د. محمود لطيف البطل
Mahmoud@list.ru
Blog Contributor since:
05 November 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
روسيا العربية أكثر من العرب، والفلسطينية أكثر من الفلسطينيين

تمثل المواقف التي تتخذها روسيا من المسألة السورية اليوم بعداً استراتيجياً بكل الأبعاد، وفهماً راسخاً لدولة عظمى صاعدة إقتصادياً وثقافيا وإجتماعياً بضرورة تغيير معايير السياسة الدولية وتوجيهها نحو العقلانية بعد دورة الجنون الأمريكي الغربي التي كلفت العالم مئات آلاف القتلى والجرحى والمعوقين. وخلفت كذلك دماراً هائلاً في بنى تحتية لعدة دول، قذف بها إلى الوراء نحو العصور الوسطى(العراق وأفغانستان وليبيا). وهاهي روسيا بعد أن استوعبت درس ليبيا جيداً واقتنعت بأن الغرب سيماري ويخادع في كل شيء تحقيقا لمكاسبه على حساب الآخرين، غير عابئ بالأرواح البشرية طالما أن هذه الأرواح تسقط بعيداً عن حدوده وأراضيه. إذ ماذا يعني لهذا الغرب المتوحش مقتل 50 ألف مدني ليبي، أومئات الآلاف من الشعب العراقي، حتماً لاشيء!. لقد تأسست السياسة الغربية ومنذ زمن بعيد على اعتبار الحياة البشرية العربية والأفريقية لاقيمة لها على الإطلاق، إلاٌ إذا دخلت هذه الحياة في مخططاته للتجارة فيها وتحقيق أطماعه من خلال المزاودة في الحرص عليها. هذا مارأيناه في ليبيا ونراه اليوم في مايخص سوريا.

 وابتأت الحكاية بالصراخ والعويل على حقوق الشعب الليبي الذي ترتكب بحقه المجازر من قبل نظام العقيد معمر القذافي وشارك في هذه الترويجات الإعلام العربي المأجور الذي كان يعرض الأفلام المفبركة عن مجازر وهمية في المدن الليبية، وجندت لهذا الغرض أيضاً جامعة الدول العربية"التي اشترتها دول الخليج"، فسارت الأمور تماما كما رسم لها وخطط لها في الغرب، ومرر القرار 1973 في مجلس الأمن الدولي، والذي مثل خدعة بإتقان. إذ أن الحديث الذي كان يدور عن الحظر الجوي كان يحمل بين سطوره ألغام لم تكن لتنتبه إليها في حينه السياسة، واستخدمتها دول الغرب لتفجيرها فوق ليبيا وعلى أراضيها زارعة الموت والدمار في كل المدن الليبية بحجة حماية المدنيين. وأسقط نظام العقيد معمر القذافي بمساعدة الناتو، التي مثلت انتهاكا صارخا لكل المواثيق والأعراف الدولية.

وصارت ليبيا اليوم تمثل الهاجس الأكثر رعباً لكل منطقة شمال افريقيا بسبب انتشار السلاح الغير مراقب والغير متحكم به والقادر على الوصول إلى الحركات الإرهابية في كل دول شمال أفريقيا من المغرب وحتى القرن الأفريقي. وعندما لاحظت روسيا أن العرب في الجامعة العربية، "التي تستثمرها قطر"، عازمين على المضي قدما بتنفيذ السيناريو الليبي في سوريا، لم يعد بامكانها الإحتمال فهبت بكل قوة لتضع العرب أمام حقيقة لم يكن ليريد عرابوا التدخل الخارجي في الأوضاع السورية رؤيتها، وهي أن الروس لن يسمحوا بتكرار السيناريو الليبي في سوريا، داعين العرب"القطريين" إلى مراجعة سياستهم بشأن سوريا. وقرر رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف الذهاب إلى القاهرة والعمل على ثني المواقف المتطرفة الداعية إلى التدخل الأجنبي للحوار، واستخلاص العبر والسعي معا من أجل وقف العنف ووقف تهريب السلاح والمرتزقة إلى سوريا، والعمل من أجل إقناع جميع أطراف الأزمة بالجلوس لطاولة الحوار وحل الأزمة بالطرق السلمية ومن دون تدخل أجنبي. وخلص الإجتماع عندها إلى اتفاق متكون من خمس نقاط على رأسها رفض التدخل الخارجي في الشؤون السورية الداخلية.

والتزم الروس حرصا على العرب وعلى العمل العربي الذي يجب أن ينصب على مسائل التطور والتنمية والعمار لا على مشاريع القتل وشرذمة الأمة واغتيالها. وطبعا لم يلتزم بالإتفاق عرب الخليج وعلى رأسهم قطر والسعودية، الشيء الذي أجبر روسيا غير مرة على التأكيد بأنها عازمة على العمل بكل الوسائل من أجل منع التدخل في الشأن السوري، وفاضحة في الوقت نفسه المماطلة والخداع وعدم المصداقية للجهات التي ماتزال تعمل على تأجيج العنف في سوريا، مؤكدة دعمها المطلق لكل الجهود الساعية إلى وقف العنف، ومنها جهود كوفي عنان. وقبل يومين أكد وزير الخارجية الروسي موقف بلاده الثابت من الأحداث في سوريا. وأضاف في ختام لقائه في موسكو مع وزير الخارجية اللبنانية بأنه:"من غير المسموح به أن تسعى بعض الأطراف الإقليمية والدولية باستخدام أحداث مايسمى بالربيع العربي لتناسي القضية الفلسطينية ومسألة الصراع العربي- الإسرائيلي". أي بكلمات أخرى على العرب أن يعودوا لعروبتهم وإغلاق الباب أمام من يسعى من الغرب لتصفية القضية الفلسطينية وإشغال العرب ببعضهم. تثبت روسيا اليوم من خلال مواقفها المبدئية من القضية الفلسطينية والوضع في سوريا بأنها عربية أكثر بكثير من بعض العرب، وفلسطينية أكثر بكثير من بعض الفلسطينيين.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز