محمد راغب
g
Blog Contributor since:
09 August 2007

مصرى يهوى الكتابة

 More articles 


Arab Times Blogs
و طنُُ تنصهر فيه الأديان .. أم دينُُ تنصهر فيه الأوطان ؟
فى العالم الآن ما يقرب من مائتى دولة أو وطن .. تقسم كوكب الأرض إلى مائتى رقعة جغرافية.. كل رقعة "وطن" تعطى لمواطنيها جوازا للسفر مختلفاً عن بقية الرقع "الأوطان" .. و هذا يعنى أن البشر يحملون مائتا نوع من جوازات السفر .. و جوازات السفر فى واقع الأمر هى بمثابة "بطاقات هوية دولية" أكثر منها أوراق للسفر!! .. و هى درجات و رتب كما تعلمون .. فمنها "السوبر لوكس" و منها "اللوكس" و منها "العادة" و منها "الشعبى"..
إن حامل بطاقة الهوية "سوبر لوكس" مثلاً يتلقى رعاية طبية فائقة إذا مرض .. و يعبر البوابات و الحدود و المطارات فى سهولة وترحيب.. و إذا ما وقع فى مشكلة فى أى بلد ما عليه إلا أن يتصل بسفارة رقعته "وطنه" فيتم الحل و الإنقاذ و لو كان فى بروج مشيدة !
أما على النقيض فإن حامل بطاقة الهوية "الشعبى" لا يلقى رعاية طبية من الأصل .. بل أن حكومة رقعته "وطنه" تلعن اليوم الذى ولد فيه هذا المواطن الذى يمثل بالنسبة لها عبأًا ثقيلاً .. أما فى المطارات -إن استطاع السفر- فهو مشكوك فى أمره ينظر إليه بعين الريبة.. و بين الطرفين النقيضين "السوبر لوكس و الشعبى" تتدرج المزايا و الحقوق لكل "مواطن أرضى" تبعا لدرجة بطاقة هويته العالمية أو جواز سفره..
و هكذا إصطلح الناس فيما بينهم على "منطقية و طبيعية" التمييز بين البشر على أساس نسبة كل واحد منهم إلى رقعته الجغرافية "وطنه" !!

والسؤال : لماذا صارت التفرقة و التمييز بين بنى البشر على أساس "الوطن" أو جوازات السفر شيئاً مقبولاً و طبيعياً و لا يستثير أى ثورة أو غضب أو حتى إدانة !؟ فى الوقت الذى نقرأ فيه و نسمع للبعض إستنكارات للتفرقة بين الناس على أساس "الدين" ؟!!!
على سبيل المثال قد نرى فى نشرات الأخبار مشاهداً تصور المجاعات فى إحدى البلدان الأفريقية فيما نرى مشاهد البذخ و التخمة فى بلد آخر .. أو ليست هذه المشاهد تصور تمييزاً قبيحاً بين البشر على أساس "جوازات السفر" أو "الوطن" !؟ أو ليس هذا ظلماً بيناً للإنسان!؟.. لماذا إذن تمر هذه المشاهد أمام أعيننا و لا تحرك فينا نفس الغضب الذى يستثيره التمييز بين الناس على أساس الدين داخل الوطن الواحد!!؟
لماذا يعتبر "التمييز الدينى" فى عرف "مبادئ حقوق الإنسان" جريمة مستهجنة .. بينما يعتبر ما أسميه "التمييز الوطنى" ظاهرة طبيعية عادية كالشروق و الغروب .. و لا تلفت نظرالناس لاسيما "الحقوقيين" منهم!؟

ربما يكون الكلام السابق جديداً على أعين بعض القراء الأكارم.. إذ أننا تعودنا دائما ًعلى سماع كلمات "وطن" و "وطنية" و مشتقاتها فى سياقات " نقية تقديسية تضحوية ".. و لم نسمع من قبل كلاماً يصور " الوطنية " ككلمة خبيثة تخفى داخلها معانى الإستعلاء و الإقصاء و العنصرية و الظلم كما بيَّنا فى الفقرة السابقة!!

نعم فى أحايين كثيرة تتحول كلمة "الوطن" عند البعض إلى صنم شيطانى يخفى داخله مشاعر العداء للمختلف أو الوافد .. فيقول المدعو سيد القمنى (أحد الكتاب المصريين) مثلاً : "مصر الوطن الذى تسكرنا محبته".. و يقول الأنبا شنودة : " مصر وطن يعيش فينا "..و كلاهما يستخدم كلمة "الوطن" بشكل صنمى طوطمى عدائى خبيث.. إذ أن التجربة أثبتت أن مفهوم "الوطن" عند الأنبا شنودة و القمنى مختلف إختلاف المشرق و المغرب عنه عند غالبية المصريين ..
الوطن فى معجم الأنبا شنودة هو "مصر" التى توقفت عقارب ساعتها قبيل الفتح الإسلامى !!.. هو مصر بدون " محمد رسول الله" .. هو مصر التى تتكلم اللغة القبطية و ليست مصر التى تتكلم العربية " لغة الغزاة" !! .. هو مصر التى تعبد الإله ذى الأقانيم الثلاثة و تتخذ الصليب شعارً لها!!
أما الوطن فى معجم القمنى فهو "مصر" التى توقفت عقارب ساعتها مع حكم آخر الفراعين .. هو "مصر" بدون أديان "إبراهيمية" .. هو "مصر" التى تعبد فرعون و إيزيس و تقدس الجعارين و القطط و تبنى مقبرة للحاكم و السيدة حرمه لمدة عشرين سنة كمشروع وطنى قومى!!!!

و لـ" الوطنية " وجه آخر" ملتبس " و هو علاقتها بـ" الدين " .. و هى علاقة " متوترة " فى "غالب" الأحوال.. كيف ؟!
إذا علمنا أن كل الأنبياء قد أهينوا فى "أواطنهم".. و هذا ما تثبته سير الأنبياء و المرسلين بدون إستثناء .. فهذا يعنى بالتبعية أن دعوة النبى أو الرسول هى بالضرورة دعوة "غير وطنية"!.. فلو كانت "الأوطان" هى "منتهى الحقيقة" لما صار هناك دافعُُ لظهور الأنبياء من الأصل!.. إذ أن بنى آدم "وطنيون" من تلقاء أنفسهم !.. إنما جاء الأنبياء و المرسلون - فى واقع الأمر- ليدعوا قومهم أن "منتهى الحقيقة" ليس تحت أرجلهم .. أى ليس فى "رابطة الطين" أو الوطن أو القبيلة ..
بل "منتهى الحقيقة" هو فى "رابطة الدين" فهى الأرقى و الأعلى لأن " ربكم واحد , و إن أباكم واحد , كلكم لآدم و آدم من تراب , إن أكرمكم عند الله أتقاكم , لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى - حديث نبوى شريف من خطبة الوداع "!
بالمناسبة تعبير "رابطة الدين و رابطة الطين" ليس من عندياتى .. بل أقتبسته من أحد الكتاب المصريين المشهورين !

قلت فى "اغلب الأحوال" و ليس كلها..إذ يعتبر إختلاف الأوطان و الشعوب و الأعراق آية من آية الله:
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " (13) الحجرات
نعم هى آية من آيات الله سبحانه ينبغى أن نلتفت إليها و نحتفى بها "و لا نتوقف عندها".. أى ينبغى أن نحتفى بها لا لكى يتيه و يستعلى و يتميز بعضنا على بعض بها فى عنصرية مقيتة و عصبية غبية ( مثلما يفعل بعض المصريين تجاه البلاد العربية الأخرى! ).. بل " لنتعارف" و نعرف بها الخالق البارئ المصور البديع!
إذ إن الله سبحانه ليس رباً لـ"وطن" دون الآخر أو لـ"عنصر" دون الآخر بل هو "رب العالمين" .. و لم يقل الله سبحانه "إنى جاعل فى مصر خليفة أو فى السعودية" بل قال سبحانه أن خلافة الإنسان هى " للأرض كلها" شاملة البلاد و الأمصار .. و لهذا فدين الإسلام يعلو على "رابطة الطين" أى يشمل الأوطان و لا يلغيها.

لقد انصهرت الأوطان فى دين واحد عندما جمع الإسلام بين المسلم العربى و بين صهيب الرومى و بين بلال الحبشى و بين سلمان الفارسى.. أربعة أوطان أو أجناس أو ألسن إتحدت فى عقيدة و فى دين واحد .. ذابت الألوان و ذابت "الفروقات الإستعلائية" تحت لواء دين الإسلام.." إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ " (21) الأنبياء

على أن الأوطان قد تنصهر فى مفاهيم "كلية" أخرى : فى بوتقة "عنصرية" مثل إسرائيل .. أو فى بوتقة "مادية بحتة" مثل أمريكا التى تجمع مهاجرين آتين من أوطان شتى ..
و إذا علمنا أن العنصراليهودى هو عنصر يستغرق و يعبد "المادة" تاريخياً .. فلا نستغرب إذن أن تكون أمريكا و إسرائيل فى جهة واحدة سياسيا .. و لا نستغرب أيضاً أن يجند أصحاب هذا "المشروع" كتاب مرتزقة يحملون أسماءاً إسلامية همُهم الأوحد محاربة مفهوم "الأمة" الإسلامى - أو "الدين الذى تنصهر فيه الأوطان" - بإثارة دعوات التفكيكية بحجة "الخصوصية الوطنية" لكل بلد.. هذا .فى الوقت الذى يقبلون بل يشجعون ويمدحون إنصهار الأوطان تحت مظلة "المصلحة المادية" (الوحدة الأوروبية نموذجاً) .. أما إنصهار الأوطان فى "دين الإسلام" فهو الكابوس الذى يعملون بكل قواهم من أجل ألا يتحقق !!
سمعت واحداً من هؤلاء "الليبراليين" يتحدث عن "إسلام تركى" و "إسلام مصرى" و "إسلام سعودى" !!.... أى يُنسب و يُنزل الدين "الذى هو للعالمين" فيحصره إلى "رابطة الطين"المحلية الضيقة القبلية العنصرية !
سمعت آخراً يتكلم عن "اللغة المصرية"!! .. مستنكفاً أن يسميها" لغة عربية بلهجة مصرية" لأنه يريد أن يقطع الصلة بكلمة "عربية" بأى شكل .. و من ثَم الإسلام بالتبعية.. نفس بضاعتهم "التفكيكية" البائرة تتكرر بأشكال مختلفة!!

و جدير بالذكر أن الدولة الإسلامية هى الأولى تاريخاً التى صهرت الأوطان و الأجناس تحت لواء واحد .. إذ أن الإمبراطوريات القديمة كانت تقوم كلها على "تفوق عرق أو جنس واحد لا شريك له" .. فهذه فارسية و تلك رومانية و هذه فرعونية أو صينية إلى آخره..
و إن تعجب فعجب قولهم ! أقصد أولئك الذين "يعايرون" الحضارة الإسلامية بأن معظم علمائها لم يكونوا من أصول عربية !!.. وكما يقول المثل المصرى "لم يجدوا فى الورد عيباً فقالوا يا أحمر الخدين".. أقول لهم بل إن هذا من روعة الحضارة الإسلامية لو كنتم تفقهون .. فلو لم يجد غير العرب عدلاً و سماحة و تشجيعاً فى الدولة الإسلامية لما أبدعوا و تفوقوا.. بل وصل التميز من غير العرب إلى العلوم الدينية ذاتها فالإمامين البخارى و مسلم رحمهما الله ليسا عربيين!!
أما الأعجب و الأغرب أن تسمع منهم قصائد الغزل و المديح فى "الحضارة الأمريكية" التى قامت على أكتاف المهاجرين الآتين من أوطان شتى !! .. أى أن تعدد الأصول العرقية للعلماء الذين أبدعوا فى أمريكا يحسب " لصالح" الحضارة الغربية الأمريكية .. أما تعدد الأصول العرقية للعلماء الذين أبدعوا فى الدولة الإسلامية فيحسب "ضد" الحضارة الإسلامية !!!!
ولا تسل أين المنطق أو العقل فى هذا الكلام .. إذ منذ متى كان لهؤلاء منطق أو فكر !؟

والحمد لله رب العالمين.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز