احمد الادريسي
elmouaden@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
سيسقط الإسلاميون الربيعيون لكن ليس كما سقط الآخرون (1)

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض." صدق الله العظيم.

خفق القلب وضج اللسان، ودمعت فرحا عيون الإخوان. فالتاريخ بعد اعتراك وشديد مخاض، بعد قرون ازدياد من سفاح أدمة ثم احمرار وبياض، قد استهل بمولود يدعى أنه لعدنان. فما بسم القابل، وما نشط الحابل، وما سعد النابل وهم يرون رضيعا كله أسنان، جراح ليس بطبيب، ضراب على الحبال ألعبان.

في الواقع الاجتماعي والتاريخي كما في الواقع الطبيعي هناك قوانين صارمة لا يغالبها إلا مغلوب ولا يفهمها إلا موهوب. وهي سنة الله بتعبير القرآن الكريم التي لن يوجد لها تبديل أو تحويل. ومن مصاديق هذه السنة الإلهية تكامل النوع البشري وجامعته الإنسانية وسيره بالحركة الجوهرية أساسا نحو الصلاح الفردي والاجتماعي لتحقيق الإنسان الكامل وتحقيق المجتمع الفاضل، والتي تنفي عنه في طريقه كل عيب وتخلف وقصور كما تنفي النار خبث الحديد؛ وهذا ما تفيده الآية الكريمة في صدر المقال وكذلك قوله تعالى: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" إن رمنا التمثيل لا الحصر.

 وهكذا يظهر أننا في هذا التقرير لم نكن بحاجة إلى حكمة غربية أرسطية كانت أم دياليكتيكية مادية ماركسية أو مثالية هيجيلية، ولا نحن عيال على حداثة "ماكس ويبر" ولا تطور "دارون" ولا حتى "ريتشارد دوكينز" فيما أصابوا فيه دون الأوهام، ولا نقلد في ذلك حتى من منا كابن خلدون بل ما نحن إلا رازحون تحت القول الثقيل(1).

 إن سقوط التيارات العلمانية اليسارية والليبيرالية في عالمنا الإسلامي كان تعبيرا طبيعيا عن ذلك القانون الرباني. هذه الاتجاهات التي كانت في الأساس ترجمات عربية للنسخ الأصلية في بلدان أدم سميث ودارون وفرويد ودوركايم وفولتير ومونطسكيو وماركس ولينين...ومن خلفهم، قد تكون عقدتها أنها لم تأت إلى سدة القيادة عن طريق ديمقراطي بل فرضت فرضا بانقلابات عسكرية تارة ظاهرة وأخرى بتصفيات سرية داخلية دموية أو مخملية في إطار مخطط قروني استكباري لغسل الدماغ وتوجيهه (Mind controle  ) سواء للحاكم أو للشعب وبأساليب مناسبة لكل على حدة لا مجال لتفصيلها الآن ومن ثم صناعة طغمة حاكمة وريثة ووكيلة للاستعمار من أجل إعادة إنتاج آليات الإلحاق الثقافي لإدامة علاقات التبعية الاقتصادية والحضارية، في إطار القسمة الدولية للعمل القديمة والجديدة المتوازية من قبل العولمة المعاصرة مع التقسيم الجيوستراتيجي للعالم بين أمريكا والاتحاد السوفياتي في حينه والذي امتدت ساحة تحركها لتشمل حتى الدول "التقدمية" التي لم تكن بأحسن حالا من أخواتها المستتبعة رأسماليا في بلدان "سايكس بيكو" وسائر العالم الثالث ملكيا كان أم "جمهولكيا".

 وقد يكون تأزمها أنها اتجاهات غير إسلامية أريد لها مبدئيا أو مؤامرة أن تستنبت في واقع مختلف عنها بل رافض لها يحكمه إطار ثقافي الذي وإن أزيح بالخديعة والقسر الاجتماعي والسياسي بحسب عمل جهة أخرى في نفس ذلك القانون وليس نتيجة حتمية لجهة قانون التدافع الحضاري الطبيعي فيه المتمخض عنه البقاء للأصلح، إلا أنه ظل راسخا في وجدان الجماهير وأفكار مقاومة لرجالات الإصلاح من جمال الدين الحسيني الأفغاني إلى مالك بن نبي، وأيضا رؤى مغالبة وأيضا غالبة فلسفيا وعلميا بل حضاريا في صورة الإنتاج الفكري لمجددي الإسلام من أمثال السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب الميزان وريث فلسفة الحركة الجوهرية لصدر المتألهين مرورا بالشهيد السيد محمد باقر الصدر وجلال الدين الفارسي والشهيد مرتضى المطهري بل حتى عبد المجيد الزنداني والدكتور زغلول النجار وغيرهم... فكل ساهم على قدره وبنصيب ما في هذا الصرح التجديدي العظيم، ليخرج أخيرا ذلك المارد العظيم من قمقمه على يد الممهد لتحقيق حلم الأنبياء الإمام روح الله الموسوي الخميني (ق.ه) فيقود ثورة إسلامية مازالت تشق طريقها اللاحب نحو المزيد من إعداد القوة المتعددة الأبعاد هي التي يضرب بها زعيم الأمة المقاومة نصر الله، في عالم شيطاني دجال ما انفك متآمرا ومحاربا ومحاصرا...

وهكذا ظل الإسلام وسيظل الرقم الصعب في المعادلة الوجودية لشعوب العالم الإسلامي ولذلك حاول منظرو الاتجاهات الأخرى وبشتى المقاربات الفلسفية والأساليب الإجرائية خداع الجماهير من أجل تغييرها فبداية باسم الاستقلال والحرية كما فعل مصطفى كمال أو بورقيبة أو سعد زغلول أو كل رجالات "الاستقلال" الموطئين للاستعمار غير المباشر، ومرة بمسمى الأصالة والمعاصرة عند حزب الاستقلال في المغرب مثلا ومرة أخرى بالطريق العربي القومي العلماني نحو الاشتراكية الذي كان بطله العسكري جمال عبد الناصر ومنظروه من كل فج عميق مثل محمد أمين العالم ورفعت السعيد وسمير أمين وفريدة النقاش وحسين مروة وحزب البعث بشقيه والمهدي بن بركة وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، ورابعة بالطريق الإسلامي نحو الاشتراكية تحت شعار "العودة إلى الذات" على يد ما يسمى باليسار الإسلامي وأبرز مفكريه الدكتور حسن حنفي صاحب من العقيدة إلى الثورة، وخامسا تحت يافطة الحداثة والليبيرالية ومن رافعيها محمد أركون والطاهر بن جلون وفاطمة المرنيسي وغيرهم، وأخيرا بالمعبودة ديموقراطية التي نصب لها في كل صوب معبد وقام لها في كل أرض كهنة. وهذا بغض الطرف عن شيوخ النفط الراكبين على نوق إسلام متكلس وهابي الذين أراهم قسما ثالثا لا ناقة له في اتجاه فكري بل في اتجاه بريطانيا صانعة إسرائيل ولا جمل لهم إلا لحمل الدولارات والعاهرات. 

 ونحن مهما اختلفنا في العناوين والرؤية أو في تشخيص الأسباب والعوامل والنتائج لتقييم تلك التجارب البائدة، فالنتيجة العامة اليوم أن الكل يرى ـ دون أن نصاب جميعا بخداع بصري وإن كنا نرى يد الناتو هنا وهناك ـ صناديق الاقتراع الحرة أو أزيز الرصاص بعد الحراك الشعبي تأتي بالإسلاميين إلى السلطة أو هي في طريقها كما في تونس وليبيا والمغرب ومصر واليمن والحبل على الجرار. أما فشلهم في الاستيلاء على قصور الأمويين  في الشام فله حديث آخر اقل ما يقال فيه أنه يأوي إلى ركن شديد. ثم إن فريقا هاما من المختصين والمراقبين من جلدتنا و من غيرنا إن أعرضنا عن ميول جماهير الربيع، التي هي عندهم بذهنية رعوية يفعل بها ولا تفعل، يكاد يجمع على أن غير الإسلاميين قد سقطوا إلى غير رجعة على الأقل في المدى المنظور، أقول هذا لأن هناك من ما زال يطمع في أن تتغير العقليات في جو ديمقراطي إن تم ذلك لتتقبل الجماهير بعد حين الطروحات غير الإسلامية. وهو بعد نضوج الشروط الموضوعية لانتصار الإسلام الحضاري وسقوط الغرب بتعبيرنا دونه خرط القتاد وبتعبيرهم "عشم إبليس في الجنة".

 وهكذا فتحت على إسلاميي الربيع اليوم زهرة الحكم، و أخذت دنياهم زخرفها وازينت وظنوا أنهم قادرون عليها؛ لكن لأن إسلامهم مستمد من الإسلام الدخني (2) والذي يهدي فيه "قَوْمٌ بِغَيْرِ هُدًى ويُعْرَفُ مِنْهُمْ وَيُنْكَرُ"، وهذا في الوقت الذي يشكل فيه العلمانيون الدعاة الآخرين، فإن أمر الله لاحقهم ليسقطهم أيضا لأنهم ببساطة فاسدون والبقاء هو ليس للصالح فقط بل للأصلح وهو زيادة على ميزة التفضيل فيه فإنه فاعل وخلاق أي أصلح ومصلح، إلا أن يتعرفوا على منكرهم ويتمسكوا بهدى الله تعالى فيركبوا سفينة النجاة ليرثوا الأرض مع عباده الصالحين الذين هم جنين الربيع الذي أوشك اليوم أن يظهر.

وما دخنه؟

وقبل أن نفصل بقدر هذا المقال في أركان الإسلام الدخيل لنميزه عن الإسلام الأصيل لتشخيص مظاهر سقوط الإسلاميين وفهم أسبابها الموضوعية، لا بد أن نقر أن الفتق الحاضر الوسيع منشأه الفتق الأول الوضيع في "خير القرون" لأن هناك من يجحده يقينا أو ظنا، بل هناك من ينكر من رمد أو علة وجود فتوق حاضرة. لا يرى الواقع إلا اتباعا بإحسان لخير القرون والأزمان وخطى السليم في صراط السلف الصالح المستقيم. فلهذا هيا نكحل عيونهم بميل الحقائق ونشربهم ـ إن أبوا شفاء القرآن والعقل ـ أبوال الإبل الواقعية ففيها الشفاء من أمثال هذا الداء ليعتدل المزاج وتشحذ الذائقة وترى العين الارتباط بين الماضي والحاضر فيدرك الذهن أن نار اليوم من مستصغر شرر الأمس.

 ولن نستطيع في هذه العجالة العدل بإحصاء كل ميلات تلك الفتوق التي بالتطور أصبحت خنادق أشبه بما في نظرية الأرض المقعرة حتى لو حرصنا فلنكتف إذن بتسليط الضوء على بضعة أمتار منها:

كتب والإخوان" فقال: " بلغنى أيها المرشد السعيد .. ذو الرأى الرشيد .. والعمر المديد: أنه فى مطلع القرن الواحد والعشرين.. اندلعت ثورة فى بلاد الفراعين .. ابهرت العرب والعجم والامريكان .. وكانت هناك جماعة تسمى الاخوان .. ركبت تلك الثورة فى غفلة من الزمان.. وتحالفت فى سبيل الكراسى مع الشيطان .. واجتمعت بعيدا عن الميدان .. برجل المخلوع الذى يقال له سليمان .. وذلك من اجل مصالح المخلوع والجماعه .. لعقد صفقة غاية فى الوضاعه .. ثم تولى الامر من بعد المخلوع العسكر .. الذين لم ينهاهم أحد عن الفحشاء والمنكر .. واصبحت تلك الجماعه محظوظة .. بعد ان كانت محظورة .. وتمر الايام ثقيلة تتلوها ايام .. أكلت فيها الجماعه وشربت على موائد اللئام .. ولحقت بها اسراب من طيور الظلام.. ووضعوا دستورا يليق بالعبيد والخدام .. لتصبح ام الدنيا فى ذيل الامم..  ببركة القتلة والسفاحين خريبى الذمم ..وهنا .. جاءت الشرطة العسكرية .. ووقعت على شهرزاد كشف العذرية .. واحالوها فورا لمحكمة عسكرية .. وصدر الحكم سريعا بتسليمها للسجان .. لتصبح عبرة للعيان .. ووقفت جماعة الاخوان .. تدافع عن العسكر بالناب والسنان .. والقت باللوم على الشعب الغلبان .. وعقدت مع العسكر صفقة قذرة من اجل الفوز بالانتخابات.. ودخلوا البرلمان تصحبهم اللعنات .. لانهم فرطوا فى حق الشهداء ودموع الامهات .. لدرجة انهم ارادوا اصدار قانون يمنع المظاهرات .. ويحاولون الان تمرير دستور يخدم العسكر .. وعدم محاسبة مبارك اللص الاكبر .. وهنا ادرك شهرزاد الصراخ والنواح .. وسكتت عن الكلام المباح ..مولاي"

وكأني بمحبهم يعترض على هذه القسوة في الأحكام ويدعونا للصبر على الإخوان، لإنهم يتدرجون في إخراج حيتهم فيلقونها في الأمر المناسب قراءة صحيحة منهم للواقع وإتقانهم ببراعة ركوب سلم الأوليات وإجادتهم في اقتناص اللحظة إلخ، لكن وحق لكل العالم أن يتساءل بسذاجة:

 هل يجوز ارتكاب الحرام للإتيان بالحلال؟ أو هل يحرم شيء البارحة ويجب اليوم؟ وبشرح الفاضحات هل تغتصب الأم إذا لم يكن هناك طريق آخر للزواج من البنت؟ و بتبسيط المفضحات هل يقتل الرئيس على أمر كان خيانة ويعلن الإسلاميون أنه اليوم أمانة، فهو الآن جائز إن لم يكن واجبا؟؟؟ (يتبع)

الهوامش:

  1. استلهاما من قوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) سورة المزمل:5
  2. روى هذا الحديث المحوري لفهم تاريخ الأمة البخاري وغيره:
    "
    حدثنا يَحيَى بن مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا الوَلِيدُ،قال: حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الحَضْرَميُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْريسَ الخَوْلانيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَة بن اليَمَانِ -رضي الله عنه- يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وآله وسلم- عَنِ الخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذا الخَََيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ{نَعَمْ}، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِك الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟قَالَ: {نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ}، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُه؟ قَال:{قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَديِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ}، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْد ذَلِكَ الخَيْرِ مَنْ شَرٍّ؟ قَالَ: {نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْها قَذَفُوهُ فِيهَا} قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: {هُمْ مِنْ بَنِي جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِألْسِنَتِنَا} قُلْتُ: فَمَا تأْمُرُنِي إِن أَدْرَكَنِي ذلك؟ قَالَ: { تَلْزَمْ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإِمَامَهُمْ} قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَام؟ قَالَ: {فَاعْتَزِلْ تِلْكِ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَ المَوتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِك". البخاري، كتاب المناقب/ الباب 22






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز