أحمد أحمد
FarisAhmed1972@gmail.com
Blog Contributor since:
19 March 2012



Arab Times Blogs
مكانة هتلر عند بعض العرب

على مر السنين سؤلت أكثر من مرة وفي أكثر من بلد عربي عن هتلر، وبالتحديد عن رأي الألمان حول هتلر ومكانته عندهم، والسبب في ذلك كوني ولدت في ألمانيا ونشأت وكبرت في العراق، ثم عشت بعض السنوات في دبي وهناك التقيت وتعرفت على كثير من العرب من فلسطين، سوريا، مصر، اليمن ، السودان، عمان و لبنان وفي عقدي الثالث من العمر أستقريت مرة أخرى في المانيا، وفي كثير من الأحيان يتم سؤالي عن هتلر بمجرد معرفة الناس بأجادتي اللغه الألمانيه.

عبر السنوات قرأت كتبا عن المانيا في عهد هتلر وعن هتلر نفسه وزرت في المانيا مواقع تأريخية ومتاحف مرتبطه بهتلر والمانيا النازية وشاهدت الكثير من الأفلام الوثائقية، و تحدثت مع الكثير من الألمان على مختلف أعمارهم عن هتلر وفترة حكمه التي أستمرت من سنه 1933 الى أنتحاره سنه 1945.

  وقد لاحظت أن الكثير من العرب والمسلمين أبدى ويبدي (وللأسف سيبدي) أعجابا كبيرا بهتلر! حيث يصفونه بالقائد الشجاع، والعسكري المحنك والعبقري، والسياسي البارع الذي وحد المانيا، والخطيب الرائع الذي استطاع بكلماته أن يكسب قلوب الملايين من الألمان وبالأقتصادي الماهر الذي حول المانيا الى قوة أقتصادية وعسكرية ذات وزن عالمي.

 وما أكبر الفرق بين رأي بعض العرب حول هتلر ورأي الألمان أنفسهم! الألمان على عكس بعض العرب رأيهم مختلف تماما! فهم يعتبرون هتلر مجرما و دكتاتورا أدخل المانيا ودول أخرى في حرب راح ضحيتها الملايين من الناس وتسبب في خراب المانيا بعد أصراره على خوض حرب على كل الجبهات بدون أدنى فرصه في النصر على كل الدول، كما أنه كان حاكما عنصريا يبيد أبناء بلده على أساس عرقي. ناهيك عن تحويله البلد الى ثكنه عسكرية وبوليسية بحته ليس فيها مكان للديمقراطية أو حتى للتفكير والأنتقاد.

 ولطالما سألت نفسي عن السبب في هذا الأختلاف الهائل في الرأي؟ ماهي الأسباب التي تجعل من أكبر مجرم في تأريخ البشرية أن يكون رمزا يحتذى به من قبل بعض العرب؟ لماذا لا يحتذي به الألمان أنفسهم؟ هل العرب أدرى بهتلر من الألمان؟ لماذا يتمتع هتلر بمنزلة عالية وأيجابية في العالم العربي؟

يرتكز جانب كبير من هذا الأعجاب على حقائق تأريخية خاطئة أو على تفسير خاطئ لأحداث تأريخية في عصر هتلر، سأحاول أن أذكر أهم الأخطاء التأريخية التي يستخدمها المعجبون بهتلر بعلم أو بدون علم.

الخطأ الأول: المانيا لم تبدأ الحرب العالمية الثانية وأنما هوجمت أو أستدرجت من قبل الحلفاء الى الحرب حتى لا تصبح دوله عظمى في أوروبا!

هذا التفسير خاطئ تأريخيا مئة بالمئة، الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) لم تريدا حربا عالمية ثانيه بعد مرور 21 سنه فقط على نهاية الحرب العالمية الأولى التي كانت جراحها لم تلتئم بعد، والدليل على ذلك عدم تتدخل الحلفاء عسكريا بعد قيام هتلر بأعاده تسليح المانيا عام  1933وخرقه لأتفاقيات عدم التسلح! ألم يكن أسهل عليهم أن يهاجموا المانيا سنه 1933 بوجود عذر رسمي (خرق اتفاقيات عدم التسلح) عندما كانت في بدايه التسلح بدلا من الأنتظار ست سنوات حتى تصبح قوى عسكرية عظمى؟!

أن أطماع هتلر التوسعية كانت واضحه منذ البدايه فبالأضافه الى عدم التزامه بأتفاقيات حظر التسلح التي فرضت على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى قام هتلر بضم النمسا الى ألمانيا سنه 1938 في عملية صورتها أجهزة الأعلام النازية الرسمية الألمانيه على أنها عملية أندماج نابعة من رغبه الشعب النمساوي، وفي نفس السنة تم الأتفاق مع الحلفاء في أتفاقية ميونخ على منح أقليم السوديت ( الجزء الغربي من جمهورية التشيك الحالية) الى ألمانيا في أتفاقية سميت بأتفاقية سلام ميونخ، ولا ننسى أتفاقية عدم الأعتداء التي عقدها هتلر مع الأتحاد السوفيتي والتي بموجبها تم أقتسام بولندا بين ألمانيا والأتحاد السوفيتي سرا. لقد ظن الحلفاء أن أطماع هتلر التوسعيه ستتوقف عند هذا الحد (ضم النمسا والجزء الغربي من جمهوية التشيك ونصف بولندا).

الخطأ الثاني: هتلر حول أو ساهم في تحويل المانيا الى دوله متطورة

  هذا الرأي خاطئ أيضا ويستطيع حتى أي زائر لالمانيا أن يعرف هذه الحقيقة بسهولة من خلال زيارته للمتاحف الصناعية الكثيرة ويتأكد من أن الثورة الصناعية التي حولت المانيا الى بلد متطور حدثت قبل ولادة هتلر عام  1889 بفترة طويلة! حيث تعود جذور هذه الثورة الى ثلاثينيات القرن التاسع عشر وبالتحديد عند أنشاء أول خط سكة حديد بين مدينتي نورنبرج وفورت، وتلى ذلك ثورة الفحم والحديد والصناعات الثقيلة والكهربائية وصناعة السيارات والطائرات. عند وصول هتلر الى الحكم عام 1933 كانت ألمانيا دولة متطورة اصلا وذات بنيه تحتيه متطورة.

 الخطأ الثالث: هتلر كان قائدا عسكريا عبقريا

صحيح أن المانيا في بدايه الحرب العالمية الثانية حققت أنتصارات كبيرة وسريعة فاجأت الحلفاء مثل الأنتصار على فرنسا خلال أسابيع قليلة، لكن لو نظرنا الى الحرب ككل نجد أن أخطاء هتلر العسكرية كانت أكثر من قراراته الصحيحة والأمثله على أخطاءه كثيره أهمها:

الهجوم على الأتحاد السوفيتي على الرغم من معارضه وتشكيك جنرالاته بأمكانيه النصر، حيث لم يكن الجيش الألماني مستعدا لخوض حرب طويله في داخل عمق الأتحاد السوفيتي في فصل الشتاء الذي تنخفض فيه درجات الحرارة الى 30 أو 40 تحت الصفر، كذلك عمق الجبهه السوفيتية جعل من الصعوبه توفير الأمدادات للجيوش الألمانية ، تجاهل هتلر هذه المخاطر حيث أعتقد أماكانيه تحقيق نصر سريع قبل بدايه فصل الشتاء.

خطأ فادح أخر أرتكبه هتلر هو عدم القيام بأنزال في الجزر البريطانية، حيث قرر هتلر أركاع بريطانيا عن طريق حرب جويه أستمرت أشهرا كثيرة، ومرة أخرى تجاهل هتلر جنرالاته الذين شككوا بأمكانيه النصر على بريطانيا عن طريق الجو فقط ، وبالفعل أدت هذه الحرب الجويه الى أنهاك وأضعاف القوة الجوية الألمانيه وفقدان عدد كبير من الطيارين الألمان المتمرسين كما أنها زادت من تماسك بريطانيا وزادتها أصرارا على المقاومة وعدم التفاوض مع ألمانيا.

ثم أرتكب هتلر خطأ أخر بأن أشرك الولايات المتحدة في الحرب، حيث أعتقد هتلر أن الجيش الألماني سيحقق أنتصارات سريعة في الجبهه الشرقية قبل أن يتسنى للأمريكان دخول الحرب ضده في أوروبا في جبهه غربية جديدة.

 ولا ننسى طبعا قيام هتلر بتصفية عدد كبير من الجنرالات الألمان الأكفاء الذين لم يكونوا متحمسين لأفكاره المتهورة، على سبيل المثال الفيلد مارشال رومل (الملقب بثعلب الصحراء) الذي كان من أكفأ جنرالات الحرب بشهاده الحلفاء أنفسهم.

خطأ عسكري فادح آخر أرتكبه هتلر هو بدأ الحرب بدون أسطول الماني بحري قوي قادر على سحق الأسطول البريطاني الضخم الذي فرض حصارا بحريا على المانيا خلال الحرب.

الخطأ الرابع: هتلر كان يمثل أراده الشعب الألماني

بعد أن فاز حزب العمال الأشتراكي الوطني الألماني (الحزب الذي كان هتلر يترأسه ويسمى بالعامية الحزب النازي) بالأنتخابات عام 1933 أصبح هتلر مستشارا (أي رئيسا) لألمانيا، صحيح أن قسمأ كبيرا من الشعب الألماني أنتخبه والسبب في ذلك يعود لوعود هتلر وحزبه بأصلاح الوضع الأقتصادي المتردي في المانيا أنذاك، لكن هتلر لم يطلع الألمان على خططه العسكرية ونواياه التوسعيه قبل أنتخابه، لو عرف الألمان في وقتها بنواياه العسكرية لما أنتخبوه سنه 33 بعد مرور 15 سنه فقط على نهايه الحرب العالمية الأولى التي تكبدت فيها المانيا خسائر فادحة، فألأغلبية العظمى من الألمان لم تكن تريد محاربه فرنسا وبريطانياوالأتحاد السوفيتي والولايات المتحده الأمريكية في آن واحد!

فور وصول هتلر الى الحكم ألغى هتلر كل الأحزاب الأخرى وحول ألمانيا الى دكتاتورية عسكرية تظطهد شعبها من خلال أجهزة الأمن سيئة الصيت مثل ال أس أس والجستابو، ثم قام بفصل الحزب وأجهزته الأمنيه عن النظام القضائي بشكل كامل وهذا أعطاه حرية تامه في سجن وقتل وأباده منافسيه ، فأصبحت الأجهزة الأمنيه فوق القانون تستطيع أن تفعل ما تشاء بدون حسيب أو رقيب.

ثم قام هتلر بتحويل نفسه الى أله بمعنى الكلمة ومخلص للشعب الألماني وتم تصويره كبطل أسطوري منقذ لألمانيا ، وما مقوله شعب واحد ، وطن واحد وقائد واحد الا واحده من شعارات الحزب النازي التي الغت الوطنيه وحلت محلها الطاعة العمياء لهتلر فقط.

الخطأ الخامس: هتلر كان يحب العرب والمسلمين والأسلام

هناك من يدعى بأن هتلر كان يحب العرب والمسلمين ويساندهم في نضالهم ضد الأنكليز والفرنسيين! ويدعى البعض بأن هتلر كان على وشك أعتناق الأسلام! لذلك تأمر عليه اليهود بمساعده الحلفاء!!! ألا يفكر هؤلاء بأن هتلر كان يستغلهم فقط لمحاربة الحلفاء؟ لقد كان هتلر في حالة حرب لذلك من الطبيعي أن يقوم بمساندة الشعوب المحتلة من قبل أعداءه حسب المعادلة: عدو عدوي هو صديقي، ألم يقم الأنكليز بمساعدة العرب في الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية؟ هل كانوا يفعلون ذلك حبا بالعرب أو بالأسلام؟

هتلر كان رجلا عنصريا الى أبعد الحدود فهو كان يؤمن بنظرية تفوق الجنس الألماني على باقي الأجناس، فشعوب أوروبا الشرقية مثلا  كانت في نظر هتلر أقل تطورا وهذا يفسر سياسة الأبادة في بولندا وأوكرانيا وروسيا، في حين لم تطبق سياسة الأباده بنفس الوحشية في دول أوروبا الغربية المحتلة مثل هولندا أو الدنمارك أو فرنسا، حيث كان هتلر يعتبر هذه الشعوب متطورة وتستحق الحياة، أما الأجناس الواطئة فتستحق الأباده.

عندما جرت الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936 فاز الأمريكي جيسي أونز بأربع ميداليات ذهبية، هذا أثار غضب هتلر الذي تمنى فوز رياضي ألماني، قال هتلر لمساعديه: ألا يخجل الأمريكان من كسب ميدالياتهم الأولمبية عن طريق الزنوج السود! لقد كان السود في نظر هتلر جنس متخلف لا يستحق الحياة.

الخطأ السادس: هتلر كان أنسانا مبدئيا ومستعد للموت من أجل مبادئه.

تثير نهايه هتلر وأنتحاره في ملجأه تحت الأرض في برلين أعجاب بعض الناس! حيث يدعى هؤلاء بأن هتلر كان أنسانا مبدئيا ومستعد للموت من أجل مبادئه ولا يخاف من الموت حيث فضل القتال حتى الموت على الأستسلام! يعتبر البعض هذه النهايه مثلا يحتذى به ودليلأ على الشجاعه!

 السؤال الذي يطرح نفسه ماهي المبادئ التى قاتل من أجلها هتلر؟ يدعى البعض أنه قاتل من أجل بلده ، وهذا ليس صحيحا كما أشرنا سابقا فأطماع هتلر كانت توسعيه وذات أبعاد عالمية معروفه. المبادئ الوحيدة التي كان هتلر مقتنعا بها هي مبادئ الأبادة والقتل والتدمير والسيطرة والتأليه ومبدأ سيادة الجنس الألماني المتفوق على غيره من الأجناس والأقوام.

لكن حتى لو أفترضنا أن هتلر حارب من أجل مبدأ وطني، الى أي حد يستطيع قائد أو رئيس أن يحارب من أجل مبدأ معين؟ هل يعلم معجبوا هتلر أن الحرب كلفت المانيا سبعة ملايين قتيل؟  نصفهم من المدنيين!! هل يوجد مبدأ في العالم يبرر قتل سبعة ملايين من أبناء الوطن من أجل مبدأ؟! ألا يجب أن تكون حياه المواطن أغلى عند القائد من مجده الشخصي؟ أليس من واجبه الحفاظ على أرواح مواطنيه بدل زجهم في حروب طاحنه؟ ألا يحق للشعب أن يختار بنفسه القيام بالحروب وأختيار المبدأ الذي سيموت أو سيحيى من أجله؟

الخطأ السابع: يعجب الكثير من العرب بهتلر بسبب عدائه لليهود ومحاولته أبادتهم جميعا، وهذه حقيقة تأريخية لا غبار عليها على الرغم من أعتقاد الكثير من العرب والمسلمين بأن أباده اليهود (أو ما يعرف بالهولوكوست) لم يحدث أصلا أو حدث ولكن على نطاق محدود فقط، والكثير من هولاء الناس يناقضون أنفسهم بأنفسهم، لأنهم من ناحية يشيدون لهتلر بأنه أباد اليهود ، وذلك أعتراف ضمني بالهولوكست ، وفي نفس الوقت هم ينكرون حدوث الهولوكوست ويعتبرونه تزويرا للتأريخ من قبل اليهود! لا أريد هنا أثبات حدوث أو عدم حدوث الهولوكوست لأنه هذه نقطة خارجة عن نطاق هذا المقال.

أحب أن أشير الى أن سبب العداء بين المسلمين واليهود هو كما معروف ديني أصلا وتوسع بعد تأسيس دوله أسرائيل وأصبح عداء ذو أبعاد سياسيه وأجتماعيه بالأضافه الى البعد الديني. لو قارنا ذلك بعداء هتلر لليهود لوجدناه مختلف تماما، فعداء هتلر لليهود ليس لديه أي أصول أو أسباب دينيه على الأطلاق، هتلر لم يكن مسيحيا متدينا فكل أفعاله تخالف كل المفاهيم المسيحية المبنية على المحبة والتسامح مثلا، هتلر لم يقرر أباده اليهود بسبب موقفهم المعادي للرسول محمد في فتره نشوء الأسلام أو بسبب موقفهم العدائي من المسيح، عداء هتلر لليهود كان عرقيا وكان مبنيا على أساس أختلافهم عن أغلبية الألمان.

أريد من خلال هذه المقارنه في العداء مع اليهود أن أبين لهؤلاء المعجبين بهتلر أنهم على خطأ في هذه النقطة أيضا لأنه عداء هتلر لليهود لم يكن له أي أساس ديني وأنما عرقي وهذه نقطة مهمة جدا لانه من المعروف أن العرب واليهود كلاهما من الأقوام السامية ، لذلك أنصح المعجبون بهتلر أن يعيدوا التفكير بهذه النقطة، الأعجاب بهتلر المعروف بكرهه لليهود والسامية هو ضمنيا كره للعرب وهذا لايجب أن يكون مصدر أعجاب من قبل العرب







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز