حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
سمير عوف حلاج السينما المصرية التسجيلية

الابداع هو العمل والانتاج بشكل مميز على غير مثال سابق ويتمثل ذلك فى روائع الافكار او البدائع فى الادب والفن والاختراع واكتشاف الجديد.... لذلك اهتم علماء النفس بالابداع النابع من قدرة عقلية فذة وذلك فى النصف الثانى من القرن العشرين , فدرسوا الابتكار واوجدوا اختبارات لقياس الابتكار لقدرة معينة ضمن القدرات الأخرى ... فالابداع جهد ذهنى بشرى متميز يبرز عبر مراحل للوصول الى نتائج باهرة... فاتجه اهتمام العلماء الى الاهتمام بالابداع واكتشاف ذوى المواهب العالية فى البحث العلمى والادارى والفن والهندسة والفنون والسينما والاداب وغيرها ... فاصبحت سيرة المبدع او الفنان الحقيقى مكون اساسى للتراث الانسانى والحضارى لبلده....ويتميز المبدع بالقدرة الفائقة والاصالة والتجديد فى الافكار والافعال مما يحقق التوافق المنشود والنجاح الافضل فى الحياة ...

هذا ويأتى المرضى العقليون ( او المجانين) بافكار بها جدة واصالة ... ويتسبب سوء سلوكهم فى سوء توافقهم مع افراد المجتمع ...ولا يحوزون النجاح المطلوب فى الحياة ...فالمبدع ينفق ربع عمره فى الابداع , وثلاثة ارباع عمره فى الدفاع عن ابداعه .... لذلك كان الدخول الى عالم المبدع الفنان ( سمير عوف ) مهمة شاقة وعسيرة وصعبة ... ليس فقط لانه مخرج افلام تسجيلية مهم !!! او لان افلامه التسجيلية بمثابة علامات بارزة فى ذاكرة السينما المصرية يعود اليها الباحثين ويدرسها الطلاب فى معهد السينما ... وليس فقط لانه مبدع فنان فى زمن عز فيه الابداع والفن الحقيقى .... عالم سمير عوف عالم غامض محفوف بالمخاطر ... لذلك من السهل ان تجد نفسك فى محراب هذا المبدع الفنان واقعا تحت تأثيره ... كأنك فى فخ لايمكنك الفكاك منه الا بالابحار والتجديف المستمر بين امواج بحر سمير عوف العميق الاسرار والافكار الابداعية !!! لعلك تستطيع ان تفك طلاسم هذه الالغاز التى تحيط بهذا المبدع الفنان !!! ... فمثلا الى الآن لا نعرف لماذا احتجب عن العالم وتوقف عن العمل والاخراج السينمائى التسجيلى مدة تزيد عن خمسة عشر عاما تاركا خلفه الكثير من علامات التعجب والاستفهام عن اسباب غيابه !!!؟؟؟ ...

 سمير عوف هو النبع الصافى العذب الذى يرتوى منه طلاب معهد السينما لانه يحمل التناقض الابداعى بين جوانحه ... فهو قمة التوحد ومنتهى الرفض ... فتجده فى احد افلامه قمة التأمل والصفاء النفسى وملائكية النظرة وفى فيلم آخر تجده قمة الثورة والغليان من شدة الضغط والكبت النفسى !!! فهو مرة قارب نجاة وسلام ومرة اخرى تجدة بركان ثائر كله اضطراب وانفجارات فى وجه التقاليد البالية والعتيقة !!!... مما لاشك فيه ان سمير عوف بالنسبة لى هو رصد لتفاصيل معركة توضح الصراع بين المبدع الفنان فى عصر معين وكافة العوامل والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتحكمة فى ابداع سمير عوف من جهة اخرى ...بداية الأفلام التسجيلية فى مصر جاءت على يد محمد بيومي الذي يعد المؤسس الحقيقي لصناعة السينما في مصر بعد عودته من النمسا ودراسته للتصوير هناك وإحضاره الآلات والمعدات الخاصة بالتصوير وافتتح بها أستوديو للإنتاج السينمائي بشبرا ....

وعلى الرغم من أن أول تجربة لمحمد بيومي كان فيلم كوميدي إلا أن هذه التجربة فشلت بسبب وفاة ابن محمد بيومي التي تسببت أيضا في توقفه عن مباشرة نشاطه السينمائي مؤقتاً ....الجدير بالذكر ان هناك فترة مهمة من فترات الفيلم التسجيلي حيث البدايات الأولى لهذه الأفلام من خلال شركة مصر للتياترو والسينما التي أسهمت في إنشاء جريدة مصر السينمائية، وبما أن هذه الفترة كانت زاخرة بالقضايا الوطنية ومحاولة إنشاء اقتصاد قومي قوى فقد أسهمت السينما التسجيلية في تغطية القضايا الوطنية مما انعكس على المسار التاريخي لحركة الفيلم التسجيلي في مصر.....ثم التوسع في صناعة السينما بشكل عام من خلال إنشاء "ستوديو مصر" الذي لعب دور كبير وهام في تطور حركة السينما التسجيلية المصرية، هذا بالإضافة أنه يعد أهم مركز لصناعة السينما في الشرق الأوسط بالإضافة إلى صدور جريدة الحرب في الشرق أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد كان الجيش البريطاني يوفر الأفلام الخام اللازمة للأستوديو وذلك في مقابل أن يمنح الأستوديو التسهيلات الفنية لبعثة جريدة الحرب المصورة والتي كانت تقوم بتغطية الحرب في منطقة الشرق الأوسط وبناء على هذا كان يتم تجميع مادة الجرافيك من ميادين القتال لتحمض وتطبع بأستوديو مصر ثم تضاف إليها المؤثرات الصوتية والتعليق والذي كان يتم بـ15 لغة مختلفة من بينها اللغة العربية وواقع الأمر فقد كان ذلك النشاط الواسع للجريدة بمثابة تجربة قيمة للفنيين المصريين....

 الجهود المبذولة لإنشاء أول قسم متخصص لإنتاج الأفلام القصيرة بأستوديو مصر مع الإشارة إلى هذا الإنتاج، كما يوضح الإنتاج الذي حدث خارج أستوديو مصر مما يشكل في النهاية ملامح حركة السينما التسجيلية في هذه المرحلة، كما لوحظ أن أغلب الأفلام التسجيلية التي أنتجت في مصر قبل عام 1946 كانت معظمها تصنع من أجل مناسبات خاصة أو ظروف معينة، ومن أهم سمات هذه المرحلة إنشاء أول قسم للأفلام القصيرة بأستوديو مصر وهو قسم خصص لإنتاج الأفلام القصيرة وكان معظم إنتاج هذا القسم من الأفلام يسعى إلى إبراز أوجه التقدم الموجودة بمصر....ثم تطور السينما التسجيلية خلال ثورة يوليو واعتبار المتابعين أن هذا التطور نتاج طبيعي حيث أن السينما التسجيلية كانت إحدى وسائل اتصال الثورة بالجماهير وقد انعكس هذا الاهتمام في عدة مظاهر منها الاهتمام بالجرائد السينمائية مثل جريدة مصر السينمائية وجريدة الحرية السينمائية، بجانب إنشاء العديد من الوحدات الإنتاجية التي تتولى العمل في مجال السينما التسجيلية مثل: وحدة الشئون العامة بالقوات المسلحة وإدارة السينما بمصلحة الاستعلامات ووحدة إنتاج الأفلام بالمؤتمر الإسلامي وإنشاء إدارة السينما بمصلحة الفنون، كل هذا يوضح سمات السينما التسجيلية بعد هذا التطور الذي طرأ عليها.... لقد عاصر سمير عوف هذه البدايات وعاشها وعايشها حتى تجربة القطاع العام السينمائي وتدخله المباشر في إنتاج الأفلام التسجيلية سواء بمباشرة إنتاجها من خلال المؤسسة المصرية العامة للسينما أو بإنشاء إدارة مستقلة لها ضمن المؤسسة لمباشرة إنتاج الفيلم التسجيلي أو بمحاولة إنشاء مركز قومي للفيلم التسجيلي، كما شارك الفيلم التسجيلي في عدة أحداث هامة كانت قد برزت في هذه الحقبة منها الوحدة مع سوريا، الاتجاه إلى تطبيق القرارات الاشتراكية، إنشاء التليفزيون العربي، ثم تدخل القطاع الخاص في السينما التسجيلية الذي بدأ محدود للغاية وتمثل في بعض المحاولات الفردية ثم بدأ بالازدياد....

كما عاصر سمير عوف ازدهار الفيلم التسجيلي بعد إنشاء المركز القومي للفيلم التسجيلي ثم تخليه عن هذا النشاط للوكالة العربية للسينما ومركز الفيلم التجريبي، وأخيراً عودة المركز مرة أخرى للعمل بعد تصفية الوكالة، ومن مظاهر اهتمام وزارة الثقافة بالفيلم التسجيلي الذي تمثل في إقامة المهرجان القومي السنوي للأفلام التسجيلية والقصيرة وإنشاء مراقبة خاصة تتولى إنتاج الفيلم التسجيلي بالتليفزيون العربي، وفتح آفاق عالمية أمام الفيلم التسجيلي بالتليفزيون العربي، وفتح آفاق عالمية أمام الفيلم التسجيلي من خلال الإنتاج المشترك، كما زاد الاهتمام غير الرسمي والذي اعتمد على جهود العاملين في حقل السينما التسجيلية من خلال تكوينهم للعديد من الشركات الخاصة التي تتولى إنتاج الأفلام التسجيلية بجانب تكوين جماعة السينمائيين التسجيليين، وهو اتحاد يرعى مصالح السينما التسجيلية والسينمائيين التسجيليين، كما ظهر التيار الاجتماعي في الأفلام التسجيلية من خلال أعمال الشباب وهو الشيء الذي يعتبر من أهم سمات السينما التسجيلية المعاصرة في مصر..... فهذا الفنان المبدع ( سمير عوف ) لم يتخلى عن حريته وصدقه لاى سبب من الاسباب حتى لو كانت خصومته ستكون مع كبار القوم فى وزارة الثقافة او الاعلام !!!..

ولسان حاله يقول : ( أنا ذهبت ورأيت واخرجت ... وعانيت وتعذبت واحسست وعبرت ... هذا بالضبط ما فعلت ... ولكن اذا كان لاى احد تصور اخر .... فليس هذا من شأنى .... ولن يستطيع اى انسان كائنا من كان ان يشترينى ... فأنا لا اقبل ثمنا لحريتى ! ) ... فسمير عوف بكامل حريته قد عبر عما يجول بخاطره ...ان هناك معوقات امام الابداع فى عالمنا العربى الذى تحكمه الخرافات والدوجما ومنظومة الثوابت والتقاليد والعادات البالية ...فهناك معوقات ومؤثرات سلبية تعوق المبدعين وتثبط همم المبتكرين وتحد من استثارة عطاء المبدعين ... وتحول دون استثمار انشطة وجهود المتفوقين المتميزين ....من خلال عدم تقدير المسئولين لابداع المبدعين والنظرة الدونية لمنجزاتهم العلمية بسبب الغيرة والحسد والحقد الدفين فى الصدور... الجدير بالذكر ان سمير عوف ومنذ نعومة أظافره والسينما كانت جزء لا يتجزأ من حياته ... لقد ولد سمير عوف فى حى القلعة العتيق بالقاهرة ... ذلك الحى القديم الذى يعانق التاريخ عناق الاخاء والمعاصرة بمآثر التاريخ ... فهو مكان غريب وموح جدا حيث يوجد مسجد الرفاعى ... ولو درت دورة كاملة ستجد فى كل كادر بصرى أثر اسلامى ضخم ... ورغم تأثير الصورة على الطفل سمير عوف بشكل اضفى على طفولته وقع السحر ... الا ان صوت الراديو لم يكن اقل تأثيرا على عالم الطفل الصغير سمير عوف ...

ومن خلال البرامج الاذاعية التى اثرت فى طفولة سمير عوف مثل ( ملاح النيل ) الذى كان يعتمد على المؤثرات الصوتية بشكل كبير ... كان الصغير يستغرق فى السمع ويتخيل صور سينمائية لما يسمعه !!! كانت الاصوات تتشكل امام عينيه على هيئة صور متحركة .... كل هذه الجماليات كان يختزلها الصغير بحسه الفطرى ثم مثلت فيما بعد احد اهم المنابع الذى استمد منها فيما بعد جماليات شريط الصوت فى افلامه التسجيلية والتى يمثل كل منها تجربة مستقلة ومتميزة !!! ... ولان معايشة دخول الراديو مصر من تجارب الطفولة المؤثرة لدى سمير عوف ... فقد حولها فيما بعد الى فكرة فيلم طويل يحمل اسم ( أيام الراديو ) يحكى فيه عالم طفل صغير شكل الراديو وجدانه ... حيث يجلس الطفل بجوار الراديو ليستمع لبرامجه رافضا الذهاب الى المدرسة ... وفى يوم الاجازة المدرسية (الجمعة ) يستيقظ فى السادسة صباحا ليستمع الى الراديو ... فيجد قصة النبى موسى والخضر فيبدأ فى تخيلها وتحويلها الى صور ( الريادة هنا ليست للسينما الايرانية فى تجسيد صور الانبياء سينمائيا ..ولكن الريادة هنا وان كانت على استحياء لسمير عوف ... لانه معجون بماء الابداع والعبقرية ) ... هذه المشاهد الهامة هى التى شكلت طفولة سمير عوف ...وشكلت ايضا ابداعه الروائى والاخراجى الذى لم يرى النور بعد !!! فالذات هى التى تحرك سمير عوف فى كل سنى عمره وهى النواة التى تشكل الدوافع وهى الملاذ من وطأة ضربات وصعوبات الواقع !!! ...

لقد تثقف سمير عوف الشاب على يد ( حسن سليمان ) حيث دعاه حسن سليمان لحضور محاضرة عن ( الحلاج ) - وهو من الصوفيين الكبار فى تاريخ الصوفية فى الشرق ... هو الحسين بن منصور بن محمى الملقب بالحلاج يعتبر من أكثر الرجال الذين اختلف في أمرهم، فجماهير علماء السنة اجمعوا على تكفيره وتبديعه ورميه بالسحر والشعوذة ونسبه إلى مذهب القرامطة الإسلامية، وهناك من وافقوه وفسروا مفاهيمه. فلسفته التي عبّر عنها الحلاج بالممارسة لم ترضي الفقيه محمد بن داود قاضي بغداد، فقد رآها متعارضة مع تعاليم الإسلام حسب رؤيته لها، فرفع أمر الحلاج إلى القضاء طالباً محاكمته أمام الناس والفقهاء. فلقي مصرعه مصلوباُ بباب خراسان المطل على دجلة على يدي الوزير حامد ابن العباس، تنفيذاً لأمر الخليفة المقتدر في القرن الرابع الهجري......

وقد نشأ الحسين بواسط ثم دخل بغداد وتردد إلى مكة واعتكف بالحرم فترة طويلة وأظهر للناس تجلدًا وتصبرًا على مكاره النفوس من الجوع والتعرض للشمس والبرد على عادة متصوفة الزرادشتين، وكان قد دخلها وتعلم، وكان الحلاج في ابتداء أمره فيه تعبد وتأله وتصوف، كان الحلاج يظهر للغوغاء متلونًا لا يثبت على حال، إذ يرونه تارة بزي الفقراء والزهاد وتارة بزي الأغنياء والوزراء وتارة بزي الأجناد والعمال، وقد طاف البلدان ودخل المدن الكبيرة وانتقل من مكان لآخر داعيى إلى الله الحق على طريقته، فكان له أتباع في الهند وفي خراسان، وفي سركسان وفي بغداد وفي البصرة، وقد اتهمه مؤرخون السنة الذين لم يكن يفهمون بالتأثير الروحي ذو التاريخ العريق في الدين والفلسفة الزرادشتية، إنه كان مخدومًا من الجن والشياطين وله حيل مشهورة في خداع الناس ذكرها ابن الجوزي وغيره، وكانوا يرون ان الحلاج يتلون مع كل طائفة حتى يستميل قلوبهم، وهو مع كل قوم على مذهبهم، إن كانوا أهل سنة أو شيعة أو معتزلة أو صوفية أو حتى فساقًا، دون أن يفهموا النظرة الفلسفية للحلاج التي ترى جوهر الإنسان وليس ظاهر سلوكه.....التصوف عند الحلاج جهاد في سبيل إحقاق الحق، وليس مسلكاً فردياً بين المتصوف والخالق فقط. لقد طور الحلاج النظرة العامة إلى التصوف، فجعله جهاداً ضد الظلم والطغيان في النفس والمجتمع ونظراً لما لتلك الدعوة من تأثير على السلطة السياسية الحاكمة في حينه......

عن إبراهيم بن عمران النيلي أنه قال: « سمعت الحلاج يقول: النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة... فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين..... وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا ُقلت: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه»و لا يخفى ما بهذه الجملة من فلسفات وحدة الوجود التي ترى توحد الخالق بمخلوقاته - .....الحلاج اكتفى البعض بتكفيره بالاعتماد على ما قيل على لسانه من أقوال أو أشعار، بينما سعى البعض إلى تبرئته بالزعم بأن ما قيل على لسانه لا أساس له من الصحة وأنه كلام مدسوس عليه..... أما أتباعه من الكاكائيين فإنهم يقدسون أقواله ويؤكدون نسبتها إليه ولكنهم يقولون أن لها معان باطنة غير المعان الظاهرية، وأن هذه المعاني لا يفهمها سواهم......

 بينما جنح المستشرقون إلى تفسيرات أخرى وجعلوا منه بطلاً ثورياً شبيهاً بأساطير الغربيين... تلك المحاضرة التى دعى اليها سمير عوف كانت اللبنة الاولى والخطوة الاولى على درب الصوفية ... وهى الطريق التى سيسلكها سمير عوف بعد ذلك وعلى اثرها سيعتزل الحياة بحثا عن اجابة عن الاسئلة التى ارقته ووصولا الى يقين كان فى انتظاره ... يلاحظ ان سمير عوف المخرج السينمائى كان شديد الارتباط باساتذته الذين اثروا فى تكوينه لانهم كانوا من نوعية خاصة مثل ظظظك حسن سليمان ... وعلى الزرقانى ... وسعيد الشيخ ...وتوفيق صالح ...ويوسف شاهين ... سمير عوف لم يستطع قط ان يفصل بين الجانب الفنى والجانب الانسانى لأى فنان فهو يراهما دوما لاينفصلان ... ووجهة النظر هذه كانت سببا فى تحفظاته على ( يوسف شاهين ) الذى جمعه به اثناء الدراسة بالمعهد موقف صعب لاينسى : ( ففى احدى المحاضرات كان الطلبة يصنعون تكوين شكلى من السجائر ... وبعد ان انهى سمير عوف تكوينه ...بدأ يوسف شاهين فى وضع السجائر داخل علبته ... فامسك سمير عوف باحد السجائر واستأذنه ليأخذها ... لكن يوسف شاهين جذبها من يده قائلا : لا.... خللى امك تجيبلك سجاير !! ...

 تسببت هذه الكلمة فى جرح كبير لسمير عوف ... ورغم ان يوسف شاهين من اوائل المخرجين الذين تأثر بهم الا ان الجرح كان عميق الاثر فى نفس سمير عوف ... وجعله اكثر اصرارا فى مشوار حياته على التمسك بالانسانيات !!!هذا الموقف وغيره كان السبب الرئيس فى ان يكون سمير عوف متمسكا وفخورا بصداقته للرجال البسطاء من الجنوبيين والنوبيين عندما بدأت اسفاره لجنوب مصر !! .. السينما بالنسبة لسمير عوف تبدأ كصورة او مجموعة صور تتحرك فى المخيلة نتيجة لمؤثر او دافع ما ... واحيانا نتيجة الاستلهام من فيض الذاكرة ... وبعد ذلك يكون علاقة بين هذه الصور ثم يمسك بتلابيب الموضوع ... ويجمع باقى كرة الخيط بعد ان عثر على طرقه ... وعندما نتتبع افلامه التسجيلية نجد المشكلة لدى سمير عوف كانت دوما هى ( الاحساس ) الذى يحركه ليبدأ فى العمل وليس مجرد العمل فى حد ذاته !!!

 السر لدى سمير عوف يكمن فى كيف يشعر الانسان بالوجود ... كيف يرتبط ويحب اشياءه ...وان الاحساس هو الاساس فى عملية الابداع السينمائى لانها تعبر عن ذوق ورؤية المبدع سمير عوف واسلوبه الفريد فى التعبير ... وخير دليل على صدق كلامى فيلمه : ( مسافر الى الشمال ... مسافر الى الجنوب ) ذلك الفيلم العبقرى الذى يناقش فكرة غاية فى الروعة والابداع من خلال مهندس يحمى مصر الحاضر (مهندس على قناة السويس اثناء حرب اكتوبر يحمى مصر عن طريق انشاء كبارى العبور ) .. ومهندس اخر يحمى مصر الماضى ( مهندس يحمى ماضى مصر الذى اغرقته المياة فى معابد فيلة ) فمكان الحدثين مختلفين تماما ولكن العمل البطولى واحد ( انقاذ مصر الماضى والحاضر بسواعد ابناء مصر ) المؤثرات الصوتية تخطف الاسماع واعطت لنا مساحة من الفكر موظفة بحرفية شديدة بيد فنان مبدع بحجم سمير عوف .. مبدع مليىء بالابداع حتى الثمالة ... مخرج مبدع فنان من الزمن الجميل ...زمن التضحية من اجل المبادىء مثل الحلاج ... من اجل كلمة صادقة يقولها المبدع الفنان ليعبر عن رأيه ... لا الشهرة والربح المادى !!!

فا الابداع عمل بارع وثمرة جهد عقلى بارز يتسم بالجدة والسبق والابتكار بعيدا عن الاعمال المألوفة ينتهى غالبا بتحقيق النفع لجمهور الناس ... ولذلك يتصف المبدع سمير عوف غالبا بالمغامرة فى ابداعه ... وخير مثال على ما يعانيه المبدع من جراء ابداعه قصة الرسام البريطانى (جون كين) التى تتشابه مع ما يعانيه سمير عوف من جراء ابداعه ... فالمبدع ينفق ربع عمره فى الابداع , وثلاثة ارباع عمره فى الدفاع عن ابداعه .. لقد ارسلت بريطانيا هذا الرسام الى الكويت ليسجل بريشته حرب الخليج , من خلال تسجيل بطولات القوات البريطانية وتسجيل الصور التى فاتت كاميرات التلفزة والاقمار الاصطناعية...والتى يكون فيها الرسام شاعرا مبدعا معبرا ... على ان يتم عرض هذه اللوحات بعد ذلك فى متحف الحرب البريطانى .. وهو تقليد سارت عليه بريطانيا منذ سنة 1916 .... ومن نافلة القول ان يعرف القارىء ان هذا الرسام يعتبر مبعوثا رسميا ...

والى الكويت ارسل الرسام البريطانى (جون كين) فى ظل ظروف قاسية جدا وخطيرة ... والقصف الجوى لاينقطع ليل نهار ...وكادت القنابل ان تقضى عليه ... ولكنه مثل القطط لها 7 ارواح .... ليعود الى بريطانيا بمئات اللوحات وعشرات الساعات من التسجيلات الصوتية والتليفزيونية .... ولكن ما كاد هذا الرسام ان يعرض لوحاته حتى انزعجت وزارة الدفاع البريطانية .... فهو لم يرسم الاعمال البطولية للقوات البريطانية وانما سجل مشاعر الخوف والفزع والاحباط والزهق والقرف التى سيطرت عليه هو ... فقد اضطرته ظروف الحرب ان يلجأ الى بيت كويتى متهدم ... وقد وجد فى احدى الغرف بقايا كل شىء ومخلفات القوات العراقية فقد حولوا ها البيت الى دورة مياه عمومية بها كل انواع القذارة والروائح الكريهة ... وسجل هذا الرسام المبدع كل ذلك !!! والاغرب من ذلك انه رسم لوحة كتب تحتها ( ميكى ماوس فى الجبهة) .... واللوحة عبارة عن بقايا سوبر ماركت وشظايا وضحايا ... وفى احدى السلال صواريخ مضادة للدبابات ... اما ميكى ماوس فقد جلس فى الكواليس .... وفى ذلك معنى ابداعى كبير اراد الرسام ايصاله من خلال ريشته الابداعيه ألا وهو : ان ميكى ماوس هو النموذج الامريكى الذى صال وجال كما يحلو له والحرب دائره ومشتعله .... فا ميكى ماوس الامريكى هو الذى ادار الحرب وهو الذى كسبها ... فالقوات الامريكية هى التى هدمت الكويت , والشركات الامريكية هى التى اعادت اعمارها .... وكأن الانجليز ليس لهم دور فى هذه الحرب !!!! فهى حرب امريكية من البداية وحتى النهاية !!! المشكلة فى تلك القصة تكمن فى ان هذا الرسام المبدع كان من المفترض ان يعرض لوحاته التى رسمها بريشته بالوانها ومعانيها ...

ولكنه سجل مشاعره هو فقط .... لقد عبر عن مشاعره بمنتهى الحرية ... اما الذى تريده وزارة الدفاع البريطانية فهو ليس فنا ابداعيا حرا ... انما تريد تسجيلا رسميا لوجهة نظر الوزارة من خلال تسجيل بطولات القوات البريطانية .... وقد رد الرسام المبدع جون كين قائلا : انه لم يرسم اللوحات لكى توضع فى مكاتب القادة العسكريين , فاذا كان هذا هو المطلوب فقد اختارت الدولة الشخص الخطأ , وانما هو رسم مايراه هو وما يشعر به هو , وما هو صادق وعميق .... ولم تعرف وزارة الدفاع البريطانية ما الذى يجب ان تفعله مع هذا الرسام ... ودارات مناقشات وحوارات فى ضرورة وجدوى ارسال رسام الى ارض المعركة ما دام لم يرسم ماتريده وزارة الدفاع البريطانية .... فهذا الرسام المبدع لم يتخلى عن حريته وصدقه لاى سبب من الاسباب حتى لو كانت خصومته ستكون مع وزارة الدفاع البريطانية التى ارسلته ... وبان المرج بعد ان ذاب الثلج .... وتوجب على وزارة الدفاع ان توافق على ما سوف يعرضه جون كين حتى ولو كان نقدا شديدا لوزارة الدفاع البريطانية ....ان المأزق الذى وقعت فيه وزارة الدفاع البريطانية لايمكن الخروج منه .....

 فهى التى اختارت الرسام وهى التى ارسلته وهى لا تجرؤ ان تقول له ماذا يرسم ولا كيف يرسم ...وقد حدث مالم تكن تتوقعه وزارة الدفاع البريطانية ... وسئل جون كين عن هذا الذى رسمه وان كان مطابقا لرغبات وزارة الدفاع , فاجاب : ( أنا ذهبت ورأيت ورسمت وعانيت وتعذبت واحسست وعبرت ... هذا بالضبط ما فعلت ... ولكن اذا كان لاى احد تصور اخر .... فليس هذا من شأنى .... واذا رأى أحد اننى بددت اموال الدولة ,فأنا على استعداد لاعادة المبالغ التى انفقتها الحكومة ... فأنا لا اقبل ثمنا لحريتى !!!!) .... ولم تجد وزارة الدفاع البريطانية ماتقوله ردا على تصريحات الرسام المبدع جون كين ... وكذلك فى وزارة الثقافة المصرية لايجدون ردا على ابداع سمير عوف سوى الحقد والحسد له على ابداعه ... وليس تكريمه تكريما يليق بهذا المبدع الكبير !!! ...عزيزى القارىء انظر كم يتعذب المبدع ويعانى , ولكن ذلك لايهم .. فالمهم هو ان المبدع سمير عوف بكامل حريته قد عبر عما يجول بخاطره وانتقد مجتمعه بحلوه ومره من خلال كاميرته السينمائية التسجيلية ولماذا قلت عن سمير عوف انه حلاج السينما التسجيلية المصرية ....... فهل فهمنا الدرس ؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز