مولاي عبد الرحمان الفقيه
moulayabderrahmanelfaq@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 February 2012



Arab Times Blogs
تعلم الغش الفكري في سبعة أيام بدون معلم ج1

 هذه مقالة مقلقة من سبع مقالات سأبين فيها أن العقول لا تفكر لتصل إلى الجواب؛ و لكنها تفكر لتعقل التفكير و تحول بينه و بين "إجابتك الدامغة" التي تنتظرها. فعقول "المفكرين" لا تستقبل إلا ما تمت برمجتها على استقباله. و كلنا مفكرون من هذا الطراز؛ و لكننا نختلف من حيث البرمجة و القدرة على تجاوز قواعد " عالمنا الملاحظ" الضيق ؛ التي نسميها "بالمنطق" ؛ و ننزلها قسرا على "العالم الموضوعي" الرحب الواسع.

فلنبدأ بهذا العنوان الذي مللنا جميعا من قراءته.    

كيف يفكر العرب؟

    ليس هناك سبب في الكون يجعلني أقتنع بأن النتيجة التي تنتهي بعمليات معرفية يمكن أن تبدأ مع مثل هذا العنوان. و لكن ثمة سبب وجيه للاعتقاد بأننا نتصور أننا ندرك "الجواب" على نحو يختلف فيه بعضنا عن بعض.

    فالعنوان فيه خداع كبير؛ و إن كنت يا عزيزي القارئ تبحث عن "الإجابة الدامغة"؛ فان رغبتك هذه – و ليس الجواب عن السؤال – هي التي ستجدها بين ثنايا هذه السطور.

    كيف ذلك؟ أولا ؛ لابد من سبل جديدة لاكتشاف الواقع ؛ فهناك ما يمكن رؤيته فقط إذا استطعت إماطة اللثام عن "الوهم"؛ و المقصود بالوهم هو ما يصطلح عليه الناس "بالحقيقة" . و إذا تمعنت جيدا ستجد أن الحقيقة هي صفة الوهم في احدث صيغه ؛ فالوهم ليس كيانا ثابتا قائما بذاته ؛ و لكنه فكرة مجردة متغايرة دائمة التحول ؛ تتخذ قيما مختلفة بحسب السياق مثل "إكس" في المعادلات الرياضية؛ و عندما تصبح الصيغة الحديثة متجاوزة ؛ تزول عن الوهم تبعا لذلك صفة الحقيقة .

    و لا ينبغي الخلط بين الوهم و «الخطأ"؛ فالوهم لا يصبح خطأ إلا إذا تجرد من سياق الحقيقة و وضع في غير موضعه. و ارجوا من القارئ الكريم أن يعذرني على هذه العبارات الموغلة في التجريد لأنني بصدد تشخيص كيمياء الخديعة. و انأ أرى انه لا يمكن إعطاء أمثلة من الواقع المحسوس لأنني اعتبر ذلك منطقا بائدا لا يجدي نفعا و لا يوصل المعنى؛ فمن السهل أن يبرهن به على المتناقضات و يشوش على المعنى الذي اقصده ؛ و يخلط الفكرة الأصلية بالأفكار التي قد تنشأ في ذهن المتلقي.

    لقد حاول كتاب و مفكرون كثيرون أن يجيبوا على السؤال كيف يفكر العرب؟ و لم يصلوا إلى جواب و إنما انخدعوا بأفكارهم و توصلوا إلى نتائج خاطئة من أساسها ؛ لأنهم في أثناء دراستهم لمنهجية التفكير سقطوا في متاهات آداب البلاطات و التيارات  الحزبية و عقليات بعض الكتاب ممن يسمون " بالنخبة" ؛ و غفلوا عن الشريحة التي تقصدها الدراسة و هي السواد الأعظم الذي ظنوا أنهم أحاطوا به في كتاباتهم ؛ فجاءت خلاصاتهم كبيرة العنوان صغيرة المضمون. فمن هم هؤلاء النخب الذين ركزت عليهم مقارباتهم ؟ و هنا يجب ألا نستخدم كلمات خداعة لا ندقق فيها غالبا؛ فهي حمالة أوجه ليس لها معنى في ذاتها و إنما تتغير حمولتها باختلاف السياق. و أنا اعترف أنني لا انتمي لأي تيار و لا لأي حزب؛ و نفسي اعز عندي من أن أكون إمعة.

     فلا بد يا عزيزي القارئ أن نعرف ما هي البيئة التي نشا فيها هؤلاء النخب و ما الذي يجمع بين أنساقهم الفكرية . و ليس مقبولا عندي  أن يكون الشخص  "موضوع الدراسة"  ناشئا في بيئة غير بيئة العرب؛  ثم ينفصل عن وعيه الأمومي تجاه وسط نشأته و بعد ذلك نرى من يلحقه قسرا بالشريحة التي نتغيى دراسة نمط تفكيرها.  فالذين " يعتبرون أنفسهم " مثلا علمانيين أو شيوعيين أو غير ذلك من الانتماءات ليسوا من النخبة . و إنني أفضل أن أدرجهم ضمن "توابع الإعراب" فهم تابعون لفكر آخر و نموذج آخر و يجب استبعادهم من الدراسة لأنهم لا يمثلون العرب في شيء.

    كما أنني أخشى أن يكون الدارس يحلل طريقة تفكيره هو و ليس طريقة تفكير العرب ؛ فالمنهج العلمي ليس حياديا لأنه  يستخدم دائما في سياق ما ؛ أي أن موضوع الدراسة في هذه الحالة يشبه المرآة ؛ كل دارس يرى فيها نفسه ؛ و هذا هو عين الخداع سواء كان إراديا أو غير إرادي . و أنا هنا أحاول أن أنبه إلى تهافت الذين يمارسون مهنة الجدل "كل من منطلقه" ؛ و أحاول كذلك أن أنبه إلى خطورة تسطيح الأفكار و تنميطها تنميطا يظهرها بمظهر الحقيقة المطلقة و هي لا تعدوا كونها استنتاجا مبنيا على حالات خاصة جدا.

    فهم يأتون دائما بمنظومات ينزلونها قسرا على واقعنا ؛ و لا يكلفون أنفسهم عناء السؤال كيف تتلاءم مع واقعنا و ثقافتنا و حياتنا اليومية . فالقضايا التي يطرحونها لا يمكن مواجهتها من دون اخذ سياقاتها و تعقيداتها بعين الاعتبار. و حتى تلقى أفكارهم المصداقية و القبول يجب أن يتعلموا كيف يتواصلون و يتفاعلون بكفاءة مع الناس و يعملون من داخل نظامهم المجتمعي. " فجوابك الدامغ" يا عزيزي القارئ يحتاج إلى حساسية ثقافية عالية جدا.

                                                                                             يتبع...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز