ممدوح رزق
mamdouhrizk@yahoo.com
Blog Contributor since:
21 March 2012



Arab Times Blogs
ماريا نكوبولوس

هل هناك من يتذكرها حتى الآن ؟ .. ربما آخر ما كتب عنها هو خبر وفاتها الذي نشرته مجلة ( Truth ) الانجليزية في الثالث من يناير عام 1977 والذي جاء فيه أن الشابة اليونانية التي اشتهرت بقدرتها الخارقة على المشي بظهرها قد فارقت الحياة مبكرا عن عمر لم يتجاوز الثامنة عشر .. ذكرت المجلة أن الموهبة الغريبة لـ ( ماريا نكوبولوس ) قد ظهرت في طفولتها وتحديدا في سن السادسة ، وأنها اكتشفتها بالصدفة حينما أرسلتها أمها ذات مساء لشراء البقالة من أحد المحلات القريبة من المنزل .. في طريق عودتها خطر في ذهن الطفلة رغبة مفاجئة أن تجرب الرجوع إلى البيت بظهرها .. حينما نجحت في الوصول بهذه الطريقة دون أن تتعثر أو تصطدم بشيء ، ودون أن تنجح محاولات المارة في منعها من المشي هكذا خوفا عليها ؛ أعجبتها اللعبة ، وقررت أن تمارسها دائما .. لم يمض وقت طويل حتى لفتت ( ماريا ) انتباه أسرتها وعائلتها وجيرانها عندما تأكدوا بالفعل أن هذه البنت تستطيع المشي بظهرها دون أدنى مشكلة ، ودون مساعدة من أحد حتى في الأماكن الغريبة عنها التي لم تذهب إليها أبدا من قبل لدرجة أنها اشتهرت بلقب ( الفتاة ذات العينين الخلفيتين ) ..

 اقتبست المجلة بعض الفقرات التي جاءت في كتاب ( Virtue ) والذي أصدره الباحث الأمريكي ( روبرت جونسون ) عام 1975 عن دار نشر (Honesty ) ، وتناول فيه حياة ( ماريا نكوبولوس ) حيث جاء في الكتاب أن ( ماريا ) حينما بلغت الثامنة كانت شهرتها قد وصلت لجميع أنحاء اليونان خاصة بعد اكتشاف أن الطفلة الصغيرة تستطيع أيضا صعود السلالم ونزولها ، وكذلك عبور الطرق المزدحمة كما أن لديها القدرة على القفز والجري بسرعة كبيرة بظهرها .. كتب ( روبرت ) أن حالة ( ماريا ) كان من البديهي أن تثير شغف واهتمام العلماء والأطباء ، لكنهم فشلوا بعد كثير من الفحوصات والتجارب في الوصول لتفسير هذه الظاهرة حيث تأكدوا أنها بنت عادية ، ولديها تكوين عضلي وعصبي طبيعي جدا ليس فيه أي اختلاف عن بقية البشر .. تفسير ( ماريا ) نفسها لموهبتها لم يشبع فضول الآخرين أو يضع نهاية لانبهارهم لأن كل ما استطاعت أن تجيب به على الاستفهامات المتعلقة بكيفية قدرتها على التحكم وتوجيه جسدها هو أنها لا ترى شيئا بينما تسير بظهرها ، وإنما يعتمد نجاحها في التحرك بهذا الشكل على الاستجابة التلقائية لإحساسها الخاص .. ما زاد الأمر غرابة ، وأصاب المهتمين بحالتها بذهول أكبر هو فشلها التام في السير للأمام وهي مغمضة العينين ؛ حيث لم تنجح في تفادي الاصطدام بالأشياء التي تبعد عنها مسافة خطوتين فقط .. كانت كل ما تستطيعه هو السير بظهرها فقط ! .

يذكر ( روبرت جونسون ) أيضا في كتابه ، والذي أعيدت طباعته أكثر من مرة كما ترجم إلى عدة لغات ، ولاقى انتشارا واسعا في العالم أن ( ماريا ) ظلت رافضة تماما أي نوع من الاستغلال لموهبتها مهما كان الإغراء المادي حيث رفضت عروضً سينمائية لا حصر لها ، وكذلك دعايات وإعلانات تجارية حتى المقابلات الصحفية والتليفزيونية وضعت حدا لها حين بلغت الثانية عشر ، كما أنها امتنعت أيضا عن المشي بظهرها في الأماكن العامة أو في المناسبات التي تشهد حضور عدد كبير من الأشخاص أو يتاح فيها التصوير بأي شكل .. لكن ( روبرت ) يذكر أن ( ماريا ) وافقت على الظهور مرة واحدة فقط ، ودون أجر عام ( 1974 ) في أحد أفلام المخرج الإيطالي الشهير ( اليكساندرو سيموني ) وكان بعنوان ( Justice ) حيث اقتصر دورها على المشي الصامت بظهرها لثوان قليلة في مشهد النهاية الذي جمع بين النجمين الفرنسيين ( أندريه روبير ) و( إيزابيل برنار ) وهما عاريان وسط نافورة في ميدان عام ، ويتبادلان قذف أشلاء وعظام بشرية على بعضهما بفرح .. لكن المجلة تذكر أنه في عام ( 1975 ) أيضا سمحت ( ماريا ) لشركة ( Gut ) الألمانية باقتباس موهبتها في قصة فيلم كارتون من انتاجها وكان بعنوان ( Schönheit ) .. جسد الفيلم حياة الطفلة الصغيرة ( كارولين ) التي تعاني من الوحدة والاضطهاد الأسري والمجتمعي بسبب إصرارها المتواصل على تقمص شخصيات الحكايات الخيالية القديمة .. في أحد مشاهد الفيلم تتخيل الفتاة أنها تمشي بظهرها بينما عينيها مثبتتين بحزن على والديها وأخواتها وهم ينظرون إلى انسحابها من حياتهم بحسرة لتعبر وسط ضحكات وسخرية أهل المدينة حتى تصل في النهاية إلى عالم سحري يتيح لها أن تعيش في أمان داخل الأساطير التي تتمناها .

أشارت ( Truth ) كذلك إلى أنه في عام 1976 تعرضت ( ماريا ) لأزمة نفسية عنيفة بسبب نشر تسجيل صوتي منسوب لوالدها يفسر فيه لأصدقائه وهو في حالة سكر شديد موهبة ابنته ؛ حيث أرجعها إلى الوضع الجنسي الذي استخدمه في الليلة التي حملت فيها زوجته بـ ( ماريا ) .. قال أنه استطاع أن يضع قضيبه داخل أمها وهما واقفان وظهريهما متلاصقان تماما ، وحينما رد عليه أحد أصدقائه في التسجيل الصوتي متهكما بأن هذا الوضع مستحيل تشريحيا ؛ أجابه والد ( ماريا ) بأن العاملين الرئيسيين لإنجاحه هو طول القضيب وطاعته لصاحبه .

 جاء في خبر وفاتها أيضا أنه في مذكراته المنشورة عام 1973 كتب الناشط الياباني والعضو السابق بـ ( المنظمة العالمية للسلام والتنمية البشرية ) التابعة للأمم المتحدة ( شينجي ميزونوما ) أن ( ماريا نكوبولوس ) اختارتها المنظمة لتكون سفيرا لها عام 1969 حينما كانت في العاشرة من عمرها ، وأنها سافرت في جولة حول العالم لنشر الرسائل الخيرية للمنظمة .. ذكر ( شينجي ) أنها في زيارتها لمصر التقت ( ماريا ) بالرئيس ( جمال عبد الناصر ) ، وبالمستشار ( حسن الهضيبي ) المرشد العام للإخوان المسلمين ، وبالبابا ( كيرلس السادس ) بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، وأنها اصطحبتهم إلى طريق مصر اسكندرية الصحراوي في الرابعة فجرا وبسرية تامة ؛ ليجربوا معها المشي بظهورهم في العراء ، وأنهم كانوا سعداء جدا بهذه المحاولة رغم فشلهم فيها .. نفس الأمر ـ والحديث لا يزال لـ ( شينجي ) ـ كررته ( ماريا ) مع الرئيس الأمريكي ( نيكسون ) ، والسوفيتي ( بودجورني ) ، والفرنسي ( بومبيدو ) ، و( فيصل ) ملك السعودية ، وجميعهم أيضا فشلوا في المشي بظهورهم .

 ( أيريني سافالاس ) وهي الصديقة المقربة لـ ( ماريا ) ، وآخر من تحدثت معها قبل وفاتها بحسب المجلة الانجليزية ذكرت أن حديثهما الهاتفي اتسم بالمرح المعتاد ، وأن ( ماريا ) كانت في حالة طبيعية جدا ، ولم يصدر عنها ما يشير إلى معاناة أو ألم ، لكنها في نفس الوقت أشارت إلى أن ( ماريا ) أخبرتها دون مبرر واضح بأن الحياة كان من الممكن أن تكون جميلة حقا لو أتيحت لكل إنسان القدرة على التفحص الدائم للنقطة التي ينطلق منها تحركه داخل العالم ، وأن المشي بالظهر حينما يعتبر معجزة فهذا دليل على مدى بشاعة النوايا التي وقفت وراء الوجود البشري لأن الغيب لو كان يريد بنا خيرا لجعلنا جميعا قادرين على المشي بظهورنا .. بعد هذه الكلمات بساعة واحدة وجدت ( ماريا نكوبولوس ) ميتة في سريرها ، وبين يديها رسم لـ ( توم وجيري ) وهما يجريان بظهريهما نحو شارع ضبابي وينظران بفزع للأمام حيث مبتكرهما ( جوزيف باربيرا ) يجلس مبتسما .. بالطبع لم تكن هناك أي شبهة جنائية .

* * *

هوامش

 * روبرت جونسون ( 1971 ـ 2007 ) : موظف سابق بشركة ( جوجل ) ، كان يعيش حياة طبيعة مع زوجته وأطفاله بمدينة ( سياتل ) الأمريكية لكنه في عام 2003 وبشكل مفاجيء قدم استقالته من الشركة وهجر أسرته ، وأمضي بقية حياته متجولا بالترومبيت ليعزف الجاز في الشوارع .. توفي فوق أحد أرصفة ( وول ستريت ) بعد لحظات من عزفه ( We Have All the Time in the World ) لـ ( لويس أرمسترونج ) .

 * اليكساندرو سيموني ( 1933 ـ 1973 ) : مناضل ماركسي إيطالي قاده تطوره الفكري إلى تأسيس ديانة تدعو لعبادة الأدب البوليسي حيث كان يؤمن بأن جميع الحقائق الأساسية للكون تكمن داخل تاريخ هذا الأدب ، وأن الانشغال المتواصل بالبحث والتنقيب داخل هذا التاريخ سيكشف للإنسان حكمة الوجود ومن ثم يرشده إلى طريق الخلاص .

 * أندريه روبير ( 1913 ـ 1979 ) : شاعر فرنسي .. اشتهر بسرقة الملابس الداخلية للنساء وأحذيتهن وجواربهن وقبعاتهن .. قاد مظاهرات الفتشيين للمطالبة بحقوقهم أثناء قصف القوات الألمانية لباريس في الحرب العالمية الثانية .. قتله أحد أصدقائه بعد شجار عنيف فجره التنازع على أحد الكلوتات .

 * إيزابيل برنار ( 1899 ـ 1937 ) : عاهرة فرنسية كانت تشترط على كل زبون أن يضاجعها حصانها أثناء الممارسة معه .. توفيت متأثرة بجروحها وهي تحاول إنقاذ أحد زبائنها من الحصان .

 * شينجي ميزونوما ( 1975 ـ ... ) جني ياباني يرأس جماعة بحثية لدراسة تاريخ الدراما الإذاعية والتليفزيونية المصرية . * أيريني سافالاس ( 1979 ـ ... ) مطربة راب يونانية اعتنقت الإسلام بعد حصول نادي الزمالك في فبراير 2003 على لقب أفضل نادي في العالم وفق الاتحاد الدولي لتاريخ وإحصاءات كرة القدم







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز