مولاي عبد الرحمان الفقيه
moulayabderrahmanelfaq@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 February 2012



Arab Times Blogs
نظرية بزاق الحمام؛ تعلم الغش الفكري ج 2

لم اشعر يوما بالارتياح و أنا أتبادل الحديث مع أساتذتي حين أقدم اعتراضاتي على أفكارهم . يراودني دائما إحساس أن هناك شيئا ما في غير محله. و كنت  غالبا ما أختصر اعتراضاتي على أفكارهم في الحدود المتاحة لأنني كنت حينها أتفرس في وجوههم فأدرك أن حمار الشيخ وقف في العقبة.

لست أحب أن يتشدقوا علي بكثرة القوانين و الاقتباسات لأنها قيود؛  من الناس من تعارفوا عليها و تواضعوا عليها عن اقتناع ؛ و منهم من يتعامل معها كما يكون رد الفعل إزاء كل لحن موسيقي جديد؛ تعجبهم تلك "العبارات الغامضة" لأنها صنعة تجعلهم يظهرون بمظهر المفكرين و العباقرة ؛ و لكنها لا ترفعهم إلى مصافهم. ففي هذه الحالة هم مثل من يقلد ممثلا مشهورا فتراه يلبس مثل ملابسه و يسرح شعره بنفس الأسلوب لا أكثر و لا اقل.

 و لست أحب أن يقدسوا أي فيلسوف مهما كان؛ ففي النهاية ليس الفلاسفة و الكتاب و المفكرون و العلماء إلا بشرا مثلنا؛ يقولون ونحن أيضا لدينا ما نقوله؛ و لو عاد أفلاطون لضربته بالنعال. يجلس احدهم يقولون إن اسمه كان  "لودويك ويتغنشتاين" في باخرة يطالع جريدة؛  ثم يخرج بنظرية  جديدة قلبت الفلسفة رأسا على عقب ؛ و يقال إنه كان يعمل عمل قوم لوط مثل أستاذه أفلاطون . و ذات يوم جلس آخر تحت شجرة فبزقت عليه حمامة فاكتشف نظرية الجاذبية ....

أما عندنا في "اكادير" فإنهم يروون قصة مغايرة لنظرية البزاق تلك . فهم يقولون والله أعلم إن فقيها دعي إلى وليمة فلبس أحسن ما عنده ؛ و ما كاد يخرج من الدار حتى بزق عليه هدهد ؛ فغضب الفقيه و توعد الهدهد بالانتقام . و في المساء شرع في تأليف كتاب حول منافع  منقار الهدهد و ريشه و مذرقه و هو بيت القصيد ؛ فمنها أن المذرق إذا بخرت به الأم وليدها مع عود قماري و لبان جاوة حفظته من الجن . فكاد ينقرض عندنا نسل الهداهد لولا الألطاف الإلهية بسبب بزقة بريئة و لا حول ولا قوة إلا بالله.

و لكن ليس البزاق هو ما يهمني  بل  ماهية تلك الهالة الضخمة التي يحاط بها أناس عاديون جدا قالوا بأفكارهم.  

لاحظت أن الأساتذة يحصرون فكرهم في معلومات آتية من مصادر مختلفة في مسار تكراري؛ فقررت أن أرمي كل ما تعلمته في سلة المهملات مادام لا يجيب على تساؤلاتي. و الكتاب هم  كمثل هؤلاء الأساتذة  يتخذون موقف" المعلم"  بمفهومه في النظام التعليمي القديم أي " حكيم على المنصة " و مازال عندنا هذا المفهوم؛  و يتجلى في الناس الذين يذهبون عند المشعوذين للإطلاع على الأمور التي حدثت أو التي ستحدث في المستقبل بينما المشعوذ لا يزيد على كونه محتالا يسترزق على حساب اللوح المحفوظ ؛ و لا يعلم الغيب إلا الله.

و حتى إن كانت نيات هؤلاء الكتاب حسنة ؛ يكون هناك تواصل تقطع فيه المعلومات و الجهود طريقا واحدا في اتجاه واحد ؛ و هذه أيضا مازالت تتمظهر لدينا في مناحي كثيرة ؛ مثل الأب السادي الذي يصدر الأوامر. فتنشأ الازدواجية في المجتمع ؛ و نجد هؤلاء المثقفين برطانتهم في واد و الناس أيضا منصرفون إلى أشغالهم في واد آخر.

كلما تقدم الإنسان في الدراسة كلما استهواه البحث عن الوضوح و الآراء الناصعة؛ و هنا تبدأ المشاكل. يصبح البحث عن الوضوح و الآراء الناصعة مثل الرمال المتحركة تلتهمهم شيئا فشيئا و تغرقهم في الجدل من أجل الجدل. و أنا ممن يرون أن التجارب في هذه الحالة تسقط علينا ظلالها المعتمة.

 ما معنى ذلك؟

يعتمد قبول أفكار و معطيات جديدة على النظريات السائدة لكيفية سير العالم. و من السهل جدا أن يتم قبول فكرة مخادعة إذا كانت تتفق مع أفكار يسود الاعتقاد بها.

أحيانا سيكون ما نكتشفه أكثر مما يرغب الناس في التعامل معه. و هذا هو سر اختلاف نتيجة بزاق الحمامة في سياقين مختلفين . و الكتاب لا يفهمون هذه الرغبة؛ يسمونها عقلية القطيع فهم يرون أنفسهم رعاة بأيديهم عصي يسوقون الناس كما تساق الغنم. قطعا لن أدخل في تلك التخرصات التي تدعي زورا أن ذلك من بقايا المجتمعات الرعوية . فمن على الحق يا ترى الكتاب أم الغنم؟

أنت يا عزيزي القارئ ما زلت تبحث عن الوضوح و الإدراك في مسار تكراري....

فهل من الضروري أن نتجاوز الحديث عن الخطأ و خداع الذات و انعدام الأمانة و صهر هذه المفاهيم في قالب واحد؟ إذ كيف لي أن أعرف إن كان الكاتب يعاني من خداع الذات أم أنه أصيب بانعدام الأمانة ؟

تدهشني بنيات عميقة من القوانين توجد هنا؛ و السؤال الذي يشغل بالي هو لماذا لا يمكن التنبؤ بتفسير هذه التضاربات و هذه الفوضى؛ و لا يكون لها حل واحد هو الجواب الصحيح بل تصبح عندها حلول و أجوبة متضاربة؟ أين تتمركز الأفكار في هذا الكون ؟ هل تنتقل وراثيا أم عن طريق موجات  و هناك أجهزة التقاط في دواخلنا لم نكتشفها بعد ؟ أم أنها تنتقل بأسلوب وقع حافر بغل على حافر بغل مثله ؟

ألا ترى أن هناك ما يشبه العدوى ؛ تنتقل عبر المقالات التي تؤثر في الرأي العام؟ تكون رسالتها الجينية أحيانا هي تطميس الأفهام و إيقاف ملكة التفكير الحر عن العمل. أ ليس هناك ما يشبه الخبر الوراثي في هذه المقالات مثل ما يحدث داخل الخلية في عملية تركيب البروتينات ؟؟؟؟ قد تلاحظ ذلك عندما تكتشف أن لديك أفكارا تريد البوح بها ثم ينتابك إحساس أن الأمر صعب عليك لأن الناس يعرفون أكثر منك. و قد تقرأ هذه المقالات و هذه الكتابات من دون أن تؤثر فيك.

فما هو السر الدفين في هذه المواقف المتباينة و النظرة المتغايرة إزاء نفس المقال؟

                                                                                                        يتبع ...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز