حمدي السعيد سالم
h.s.saliem@gmail.com
Blog Contributor since:
04 September 2010

كاتب عربي من مصر
صحفى بجريدة الخبر العربية

 More articles 


Arab Times Blogs
فض اللجاج عن شخصية الحجاج

مشكلة المجتمعات العربية انها ترى ان علاج مساوئنا هى السعى بكل قوة لجعل الآخرين سيئين مثلنا بل ربما أسوأ ...وهذا هو العرف السائد فى كل المجتمعات العربية وايضا فى الادب العربى والثقافة والتاريخ وكل الفنون ... فنحن ندخل المعارك الحربية والتاريخية والثقافية ومعنا عقدنا النفسية ... لذلك اجد نفسى من اشد المؤمنين بأن : ( اطفاءك لمصابيح الآخرين ... ليس هو ما قد يجعل مصباحك انت مشتعلا ) ... كما ان هناك اشكالية اخرى تعترض العقل العربى بوجه عام الا وهى : ان العقل العربى اذا تجذرت فيه فكرة ما سوف يجذب كالمغناطيس الظروف الداعمة لتأكيد تلك الفكرة ويهمل ويصد الحالات التى تثبت العكس !!! ...

فالعقل قادر على تشوية صورة الواقع ليصبح ملائما ومطابقا لوجهات نظرنا فى الاشياء والاحداث والوقائع التاريخية !!!! ... وابلغ دليل على ذلك الحجاج بن يوسف الثقفى كان عقلية غريبة عن الطبيعة العربية، سبقت عصرها فى أمور الحكم والسياسة بمئات السنين ... فبدت الوسائل التي لجأ إليها فى سياسته كأنها وسائل شيطانية، لبعد تصرفاته عن عرف العرب وتقاليدهم....لهذا اطلقوا الحكم على الحجاج، بالقسوة والوحشية وعدم التدين !!! ...ويعد من الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ الإسلامي والعربي.... عُرف بـ (المبير) أي المبيد..الحجاج وصف بكل رزيلة، وجرد عن كل فضيلة، وأختلط صحيح أخباره بموضوعها، اختلاطا شديدا...

 ولد أبو محمد الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل بن الحكم الثقفي في منازل ثقيف بمدينة الطائف، في عام الجماعة 41هـ... وكان اسمه كليب ثم أبدله بالحجاج... وأمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي الصحابي الشهيد.....

نشأ في الطائف، وتعلم القرآن والحديث والفصاحة، ثم عمل في مطلع شبابه معلم صبيان مع أبيه، يعلم الفتية القرآن والحديث، ويفقههم في الدين، لكنه لم يكن راضياً بعمله هذا، على الرغم من تأثيره الكبير عليه، فقد اشتهر بتعظيمه للقرآن.... وسبب عدم رضاه ان العرب كانت تحتقر المعلم، لأنهم كانوا يحتقرون الصناعات والتعليم من جملتها، فلا يعتبرون المشتغل به إلا المستضعف، الذى ليست له عصبية....وهو ليس بعيب أو نقص فى وظيفة المعلم بالقطع، وإنما هو الخلط والعرف فى العقلية العربية التي كانت سائدة....والمعلمون أصبحوا لاحقا، خلصاء الملوك والأمراء وأصفيائهم وندمائهم، وبالطبع معلموهم، هم وذريتهم...

قد تختلف الأسباب التي دفعت الحجاج إلى اختيار الشام مكاناً ليبدأ طموحه السياسي منه رغم بعد المسافة بينها وبين الطائف، وقرب مكة إليه، لكن يُعتقد أن السبب الأكبر كراهته لولاية عبد الله بن الزبير... في الشام، التحق بشرطة الإمارة التي كانت تعاني من مشاكل جمة، منها سوء التنظيم، واستخفاف أفراد الشرطة بالنظام، وقلة المجندين. فأبدى حماسة وانضباطاً، وسارع إلى تنبيه أولياء الأمر لكل خطأ أو خلل، وأخذ نفسه بالشدة، فقربه روح بن زنباع قائد الشرطة إليه، ورفع مكانته، ورقاه فوق أصحابه، فأخذهم بالشدة، وعاقبهم لأدنى خلل، فضبطهم، وسير أمورهم بالطاعة المطلقة لولاة الأمر...رأى فيه روح بن زنباع العزيمة والقوة الماضية، فقدمه إلى الخليفة عبد الملك بن مروان، وكان داهية مقداماً، جمع الدولة الأموية وحماها من السقوط، فأسسها من جديد..... إذ أن الشرطة كانت في حالة سيئة، وقد استهون جند الإمارة عملهم فتهاونوا، فأهم أمرهم عبد الملك بن مروان، وعندها أشار عليه روح بن زنباع بتعيين الحجاج عليهم... فلما عينه، أسرف في عقوبة المخالفين، وضبط أمور الشرطة، فما عاد منهم تراخ، ولا لهو.....

إلا جماعة روح بن زنباع، فجاء الحجاج يوماً على رؤوسهم وهم يأكلون، فنهاهم عن ذلك في عملهم، لكنهم لم ينتهوا، ودعوه معهم إلى طعامهم، فأمر بهم، فحبسوا، وأحرقت سرادقهم..... فشكاه روح بن زنباع إلى الخليفة، فدعا الحجاج وسأله عما حمله على فعله هذا، فقال إنما أنت من فعل يا أمير المؤمنين، فأنا يدك وسوطك، وأشار عليه بتعويض روح بن زنباع دون كسر أمره... وكان عبد الملك بن مروان قد قرر تسيير الجيوش لمحاربة الخارجين على الدولة، فضم الحجاج إلى الجيش الذي قاده بنفسه لحرب مصعب بن الزبير...ولم يكن أهل الشام يخرجون في الجيوش، فطلب الحجاج من الخليفة أن يسلطه عليهم، ففعل.....

 فأعلن الحجاج أن أيما رجل قدر على حمل السلاح ولم يخرج معه، أمهله ثلاثاً، ثم قتله، وأحرق داره، وانتهب ماله، ثم طاف بالبيوت باحثاًً عن المتخلفين..... وبدأ الحجاج بقتل أحد المعترضين عليه، فأطاع الجميع، وخرجوا معه...الناظر فى سياسته بحياد وتجرد، يجده سائسا لا يُخدع، ومقداما لا تشق عصاه، وخصما يدين له الأعداء بالتسليم والإذعان، وإداريا حازما، ورعا زاهدا، من أعظم المصلحين، ولمن لا يثق بسالف الكلام، عليه أن يتحرى قادمه برفق.... في 73هـ قرر عبد الملك بن مروان التخلص من عبد الله بن الزبير، فجهز جيشاً ضخماً لمنازلة ابن الزبير في مكة، وأمر عليه الحجاج بن يوسف، فخرج بجيشه إلى الطائف، وانتظر الخليفة ليزوده بمزيد من الجيوش، فتوالت الجيوش إليه حتى تقوى تماماً، فسار إلى مكة وحاصر ابن الزبير فيها، وهنا يزعم البعض بأن الحجاج قد ضرب الكعبة بالمنجنيق حتى هدمها، وعلى هذه الفرية رد شيخ الإسلام، فيقول في الجواب الصحيح (5|264): «والحجاج بن يوسف كان معظما للكعبة لم يرمها بمنجنيق»..... ويقول في الرد على المنطقيين (1|502): «والحجاج بن يوسف لم يكن عدوا لها ولا أراد هدمها ولا أذاها بوجه من الوجوه ولا رماها بمنجنيق أصلا»......

 أما حكاية المنجنيق فبها شك من أصلها.... فالحجاج قد تقدم جيشه واحتل الأخشبين (جبل أبي قبيس الذي عليه القصر الملكي اليوم، وجبل قعيقان).....وهما مطلان على المسجد الحرام من المشرق والمغرب وقريبين إليه جداً..... فما الحاجة للمنجنيق؟ والمسجد الحرام من طابق واحد غير مرتفع، ومن السهل بمكان على جيش من آلاف أن يعلوه ويدخله، وهو ليس مبني أصلاً ليكون حصناً...... وهدمه لا يحتاج أكثر من بضعة أيام..... فلم طال الحصار إلى عدة شهور؟ وإن دل هذا على شيء، فيدل على حرص الحجاج على الكعبة المشرفة...لقد أعلن الحجاج الأمان لمن سلم من أصحاب ابن الزبير، وأمنه هو نفسه، غير أن عبد الله بن الزبير لم يقبل أمان الحجاج، وقاتل رغم تفرق أصحابه عنه الذين طمعوا في أمان الحجاج فقتل ... يجب ان يعلم القارىء ان بخل ابن الزبير الذى باعد عنه أصحابه وأنصاره، فقد كان ابن الزبير ابخل من يكفى أصحابه شر العوز فى الوقت الذى كانت خزائنه مملوءة بالأقوات، وكان يقول فى هذا: " إن أنفس أصحابى قوية، ما لم يفن هذا " .... فى نفس الوقت الذى كان يستنصر فيه الحجاج الخليفة عبد الملك بالمال فيغدق به على جنده..... وكان لابن الزبير اثنتان وسبعون سنة، وولايته تنوف عن ثماني سنين، وللحجاج اثنتان وثلاثون سنة.....وبعد نصره على الزبير، ولما كانت مكة قفرة من الأنهار، وكان الاعتماد فى الشرب والرى على الآبار، حفر الحجاج بئر الياقوتة بمنى وأحكمها، وعمل سدا على جبل المزدلفة على يسار الذاهب إلى منى لحبس المياه على وادى مكة وجعل مفيضه فى سدرة خالد، وأعاد الكعبة إلى ما كانت عليه فى زمن النبى.....

 لقد تولى الحجاج الأمور فى دولة بنى أمية، فى عصر يموج بالثورات والاضطرابات، فأخمد فتنة ابن الزبير، التي كادت أن تأتى على الخلافة وأعاد الجماعة السياسية فى الدولة مرة ثانية....بعد أن انتصر الحجاج في حربه، أقره عبد الملك بن مروان على ولاية مكة وأهل مكة.....وكان وإياهم وأهل المدينة على خلاف كبير، في 75 هـ عبد الملك بن مروان، وخطب على منبر النبي، فعزل الحجاج عن الحجاز لكثرة الشكايات فيه، وأقره على العراق....فتولى شئون العراق، والعراق يشق عصا الطاعة، ويأبى أن يساهم مع المهلب بن أبى صفرة فى حرب الخوارج، فكان من الضرورى، أن يظهر لأهله بمظهر خشن، وأن يعاملهم تلك المعاملة الحازمة، التي وصفت بالقسوة، فأدب العصاة، وأذل العتاة، ووطد أمور الدولة، ونشر الأمن، وبغير ذلك لا ينجح الساسة....فبمجرد وصول الحجاج للكوفة دخل المسجد خاطبا فيهم خطبته الشهيرة :" يا أهل الكوفة إنى لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإنى لصاحبها، وكأنى أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى "....ثم شرح لهم خطورة الموقف، وأنه لا تنفع فيه سياسة اللين، وأن تصرفهم مع المهلب وتركه فى الميدان والتخلف عن الجهاد معصية....

حيث أنتهزوا فرصة موت الوالى بشر بن مروان، وعادوا إلى بيوتهم بغير إذن، تاركين قائدهم المهلب بـ " رامهرمز " فى ميدان القتال مع الخوارج.... فحرم عليهم الاجتماعات، كى لا تخل بالنظام وتكون سببا للثورات، كما يحدث فى العصر الحديث، خاصة فى الظروف العصيبة، وقد سبق الحجاج فى هذا نظم العصر الحديث... كما حرم عليهم التقول والإشاعات المغرضة، التي من شأنها أن تخلق الفوضى، وتفت فى عضد الجيش المحارب، وبذلك قضى على الطابور الخامس فيهم...وبين لهم الحكمة من هذه الشدة فى المعاملة، وهى أنه لو ترك العصاة، ما جيء فيء ولا قوتل عدو ولتعطلت الثغور....وأعلن أنه سيعطيهم أعطياتهم ويوجههم لمحاربة العدو، وأن من تخلف بعد أخذ عطاءه بثلاثة أيام، سفك دمه ونهب ماله وهدم بيته....وهى العقوبة التي سبق بها الحجاج العصر الحديث، حيث جعل جزاء الفار من ميدان القتال، الإعدام....

وقد بدت تلك الوسائل التي لجأ إليها الحجاج، غريبة فى نظر المسلمين فى ذلك الوقت، إذ كانت عقوبة المتخلف عن القتال فى عهد عمر وعثمان وعلى، هى خلع عمامته والتشهير به بين الناس، وفى عهد مصعب ابن الزبير صارت بحلق الرؤوس واللحى، ثم تطورت فى عهد بشر بن مروان إلى تسمير اليدين فى الحائط....ولما طلب منه عمير بن ضابىء الحنظلى التميمى وهو أحد أشراف الكوفة، أن يأخذ أبنه للقتال بدلا منه، وافق ثم ساله عن كنيته، فلما عرفه، وأنه من غزا عثمان، أمر بضرب عنقه، وقال فيه: " إنى لأحسب فى قتلك صلاح المصرين" يقصد الكوفة والبصرة...فلما فعل، لم يتخلف أحد من أهل الكوفة بعد ذلك عن القتال، فكانوا يذهبون ويرسلوا لذويهم فى طلب ما ينقصهم، حتى أنهم كانوا يتزاحمون على القنطرة الموصلة بين الكوفة ورامهرمز، فيسقط بعضهم فى النهر، فأمر الحجاج بإنشاء قنطرتين أخريين.... إصلاحات الحجاج وأياديه البيضاء رائدة فى تاريخ الدولة الإسلامية، ربما لا يعرفها الكثيرون، فقد بلغ من حرصه على أن يظل القرآن بمنجاة عن إن يتطرق إلى رسمه تحريف أو أن يلابس تلاوته لحن، أن أمر بمراجعة القرآن ونقط كلماته وشكله وتجزئته، ثم كتابة عدة مصاحف منه وإرسالها إلى الأمصار حتى لا يختلف الناس......

وكان سبب ذلك أن المصحف الذى كتبه الخليفة عثمان فى سنة ثلاثين من الهجرة كان غير مشكول ولا منقوط....وهنا طالت الحجاج فريه وتهمة عظيمة الا وهى تحريف القرآن و ما غيره الحجاج في قرآن عثمان..و قد تحدث عن هذا الموضوع الامام السجستاني(أبي بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني الحنبلي) المعروف بابن أبي داود 230_316 هجري في كتابه الشهير (المصاحف) باب (ماغير الحجاج في مصحف عثمان) ,و قد جاء فيه:ان الحجاج بن يوسف غير في مصحف عثمان أحد عشر حرفا : ( 1 ) كانت في البقرة (لم يتسن و انظر) فغيرها (لم يتسنه) بالهاء.... ( 2 ) و كانت في المائدة (شريعة و منهاجا) فغيره (شرعة و منهاجا)...... ( 3 ) و كانت في يونس (هو الذي ينشركم),فغيره (يسيركم)..... ( 4 ) و كانت في يوسف (انا آتيكم بتأويله) فغيرها (أنا أنبئكم بتأويله).... ( 5 ) وكانت في المؤمنين (سيقولون لله لله) ثلاثتهن ,فجعل الأخريين (الله الله ).... ( 6 ) و كانت في الشعراء في قصة نوح (من المخرجين),وفي قصة لوط (من المرجومين)....فغير قصة نوح (من المرجومين) ,وقصة لوط من (المخرجين).... ( 7 ) و كانت في الزخرف (نحن قسمنا بينهم معايشهم) فغيرها (معيشتهم)..... ( 8 ) و كانت في الذين كفروا(من ماء غير يسن) فغيرها(من ماء غير اسن).... ( 9 ) و كانت في الحديد(فالذين آمنوا منكم و اتقوا) فغيرها (منكم وانفقوا)..... ( 10 ) و كان في اذا الشمس كورت (وما هو على الغيب بظنين) فغيرها (بضنين).... وأيضا جاء في الكتاب ما يلي : (و الحجاج الذي غير و بدل كان يتقرب الى بني أمية ولا يجوز ائتمانه على هذا العمل ,فزاد و أنقص حسب هواه و حسب هوى و مشيئة الخليفة الأموي )و كذلك ماقاله علماء الجرح والتعديل أن السجستاني موثوق الكلام.... ولما دخل فى الإسلام غير العرب من الفرس وغيرهم، خاف على القرآن أن لا تحفظه الألسنة من اللحن، ويكثر التصحيف والتحريف فى قراءته، فصمم على وضع حل نهائى لتلك الاختلافات، فطلب من كتابه أن يضعوا علامات للحروف المتشابهة، فكان نقط الحروف وتشكيل أولها وأوسطها وآخرها، وجمع القراء والحفاظ والكتاب، وطلب منهم أن يحسبوا عدد حروفه، وأن يحددوا نصفه وثلثه وربعه وعشره، فقاموا بهذا العمل فى أربعة أشهر..

وكان الحجاج لما ولى العراق صاحب الفضل الاول فى تعريب الدواوين، فاستكتب زادان فروخ بن بيرى الفارسى، وصالح بن عبد الرحمن – مولى بنى تميم – الذى أحبه الحجاج وقربه إليه، فقد حول شطرا من الحساب من الفارسية إلى العربية، وبعد موت زادان، استكتب الحجاج صالحا مكانه، وعزم على أن يجعل الديوان بالعربية، وعهد بهذا العمل إلى صالح، حتى أن صالح لما نجح في ذلك، قال له مردانشاه بن زادان " قطع الله أصلك، كما قطعت أصل الفارسية " .... وقد آلم ذلك الأمر الفرس وكبر عليهم، فبذلوا لصالح مائة ألف درهم، ليظهر عجزه عن نقل الديوان، فأبى ونقله ، وقد تخرج على يدين ذلك الصالح العظيم، كثير من الكتاب، قال منهم عبد الحميد الكاتب " لله در صالح، ما أعظم منته على الكتاب "...

فقد كان الحجاج أول من عمل على ترجمة دواوين سائر بلاد العراق، وذلك أنه كانت بالكوفة والبصرة ديوانان، أحدهما بالعربية لإحصاء الناس وأعطياتهم، وهذا الذى كان قد وضعه الخليفة عمر، والآخر لوجوه الأموال وكان بالفارسية، واستمر ذلك إلى عهد عبد الملك بن مروان....مما ساعد على ظهور طبقة من الكتاب العرب، ونقل كثير من الاصطلاحات الفارسية، وكان ذلك من أهم الأسس التي أقيم عليها بناء القومية العربية فى الممالك الإسلامية، كما قطع بذلك آخر مظهر من مظاهر الأعاجم، فأصبحت البلاد عربية بأوضاعها وسكانها.... الحجاج سبق عصره فى طريقة تفكيره وحسن تدبيره فقد كان مجتهدا , مبتكرا...عندما عرف أن الدولة لا تقوم لها قائمة إلا إذا ساد الرخاء أرجائها...لذلك عنى الحجاج بإحياء موات الأرض، بشق القنوات وحفر الأنهار وإصلاح الأرض البور وتجفيف المستنقعات واستخرج منها أراضى صلحت للزراعة فحصلت له أراض كثيرة، وحفر النهرين المسميين بالسيبين، وعمرت تلك الأرض، وذهب إليها أناس كثيرون لزراعتها عندما توفرت المياه العذبة.... الى جانب الإكثار من الثروة الحيوانية بل وتحريم ذبح البقر للحفاظ على النسل وتنمية تلك الثروة من لحوم وألبان ومستخرجاتها، فضلا عن أثر الحيوان فى العمل فى المزارع وتسميدها....وهال الحجاج انصراف الناس عن الزراعة بالهجرة إلى المدن حيث تكثر البطالة وما يستتبعها من جرائم، فضلا عما يترتب على ذلك من بوار الأرض وما يتلوه من نقصان الخراج، فأمر بإرجاع هؤلاء المهاجرين إلى قراهم، وأشتد فى ذلك فأمر بأن يكتب على يد كل واحد منهم أسم قريته حتى لا يبرحها إلى غيرها....كما شيد الحجاج صهريجا للمياه فى البصرة، عرف باسمه، ليشرب الناس منه، وذلك فى القرن الأول الهجرى، قبل حديث العلماء والاطباء فى العصر الحديث عن مشاريع المياه الصالحة للشرب بقرون.... ما ذكرته عن اعمال الحجاج العظيمة والرائعة التى سبقت الساسة واهل الصلاح يعتبر غيض من فيض او نقطة فى بحر هذا الرجل الذى افترى عليه وظلم تاريخيا !!!...

من وجهة نظرى الحجاج كان ضحية سمعته العامة المتواترة من بطش وقسوة.... الى جانب ان كتبة التأريخ الاسلامى طمسوا معالم إصلاحاته، ما لو دون لكان منارة لرجال الإصلاح فى العصور المتأخرة.... ومع هذا القليل الذى أورده المؤرخون، فإن الحجاج لم يفلت من نقدهم....فيرى المؤرخون أن تلك المجهودات والإصلاحات لم ترجع إلى العراق رخاءه القديم، وأن حالة العراق بعد موته كانت من أسوأ الحالات....وحسب الحجاج، بما واجه من مصاعب، وأخضع من فتن، وأجرى من إصلاحات، أنه خلص الخلافة من الفتن التي كانت تواجهها فى العراق، وكادت تودي بها، لولا همة الحجاج ويقظته...ولما أوصى الخليفة عبدالملك به أبنه الوليد، ولما أستحق هو وزياد الثقفى، أن يحسد العباسيون الأمويون عليهما، فقد قال أبو جعفر المنصور، أشهر وأقوى الخلفاء العباسيين: " الخلفاء ثلاثة؛ معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه الحجاج، وأنا ولا كافى لى ".....ولمزيد بحث اقرأوا كتاب الدكتورمحمود زيادة عن الحجاج بن يوسف الثقفي ....

 كان للحجاج الكثير من المواقف والحكم، والحكايات الشهيرة، والأقوال الفصيحة، والرسائل، والخطب، والتوقيعات، وله مجموعة أشعار متفرقة.... فقصص الحجاج وأخباره كثيرة جداً، وموجودة في كتب التاريخ، مما يدل على عظم نفوذه، ولا زالت أقواله باقية إلى اليوم، ومذهبه في الحكم باق إلى اليوم..... وقيلت فيه الكثير من الأبيات بعد موته، والتي تذمه، كما قيل في حياته....كما دخل الحجاج في القصص الشعبي من قبل الشعوبيين ، والمخيلة الشعبية، فظهر جشعاً طماعاً خاطف نساء في حكايات ألف ليلة وليلة، كما صورته المخيلة الشعبية بصور بشعة التي كانت تكتب من قبل الشعوبيين تلك الفترة وتسلط عليهم الحجاج لبدعهم وتحريفهم في الدين الإسلامي....لقد كان الحجاج بن يوسف بليغاً فصيحاً، محباً للشعر كثير الاستشهاد به، مُعظماً للقرآن وآياته، كريماً، شجاعاً، وله مقحمات عظام وأخبار مهولة.... العلاقة بين الحجاج وأهل العراق هي من أكثر العلاقات تعقيداً وطرافة، ومن أكثرها ترويعاً في التاريخ الإسلامي، فالحجاج وُلي على العراق كارهاً لأهلها، وهُم له كارهون، واستمرت العلاقة بينهم كزواج كاثوليكي بالإجبار، لا يجوز فيه الطلاق، ولا أمل للفكاك منه إلا بموت أحد الزوجين....

كان الحجاج دائم السب لأهل العراق في خطبه، فكثيرة خطبه التي يذكر فيها أهل العراق بشكل سيئ، والتي يرى فيها العراقيون إساءة إلى اليوم....فدائماً كان يذكرهم:"يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق...." إلى آخر خطبه، والتي يمعن فيها في ذكر صفاتهم:"فإنكم قد اضجعتم في مراقد الضلالة..."، وغير ذلك من الخطب الكثيرة فيهم، كراهة منه لهم...ومن ذلك أنه لما أراد الحج استخلف ابنه محمد عليهم، وخطب فيهم أنه أوصى ولده بهم بغير وصية الرسول في الأنصار، أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، فقد أوصاه ألا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم، وقال لهم: أعلم أنكم تقولون مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا خوفكم لي، لا أحسن الله لك الصحابة، وأرد عليكم: لا أحسن الله عليكم الخلافة....وأنهم شمتوا به يوم فُجع بولده محمد، وأخيه محمد في نفس اليوم، فخطب فيهم متوعداً إياهم...ومن ذلك أنه مرض فشاع بين الناس موته، فخرج أهل العراق محتفلين بموته، غير أنه قام من مرضه ليخطب فيهم خطبة قال فيها: "وهل أرجو الخير كله إلا بعد الموت"...

أما أهل الشام فكانوا أكثر الناس محبة للحجاج، وأكثرهم نصرة له، وبكاء عليه بعد مماته، وقيل أنهم كانوا يقفون على قبره فيقولون رحم الله أبا محمد. وكان الحجاج محباً لهم، دائم الإشادة بخصالهم، والرفع من مكانتهم، وكان كثير الاستنصار بهم، ومعظم جيشه كان منهم، وكان رفيقاً بهم.... الحجاج لمن لايعرف هو الذى بنى مدينة واسط.... وسير الفتوح لفتح المشرق، وأمر بتنقيط المصحف، وخطط الدولة، وحفظ أركان الدولة قامعاً كل الفتن....غير أن الحجاج خلف أيضاً ميراثاً من سفك الدماء لم يسبق له مثيل....كما خلف في قلوب الناس، حتى الأمويين، كرهاً له وحقداً عليه لأفعاله، ومنها حرب ابن الزبير وقتله إياه في مكة، وما فعله في وقعة دير الجماجم....وحقد عليه الخوارج لعظيم فعله بهم، والشيعة لعدم احترامه آل البيت، وقالوا فيه الكثير حتى لبسوا سيرته بالخوارق، والأمور المغلوطة، وأمعنوا في تقبيحه، والنيل منه، حتى لقد صوروه شيطاناً وهنا بيت القصيد ومكمن الداء .... لكن مما لاشك فيه بقاء ميراث الحجاج حياً إلى الآن، فلا يزال موضع حرب وتطاحن بين المختلفين، ولا تزال الأخبار المختلقة تخالط سيرته، ولا زال يُلعن، ويُسب....ويراه الباحثون المنصفون في التاريخ السياسي مصباحا او شمعه اراد كارهيه ومبغضيه ان يطفئوا مصباحه ليجعلوا مصابيحهم مشتعلة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز