ماجد ضيف
maged_daif@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 February 2010

كاتب عربي من مصر

 More articles 


Arab Times Blogs
النهضــة لمن يستحقها ج4

 (تابع ــ تهيئة المجتمع لصنع الحضارة وصيانتها)

 

    فى مقالى السابق طرحت مجموعة من الأسئلة مؤكدًا أن إجاباتها حتمية كمدخل وحيد فى تقديرى إلى منظومة القيم الجديرة بتأهيل المجتمع لصناعة النهضة وصيانتها من التدهور وربما الإندثار ، أكدت كذلك على أن مفردات القيم واحدة فى كل المجتمعات الإنسانية ولكنها تختلف فقط فى ترتيبها داخل منظومة القيم من مجتمع لآخر بل وفى نفس المجتمع من زمن لآخر ، كما أكدت أن الشرائع السماوية حينما جاءت بالأوامر والنواهى كانت ولاتزال وستظل تهدف إلى أمر الإنسان بالتزام قيم السمو والرقى وإلى نهيه عن اعتناق قيم التدنى والإنحطاط بما يعنى على سبيل اليقين أن مصلحة الإنسان مرتبطة بطاعة خالقه ، كما ذكرت أن الواقع الإنسانى يبدو للوهلة الأولى وكأنه يناقض رؤية السماء بل ويسقطها ، إذ يفيد هذا الواقع بأن الكثير من الدول العلمانية التى همشت الأديان وحددت إقامتها فى دور العبادة قد حققت من التقدم العلمى والإقتصادى مالم تحققه ــ دون استثناء واحد ــ كل الدول التى ترفع رايات الشريعة فوق كل سنتيمتر من أراضيها !! فهل تقدمت المجتمعات العلمانية بعلمانيتها كما يردد العلمانيون ؟ وهل تخلفت المجتمعات المتدينة بتدينها كما يدعى أيضـًا العلمانيون ؟!

 

    من المؤسف لكلا الصنفين من المجتمعات أن الإجابة المؤكدة فى تقديرى هى لا وألف لا ، إذ المؤكد لو أعملنا ضمائرنا وعقولنا دون تأثر بأهوائنا وأوهامنا أننا سنصل إلى يقين لايقبل الجدل ألا وهو أن القيم التى قامت عليها النهضة العلمية والإقتصادية فى المجتمعات العلمانية هى دون شك بعض من قيم السمو التى أمرت الشرائع الدينية بالتزامها ، فقد أخذوا بالأسباب فتحققت لهم النتائج ، أحبوا العلم والعمل وأقبلوا عليهما بجدية ودأبوا على الإتقان وطمحوا إلى رغد العيش فكان لهم ما أرادوا ، إلا أن هذه النهضة تبدو لى منقوصة ومهددة بالزوال لأنها ببساطة شديدة تخلت عن الكثير من قيم السمو وتبنت الكثير من قيم التدنى فهى أشبه بجسد مفتول العضلات ولكنه قليل المناعة !!

 

    هذا بشأن المجتمعات التى تقدمت رغم  علمانيتها ، أما عن المجتمعات التى تخلفت رغم تدينها وهى المجتمعات الأسوأ فى تقديرى على كافة المستويات الإنسانية فإن واقعها الرديئ هو نبت طبيعى لغراسها ، إذ فى يقينى أن الغالبية العظمى من أبناء هذه المجتمعات يعانون ما يمكننى تسميته بالشيزوفرينيا المركبة فهم موجودون إينما وجدت القيم المتضادة ، فهم أهل الشرف وهم أيضـًا أهل العربدة ، وهم أهل الجد والعمل وهم أيضـًا أهل الهزل  واللهو ، وهم أهل العبادة والتوكل وهم أيضـًا أهل الشعوذة والتواكل ، هم دعاة العلم وأعداء العلماء فى آن واحد ، وهم دعاة الحق ورعاة الظلم ، هم عباد الواحد الأحد وعبدة الحاكم المؤله ، عبيدهم معارضوهم وإن أصابوا وحاشيتهم موافقوهم وإن أخطأوا ..

 

    خلاصة الأمر أن منظومة القيم السائدة فى  كل الدول العربية وأغلب الدول الإسلامية وفى مقدمتهم مصر لايمكن بحال من الأحوال أن تصلح لصناعة نهضة منقوصة فما بالنا بالنهضة التامة التى تتكامل فى أبنائها مهارات صناعة النهضة وصيانتها ، إننى أعنى نهضة علمية أخلاقية تقوم على معادلة تأخذ بالأسباب وتهدف إلى النتائج فى ظل إيمان صادق بخالق الأسباب والنتائج ، إذ أن هذا الإيمان فى يقينى يكسب صناع النهضة مقومات صيانتها ، فأنت قد تكون فى منأى عن عين رب العمل حينـًا وعين القانون أحيانـًا ، ولكنك أبدًا لن تغيب عن عين الله ..

 

   إذن فالمجتمع المصرى فى حاجة مؤكدة إلى إعادة ترتيب منظومة قيمه بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية بأوامرها ونواهيها ، إلا أن مجتمعًا شاب الكثير من رجاله ونسائه وشب أغلب أبنائه وبناته فى ظل منظومة قيم تعلى من شأن الرذائل والتفاهات وتجل أهلهما وتحط من شأن الفضائل والجادات وتحاد أربابهما هو مجتمع تجذر فيه الفساد بمختلف ظواهره ومظاهره إلى الدرجة التى لايجدى معها اقتلاع هذه الجذور أو اجتثاث شجرتها ، فقد صار المجتمع مدمنـًا ومحبـًا للفساد بل ومؤمنـًا بأن الكثير من مظاهر الفساد وظواهره إنما هى مظاهر وظواهر المدنية والتحضر ، ومجتمع حاله كذلك لابديل فى إصلاحه عن المنهج التدريجى الشامل الذى يسمح له بتعاطى جرعات متناقصة من الفساد كمًا وكيفـًا بالتوازى مع جرعات متزايدة من الفضائل كمًا وكيفـًا وصولاً للهدف الذى يتطلب إنجازه تكاتفـًا وتكاملاً بين الكثير من العناصر كالتشريع وما يتبعه من ضوابط تنفيذية والتعليم والإعلام والإعلان وفنون الغناء والتمثيل ومختلف الفعاليات الثقافية والندوات والمحاضرات الدينية وغير ذلك مما سيدخل ضمنـًا حين تناولى لما تبقى من أركان النهضة الشاملة وفى طليعتها ركن التعليم والبحث العلمى الذى أبدأ تناوله إعتبارًا من مقالى القادم بمشيئة الله ، وعاشت مصر لنا وبنا وعشنا بمصر ولها ..     







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز