرص لأي تدخل خارجي، أو توجيه ضربات جوية لمراكزه الحيوية، والأمنية، والاستراتيجية، مع وجود منظومة دفاع جوي متطورة، ودعم إيراني، روسي بالأقمار الصناعية، يجعل من أية مغامرة من هذا القبيل محكومة بالفشل. ولقد كان "اصطياد" طائرة التجسس الأمريكية، R-Q-170 ، ضربة قاصمة للنظام التجسسي الأمريكي، وتعبيراً لا يقبل الشك عن مدى التطور التقني الهائل الذي وصلت له إيران في هذا المجال جعلت أمريكا تتراجع وتعيد حساباتها العسكرية كثيراً. أما عن إمكانيات الحليف الاستراتيجي الروسي، في هذا الصدد، فتلكم قصة أخرى على أية حال لا مجال للحديث عنها الآن.

 وأية مواجهة إقليمية شاملة لن تكون مسلية للبعض مع منظومة الردع الصاروخية الهائلة التي استخدمت كـ"بروفة"، وتجربة في 2006، وغيرت مجرى الصراع في حينه. وهنا، لا بد من التعريج على الموقف التركي الذي عوّل عليه كثيراً في عملية إسقاط النظام، فهو لم يظهر حتى اليوم، إلا مجرد طبل فارغ وقارئ لتصريحات خاوية وجوفاء، ورطت مساكين كثر في الحدث السوري، ودون أن يستطيع تجاوز عتبة تلك العنتريات الفاضية. فالواقع الديمغرافي، والسياسي الداخلي التركي، هو أوهن بكثير مما يعتقده البعض ولا يحتمل أي لعب به. فالجرح الكردي مفتوح على كافة الاحتمالات الكارثية، وجناحه "العلوي" المقابل، المضطهد تاريخياً، يتحين الفرصة للانفجار، ونيل حقوقه الوطنية والاعتراف بهويته الثقافية، ولن يكون هناك هدية أجمل من حماقة تركية تجاه الجار السوري وبكل ما في ذلك من رمزية هوياتية لطبيعة الصراع والصدام المحتمل، ناهيكم عن كل تلك القوى العلمانية، واليسارية، والوطنية، والشوفينية القومية الطورانية الأتاتوركية التي تعتقد أن حزب "النذالة والتبعبة" قد سرق كل إنجازاتها التاريخية عبر قرن من الزمن تقريباً، وانقلب على علمانية الدولة التركية، ولن نعرج على مؤسسة الجيش التي تشهد صراعاً حاداً ما بين قـَسَمِها بالحفاظ على علمانية الدولة، وسياسات أردوغان الإخوانية.

فأي غلطة تجاه سوريا، ستجعل كل هذه التناقضات تنفجر في وجه أردوغان، مرة واحدة، الأمر الذي سينهي تجربته السياسية بكارثة وطنية تصيب الأتراك في مقتل، هم في غنى عن ذلك. مشيخات الخليج الفارسي الخانعة والتابعة، الضعيفة استراتيجياً وبنيوياً وديمغرافياً ليست سوى مجرد دفتر شيكات وتحولت إلى ظاهرة صوتية حقيقية وجعجعة كلامية لم يعد أحد يصدقها أو يأخذ بفبركاتها وإعلامها الرخيص الذي تبين أنه ليس سوى مجرد تلفيق ودجل رخيص يثير الضحك والتهريج وبدا غير فاعل ومؤثر في الساحة السورية، ولقد كانت تجربة الجيش السعوديي "الجرار" ودرع الجزيرة مع جماعة الحوثيين أكثر من نكتة ومهزلة عسكرية في تاريخ الحروب والصراعات حيث احتل الحوثيون قرى وبلدات وبسطوا سلطتهم على أجزاء من جنوب مهلكة الظلام الوهابية. وأما أمريكا المنهكة عسكرياً، واقتصادياً، وتتراجع أمام صعود الدب الروسي، والتنين الصيني، فليست في وارد خوض أية حماقات جديدة، لا بل تمنعت علنياً ونأت بنفسها عن الحدث الليبي، ذاته، وما انفك جنرال الأطلسي راسمونسن يطلق التصريحات الخائفة والنافية والمحذرة لأي تدخل عسكري أطلسي في سوريا.

 وعلى الصعيد الداخلي والأمني والعسكري السوري، فقد أظهر السوريون صموداً أسطورياً لم يفض لأي انهيار "متوقع" وتلاش للدولة السورية والجيش الوطني النظامي الذي بدا نجم المرحلة وفاجأ الجميع بإمكانياته الخارقة وقدراته الهائلة على تفكيك كل تلك البؤر الوهابية والتجسسية التي أريد لها أن تكون منصة للعدوان، لدخول جحافل وشراذم الوهابية إلى سوريا، وفق السيناريو المرسوم. ولا بد من التذكير بان كل العنف والإجرام والقتل والإرهاب والتخريب الذي مارسته الجماعات الإرهابية المسلحة لم تتمكن من "إسقاط النظام" على الطريقة الليبية، أو إحداث الفوضى المطلوبة وإشعال الحرب الأهلية التي طبلوا لها كثيراً، أو تقويض وضرب البنيان المجتمعي السوري وتفتيته، لا بل تلقت تلك القطعان الإجرامية، مع كل الدعم الخليجي والأطلسي لها، ضربات قاصمة وموجعة، وفي الصميم، كما عجزت المعارضة عن إخراج مظاهرات مليونية تكتسح الشوارع وتغلقها، لكنها كانت في الحقيقة، وبكل أسف، من نصيب وحصة النظام. بكل بساطة لم نكن أمام "حالات" ثورية، وانتفاضات شعبية كما يرغب البعض في الإيحاء والتوصيل لإعطاء بعد طهراني، ورومانسي لعملية إسقاط الأنظمة باليد الغربية الأمنية والاستخباراتية والتجسسية الغربية. والدليل على ذلك أن الثورات التقليدية كانت، تاريخياً، تفضي لحالة ثورية وعمليات تغيير جذرية وبنيوية عميقة في مختلف الهياكل الثقافية، والسلطوية، والفكرية، والسلوكية، والإدارية، لا أن تحمل تلك "الثورات" الخلبية أكثر القوى ظلامية، وماضوية، وتزمتاً وانغلاقاً، وانحطاطاً وتخلفاً إلى سدة الحكم، لتعيد الجميع لى المربعات الأولى التي انطلقت منه حركة التاريخ إلى أنظمة أبوية هيراركية مشاعية غيبية مؤسطرة، ومن ثم المطلوب منا التصفيق والتهليل والتطبيل لكل هذه التهريج؟ بكل بساطة سوريا لا تقف لوحدها في عملية إسقاط الأنظمة تحت مسمى الثورات والربيع الأطلسي.

فمن سيسقط النظام إذن؟ لننس ها هنا همروجة التظاهرات السلمية التي كانت كذبة كبيرة لم تعد تنطلي على أحد. هل مجلس غليون، الغارق في الفضائح والفساد المالي والرشاوي و"الإسرائيليات" التي تنخره، وبكل تلك الرموز والكرازايات المكروهة شعبياً وداخلياً سورياً، والمتورطة بالدم السوري والتآمر على وجدة البلد وتخريبه؟ أعتقد أن المكان ليس مجالاً وفسحة لإلقاء أي نوع من المزاح السمج، والنكات البايخة التي لم تعد تضحك أحداً على الإطلاق.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز