د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
العسكر والحاخام

سيقف التاريخ طويلاً عند مساء الحادي عشر من فبراير سنة ألفين وإحدى عشر، بل سيكتب كثيراً أيضاً وسيحكم حينها على مواقف كثيرة ورجال كثيرين أيضاً ، فإن كانت الصورة الآن ماتزال ضبابية حول طبيعة ماحدث بالضبط في تلك الليلة الفاصلة في التاريخ المصري إلا أن كر الأيام وتوالي الأحداث كفيل بأن يضيء الصورة أكثر وأكثر لتظهر كل الجوانب الخافية منها وقد صدق طرفة بن العبد الشاعر العربي القديم وكأنه كان يتحدث عن هذه اللحظة بالذات حين قال : ستبدي لك الأيام ماكنت جاهلا .. ويأتيك بالأنباء من لم تزود

فمنذ اللحظة التي ألقى فيها مدير المخابرات المصرية بيان تنحي مبارك عن السلطة وهناك شيء يحيك في الصدر من هذه البساطة وذلك الهدوء المريب الذي شمل الصورة بكاملها ، فالرئيس المخلوع رجل عسكري ومدير المخابرات كذلك رجل عسكري ، والمجلس الأعلى بكامله هو مجلس عسكر مبارك الذي انتقاه على عينه وظل حليفاً له ومباركاً أفعاله لأكثر من عشرين سنة قضاها رئيس المجلس إلى جوار مبارك وهي أطول فترة يقضيها قائد عسكري إلى جانب أي رئيس بالغاً مابلغ وفاءه وإخلاصه لقائده ..

 لكن المؤكد الآن على الأقل ودون الخوض في ظنون واتهامات غير موثقة فإن أقدار مصر منذ تلك الليلة كانت بين أيدي هذه الثلة من العسكر الذين أعلنوا أنهم مع مطالب الثوار وأنهم سيقودون مرحلة انتقالية يسلمون الحكم بعدها إلى حكومة مدنية ورئيس منتخب ثم ينسحبون بعدها إلى ثكناتهم ، كلام رائع ولاغبار عليه إذا صح العزم وخلصت النوايا وقد أخذوا مقابله حباً حقيقياً وهتافات من القلب من كل أطياف ثوار التحرير بشتى مواقعهم واتجاهاتهم ونسوا أو تناسوا كل المحاذير والمخاوف التي تجعل فئران البلد قاطبة تلعب في الصدور .. بدأت المسيرة إذن منذ تلك الليلة ولكن أي مسيرة .. وأي إدارة .. كل خطوة بأزمة وكل قرار بصراخ ومعارك وشهداء وجرحى وعيون مفقوءة وأحوال تتردى كل يوم و تمضي من سيء إلى أسوأ.

 ولن نخوض في تفاصيل يعرفها الجميع فقد مضى ركب الثوار الذي خفتت فرحته خسر من خسر وربح من ربح حتى قاربنا على الوصول إلى المحطة الأخيرة فإلى أي حال وصلنا أو أوصلنا الثوار بقلة خبرتهم والأخوان بانتهازيتهم والعسكر بقدرتهم على الكر والفر والمناورة والضرب والقتل ثم الاعتذار .

 الصورة كمانلاحظها منذ البداية وإلى مايحدث في مصر هذه الأيام من أزمات متلاحقة طالت أبسط احتياجات الناس من غاز وبنزين ومواصلات بالإضافة للأزمات المزمنة كأزمة الخبز ونقص السلع والخدمات والارتفاع الجنوني للأسعار وكلها أزمات أكثرها مفتعل في ظل إدارة العسكر للبلاد منذ قيام الثورة، كل ذلك يذكرني بقصة اليهودي والحاخام وملخصها أن أحد اليهود كان كثير العيال ولايجد ماينفق ذهب ليشكو للحاخام بؤس حاله وأنه لم يعد يطيق الحياة خاصة وأنه يعيش هو وزوجته وأولاده وأبويه في غرفة واحدة وقد فكر في الانتحار ليتخلص من أزماته لكنه أراد أن يعرض مشكلته علي الحاخام ليكون شاهداً علي أن انتحاره لم يكن بدافع الكفر ولكن بسبب ضيق الحال ولعله يجد لديه حلاً يريحه من أزماته ويصرفه عن التفكير في الانتحار ، وقد استمع إليه الحاخام ملياً ثم دخل إلي حظيرته في صمت وعاد ساحباً خنزيراً وطلب من اليهودي أن يأخذ الخنزير معه إلي البيت على أن يقيم معه في نفس الغرفة ويهتم به كأحد أبنائه لمدة أسبوع كامل ولايعود إليه قبل انقضاء هذه المدة وإلا فسد الحل. حاول اليهودي أن يفهم وأن يستفسر ، لكن الحاخام طلب منه الطاعة والامتثال دون سؤال حتي يمكنه في النهاية حل مشاكله .

 مر الأسبوع علي اليهودي كأنه دهر كامل فقد تعقدت حياته أكثر في وجود الخنزير داخل غرفته ، روائح كريهة وبول وروث وفوضي وصراخ حتى كادت تزهق روحه قبل انقضاء الأسبوع وعاد إلي الحاخام وقد أيقن أن الانتحار هو الحل فطمأنه الحاخام إلي أن كل شئ سيكون علي مايرام ، أرجع الخنزير للحظيرة وطلب من اليهودي أن يعود إليه في الغد . في الغد تغير الحال وتنفس اليهودي الصعداء بعد أن عادت الأمور لسابق عهدها وتخلص هو وعائلته من قرف الخنزير وأوساخه ، وقابله الحاخام بوجه يشوش وهو يسأله : مارأيك الآن هل تشعر أن أحوالك قد تحسنت ؟ فأجاب اليهودي علي الفور: الحمد لله لقد صارت أحوالنا أفضل كثيراً يسقط..يسقط..الحاخام







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز