د. عادل محمد عايش الاسطل
adelastal@yahoo.com
Blog Contributor since:
10 October 2011

كاتب من فلسطين
خان يونس - غزة

 More articles 


Arab Times Blogs
هنا القاهرة: في الذكرى الاحتفالية بمولد الإمام الحسين

منذ النشأة والشباب، كنت أسمع عما اعتاد عليه الناس في إقامة الطقوس الدينية المختلفة، والاحتفالات بالموالد النبوية وأهل البيت والأتباع، التي تعتمدها الطوائف الدينية الإسلامية المختلفة، وخاصة في القطر المصري الشقيق، التي كانت تركت أثاراً بارزةً، في الخيال الشخصي، من حيث القيمة الدينية والتراثية، من خلال الشهرة والدعاية على مر الزمن، وكنت في كل مرة، أرجو أن أعيش احتفالية واحدةً منها، أو أقف ولو على اليسير من أحداثها، بغية أهداف عدة، منها الدراية بالشيء والعلم به، وإشباع النفس المتطفلة، وتسجيل ذكرى، وعلى رأسها الثواب ما استطعت.

 وكنت في يوم جمعة سابقة، أن قصدت مسجد الإمام الحسين للصلاة فيه، ولعيادة الشيخ القدير "أحمد فرحات" فرّج الله كربته وختم الله له بالخير كله، حيث كان إماماً للمسجد، لعقود من الزمن، خاصةً خلال أداء شعائر صلاة الفجر. ولم أكن أعلم حينها بدقة، بأن ذكرى الإمام الحسين تأتي في هذه الأوقات، برغم أن خطيب المسجد، كان عرّج كثيراً على ذكر الإمام وعدد مناقبه وآثاره.

 وبمحض الصدفة، كنت عرفت أحد الأخوة المصريين، يعمل بالمحاماة، قد نزل من محافظة قنا بصعيد مصر، خصيصاً للمشاركة في إحياء هذه الذكرى" ذكرى مولد الإمام الحسين" رضي الله عنه. والتي كانت قد افتتحت شعبياً في السادس من مارس/آذار هذا الشهر، ورسمياً في الثالث عشر من الشهر نفسه، لتستمر حتى العشرين منه، أي حتى مساء الثلاثاء وصبيحة الأربعاء، بفعاليات الليلة الختامية، أو كما تُعرف "بالليلة الكبيرة" والتي تعتبر الاحتفالية الأشهر داخل القطر المصري، من داخل مسجد الحسين وما حوله.

 منذ البداية وباعتبارها فرصة، كنت عقدت العزم على مصاحبة الصديق، والنزول إلى الحدث، حيث كان اقترح علي ارتداء الجلابية القيناوية ولفّة الرأس العجيبة، حتى أصبحت - أنا شخصياً-  في صورةٍ، هي تماماً "كالخُرج على الكلب" أو هي أقرب.

 وعلى أمل تأدية صلاة العصر في المسجد الحسيني، نزلنا إلى حيث الشارع الأزهر المؤدي له، مشياً على الأقدام، حيث لا مكان يذكر لسير العربات، نظراُ لشدة ازدحام الناس على اختلافهم ومشاربهم، وما هي إلاّ خطوات قليلة، حتى انقطع الوصل مع الصديق، الذي غاب وسط الزحام، فجعلت أنظر يمنة ويسرة والأعلى والأسفل، ولم أهتدِ له على أثر، ولكني على أية حال، آثرت المسير على هدىً من الناس الآخرين، وكانت تبدو علامات الاحتفال شيئاً فشيئاً، وكلما اقتربت من عين المكان، ولما وصلت إلى بداية طرف من أطراف الساحة الحسينية، كان الازدحام قد بلغ أوجه، حتى لكأن الناظر إليه ليقطع بأن قاطنى مصر المحروسة، قد جُلبوا إلى المكان، طوعاً وكرها، الذي لا يمكن أن تسمع فيه نفسك، أو تنظر فيه إلى غيرك، لشدة الجلبة والصخب.

 وكانت على جانبي الأزقة والطرقات، والحنايا والساحات، قد مُدّت الموائد والأسواق، وصدحت الحناجر بأعلى الصوت لطلب العوائد والأرزاق، التي حفلت بكل ما تشتهي الأنفس وتنشرح لها القلوب والأفئدة، من حلوى ومكسرات، وثمرٍ وتمور، وألبسة ومصوغات، وحللٍ وأُخر مصبوغات، وتراثيات ومنمنمات، وخشُب مفروشة، وتحف منقوشة، وغطت المكان أدخنة مختلفة من الطيب والبخور، وانتشرت روائح ماء الورد والعطور، وتراءت زينة المكان، المسجد وما جاوره بالأكاليل والمصابيح الملونة، في حبائل لا تعد ولا تحصى، ويافطات المباركة والصلاة، وأسماء المبتهلين والدعاة، ومصاطب كثيرة مقامة قد بُولغ في زركشتها، ومحال للمشايخ وأصحاب الطرق الدينية المختلفة، قد اجتُهد في زخرفتها وبهرجتها، منها ما هي لأتباع الطريقة السادية الشعيبية الأحمدية، والرفاعية والإسماعيلية، والنقشبندية والجعفرية وغيرها مما لا أعلم، وتحلّق أتباعها على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، الأبيض والأسمر والمحلي ومختلف الأمم ما بين الطويل والقصير والأعوج والمستقيم، لاتهمهم السياسة ولا أمور الرياسة، تحلّقوا في حلقات متجاورة، هي بالعشرات والمئات، منها ما هو بدعة مُبتدعة، وما هي سنّة مُتبعة، ومنها ما هو للدين مجيب، وما هو غريب وعجيب، وما هو مشكوك فيه ومريب، حلقات مأكل ومشرب، وأرجيلةٍ ودخائن تتلقفها الأيادي من رجالٍ ونساء، وحلقات تلهو وتطرب، وأخرى تعلو بالمديح، وغيرها بالابتهال والدعاء الصريح، والابتهالات الجماعية والتواشيح بالكلية، وكنت لما شاهدت ذلك وزيادة في الرغبة التطفلية، وتأكيد البصمة النفسية، رأيت أن أتقدم أكثر داخل الجمع الجامع، برغم أنني لا أطيق الزحام بقدر ما أكره الظلمة، معتمداً ظهر زائر صنديد، ورجل عتل شديد، ورغم ذلك فقد وقعت الواقعة، وشعرت بيوم الصاخة، حيث لا ينفع الندم بعد العدم، ولا تنفع لو وياليت، بعد أن وجدت جسمي فجأة، قد طُبّق كورق البافرا، أو أقرب من ذلك، وأنفاسي قد انقطع منها الوصل، أو أوشكت على ذلك، وابيضت عيناي واسودت أجزائي بالكلية من رأسي حتى قدماي، حتى شعرت بأن أزفت الآزفة، واقترب الأجل، بالرغم من سماعي أشخاصاً ينادون بالإسعاف، لا أدري إن كان قد سقط غيري، وعلى أية حال فإن عربة إسعاف واحدة لي، لا تكفي بل عشرة إسعافات.

حتى يكون هناك أمل في العيش والحياة، وجاء في خاطري حينها ما حدث قبل يومين، حينما كنت عند الدكتور عماد جاد بمكتبه بمؤسسة الأهرام، كان اتصل به أحدهم، يطلب إليه النجدة، بشأن حوادث الاختناقات والإغماءات الكثيرة، التي حدثت ساعة التدافع الشديد بين الأقباط، لدى إلقائهم  نظرة الوداع على جثمان البابا شنودة الثالث، حيث تم إرسال أكثر من عشرة عربات مسعفة، على وجه السرعة. أما أنا وبقدرة قادر، فقد حال الموج وكنت من الناجين، عندما وجدت نفسي ملقىً بعيداً، لدى دورية من الشرطة المرورية التي كانت متواجدة في المكان، في كفالة أحد العساكر من فئة" الدفعة" ولكن لم أكن بالصورة كما دخلت أول مرة، بل كنت تماما،ً كما " التين تحت الراكبين" أو هو أقرب، فلا جلابية بقيت على حالها، ولا كوفية قيناوية في مكانها، ولا حذاء ولا غيره. فقلت اللهم سلّم اللهم سلّم، ولا صلاة صلّيت ولا غناءً غنّيت، وكان عزائي الوحيد، ودوائي الأوحد، أن لم يرنِ أحد من معارفي وأنا على هذه الحالة، وكان أفضل ما في الأمر، أنه "لا عين ترى ولا قلب يحزن" ثم إنني حين انتبهت لنفسي، قمت قفلت على عجلٍ ووجل عائداً، ولم ألتفت خلفي البتّة، وقطعت على نفسي، بأن "مسعود لن يعود". وأخذت موثقاً عليّ بأن أدع الاحتفالات لأهلها، وشأنها لأصحابها. وفي الصباح اتصل بي الرفيق، فيما إذا كنت أود الاستماع إلى المنشد "ياسين التهامي"، ومرافقة المسير إلى مقام "السيدة زينب"، فقلت كفاني ما كفاني عند أول درجة.

 وهذا لا ينفي بأي حال، جمال المشهد وروعته، الذي هو بمثابة قطعة مشاهدة جميلة، تعود بنا إلى الماضي العتيق







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز