نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
خطة عنان الإنقاذية

يجب على السوريين أن يتفاوضوا من موقع قوة، ومن موقع المنتصر لا المهزوم، وفرض شروطهم وتحري مصلحتهم قبل أي شيء آخر. أعتقد أنها من المرات القليلة في تاريخ الحروب والصراعات أن يذعن المنتصر لشروط المهزوم ويلبي متطلباته ويتفاوض معه من موقع الند للند وهذا ما يحصل اليوم في الحالة السورية وبكل أسف. فبعد عام كامل من السجال وعمليات الكر والفر من قبل المجموعات المسلحة لم تفلح في إحراز أي تقدم على الأرض، بل على العكس فقد تلقت ضربات قاضمة وموجعة، وتعرض مرتكزاتها التجسسية ومراكز التحكم والقيادة، وعلى رأسها في بابا عمر إلى تفكيك نوعي وغير مسبوق في تاريخ حرب المدن والعصابات.

 لقد رمى الحلف الأطلسي-التركي-الخليجي بكل ثقله وأوراقه في معركة بابا عمرو، واعتبرها معركته، وعوّل عليها كثيراً لتكون نقطة التحول في الصراع الدائر منذ أكثر من عام مع الجماعات الإرهابية المسلحة المدعومة من الحلف المذكور. وتصريحات ونبرة وخطاب رموز ذاك الحلف بهتت وخفـّت كثيراً، بعد خسارة موقعة بابا عمرو، ولم تعد كما كانت عليه قبل المعركة الفاصلة فلم تكن تلك البؤرة سوى امتداد أطلسي واستخباراتي وذراع ناتوي لويت بقوة في سوريا.

 والآن لو وقعنا على قراءة خطة السيد عنان، ولاسيما فقرتها الثانية المطولة، التي تتحدث عن وقف العنف، وتحقيق ذلك على وجه السرعة، وتطلب من الحكومة السورية الانسحاب العسكري من داخل وحول المناطق السكنية، من دون أن تشير صراحة إلى سحب أو انسحاب مماثل وملزم للجماعات المسلحة وإلقاء أسلحتها وهذه فجوة واضحة في الخطة، فهذا من أدني مقتضيات الإنصاف في هذه العملية طالما أننا نتحدث عن طرفين متنازعين. فماذا لو انسحبت القوات السورية، ولم يترافق ذلك مع انسحاب ملزم، غير موجود بالخطة، للجماعات المسلحة. لا بل قد يكون الفراغ الأمني الناشئ مدعاة وفرصة لتسلل قطعان وجماعات مسلحة من خمسة أطراف الحدود السورية، لتعزز تلكم الشراذم المتبقية من وجودها وتزيد من قوتها استعداداً لجولة ثانية من العنف، يكون مبررها الوحيد و"الجاهز" أن النظام السوري وفق الكليشة الجاهزة "لم يلتزم بوقف إطلاق النار"، وتحميله مسؤولية الفشل المتوقع والانهيار المحتمل لوقف إطلاق النار.

وهذا هو سر هذا التعجيل والتوافق الدولي حول خطة عنان، لإعطاء نوع من الروح وأخذ النفس للجماعات التي أصيبت في مقتل جراء التصدي الباسل والبطولي للجيش العربي السوري لتلك الجماعات وتكسير أذرعها،و التي بات الحديث عنها موضع تباه، وتفاخر، وتبجح، من "أساطين" وفلاسفة الثوار، وانتهت إلى الأبد الإسطوانة المشروخة والبالية للثوار الشباب، السلميين، ويا عيني عليهم، الذين كانوا يواجهون دبابات "غليون" ما غيرها، المركونة في مداخل البنايات، بالصدور العارية، وبالورود والياسمين الشامي وأغصان الزيتون والليمون المزهرة هذه الأيام في الربوع السورية الجميلة.

والسؤال الأهم على الدوام، من يضمن التزام الجماعات المسلحة بوقف العنف وهي لا تخضع كما نعلم لمرجعية تمثيلية وسياسية واحدة قادرة على كبح جماحها والتحكم بها، وإعطائها الأوامر لفعل أو للامتناع عن فعل ذلك. ونحن نعلم تماماً مدى الانشقاقات والتداعيات والانهيارات البنيوية والخلافات الشخصية التي تعتري المعارضة السورية، وتظهرها كجماعات متشرذمة ومتناحرة تختلف، ولا تتفق على أي شيء، وكل منها يغني في واد، وعلى ليلاه، ويخضع لمشيئة وشروط ومزاج مموله وراعيه، الخليجي، أو الأطلسي، أو التركي. كيف نقبل خطة عنان المزعومة، ولا قدرة لأحد، لا لعنان، ولا لغيره من تقديم تعهد يضمن ألا تلعب الجماعات المسلحة بـ"ذيلها" مرة أخرى، وتستغل الوقت و"الهدنة" لإعادة ترتيب الأوراق وتنظيم صفوفها، ريثما تصل الصورايخ "الموعودة" القطرية-السعودية المضادة للدروع والطائرات كما أوردت صحيفة الغارديان. إن خطة عنان، تبدو لي، كفه ولغم سينفجر قريباً في وجوه السوريين، وهي كمن يسلم قياده ويضع "تحويشة" عمره، وما جناه، بيد محتال ونصاب أممي معروف من أهم إنجازاته تدميره للعراق العظيم.

وهي في أحد وجوهها، خطة إنقاذية ليس إلا للجماعات الإرهابية ومن يقف خلفها، فهو وخططه ومن يقف وراءه لم يكونوا في صف ومصلحة أي بلد دخلوها، يوماً، ولم يخرجوا منها سوى بالخراب والدمار بعد عملية الإدخال الجماعي والشرعي لقطعان التجسس وعملاء الاستخبارات تحت مسمى المراقبين وما شابه ذلك لتبدأ عملية الاختراق الكبير. وتعتبر الخطة من زاوية أخرى، "تخريجة" مشرفة لكل من ولغ بالدم السوري، قبل أن تكون، وكما أسلفنا هدية و"هدنة" مجانية ممنوجة لـ"الثوار" المهزومين وإعطاءهم الفرصة والوقت لإعادة تنظيم صفوفهم، وإنتاج دورة العنف والإرهاب والتخريب من جديد.

وما سيحصل لاحقاً هم أن أي انسحاب لأي جندي سوري من مربضه وخندقه سيعني ذلك، أوتوماتيكياً، دعوة لفرد من أفراد تلك المجموعات المسلحة كي يحل محله، وأي سحب للآليات الثقيلة سيكون مناسبة جيدة لسيارات الدفع الرباعي الجاهزة على الحدود التركية والمزودة برشاشات 500، كي تنتشي، وتصول وتجول وتجوب تلك الشوارع التي سال دم عزيز وغزير كي تـُطهر من براثن المسلحين، وعندها تكون على نفسها جنت براقش، وتحل الحسرة والندم، حيث لن ينفع الندم. غلطتك الأولى قد تكون الأخيرة كما يقال، ولا ينبغي أن يقع السوريون في هذا المطب الأممي المرسوم بعناية فائقة للإيقاع بهم في دوامة اللجان الأممية والخطط الوهمية التي لا تعني سوى مزيد من التدخل في الشأن السوري. ومعالجة الملف والوضع يتطلب أعلى درجات الحذر والحيطة والتروي وعدم التسرع كما طلب عنان، ورهطه، ولا يلدغ مؤمن من حجر مرتين، مرة من حجر نبيل العربي، ومرة ثانية، على ما يبدو من حجر كوفي عنان، المبعوث "العربي"، الأممي.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز