د. عمر ظاهر
omardhahir@yahoo.dk
Blog Contributor since:
22 October 2011

كاتب واستاذ جامعي من العراق مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
في تبرئة الأديان وإدانة الرجل

حين نتحدث في المعتقدات علينا كمنهج عقلي أن نفصل بين التحدث بشأن الخالق، والتحدث عن الأديان، والتحدث عن أتباع الأديان وسلوكاتهم. الحديث عن الخالق لا يجوز لنا أن نتبسط فيه، فوجودنا ووجود الوجود كله أمر يمكن أن نقاربه بطريقتين، إما أن نسلم كلّ بما يقوله له دينه عنه، ونحترم ما يقوله دين الآخرين لهم عنه، أو أن ننازل بعضنا بعضاً متسلحين بكل ما راكمته البشرية من علوم ومعرفة ونتعهد بأن نكون موضوعيين متحررين مما تقوله أدياننا، وأن نقر سلفاً بأننا لم نؤتَ من العلم إلا قليلاً، وأن العلم الذي نحتاجه لإدراك الحقيقة المطلقة لا نهائي. ولو اخترنا المنهج الأخير فإننا قد يمكن أن نقترب من الإجابة على أسئلة حول الخالق الذي هو غفور رحيم وشديد العقاب في الوقت نفسه، والذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومع هذا يقول إن ما يصيبنا من خير يأتي منه هو، وما يصيبنا من شر فهو من أنفسنا، إلخ. أقول نقترب من الإجابة، وليس نصل إليها. وأية مقاربة غير ذلك، مثلاً الاستهزاء بمعتقدات الآخرين والتعرض لمقدساتهم، ليس إلا سفاهة وضحالة ودليلاً على انعدام الجدية وانعدام الاحترام للذات أيضاً. أليس سفاهة أن يتجاوز أحد على المسيح أو على محمد، وثلث سكان الأرض يقدسون كلاً منهما ويعتبرونه مثلهم الأعلى؟

أنا شخصياً أميل إلى الحل الأول، وأمارسه في حياتي، فلا أجد غضاضة في الاستماع بكل احترام إلى المسلم وربه الذي ليس كمثله شيء، وإلى المسيحي الذي يجمع ربُه بين كونه بشراً وبين كينونة الألوهية، وإلى البوذي وهو يحدثني عن النيرفانا والتلاشي، وإلى المسلم الصوفي وإيمانه بوحدة الوجود، وإلى الملحد وهو يتفلسف طالما هو معافى ثم ينقلب مؤمناً ساعة يصيبه مرض. إن هذا التنوع في الفكر والمعتقدات هو من أبدع ما أبدعه موجد هذا الوجود، سمّه ما شئت. أنا أسميه الله، ولا يهمني أصل الكلمة، فقلبي يطمئن بذكره وحسب.

أما الأديان وتاريخها وما تشمله، إضافة إلى تصورها عن الخالق، من قيم وقوانين ووصايا وطقوس وممارسات وتفسيرات وتقييدات وتصورات عن الحياة والموت والحلال والحرام والمقدس، وغير ذلك، فيقرّ الباحثون فيها الآن بحقيقة مهمة حولها، ألا وهي أن ليس هناك وجود موضوعي لأي دين، فالدين – وأنا هنا أتحدث عن الإسلام والمسيحية، عبارة عن مجموعة أفكار موجودة بصيغة لغوية في كتاب مقدس. وهذه الأفكار، لكونها موجودة في صيغة لغوية تخضع بمجرد قراءتها لعملية تفسير لا بد منها ولا بد من اختلافها من شخص إلى آخر. والنتيجة تكون أن دين كل منا هي مجموعة من التصورات والتفسيرات موجودة في رؤوسنا وتختلف من شخص إلى آخر حسب التفسير، فالمسيحية التي يدين بها حوالي ملياري إنسان في العالم توجد منها حوالي ملياري نسخة لا تتطابق أي منها مع غيرها تطابقاً تاماً، ولا تتطابق أي منها مع ما هو موجود بصيغة لغوية في الكتاب المقدس. والأمر نفسه ينطبق على الإسلام، ففهمي أنا للإسلام ليس مختلفاً عن فهم شيخ منافق مثل يوسف القرضاوي فقط، بل هو مختلف حتى عن فهم أبي له، فكل واحد من المليار ونصف المليار مسلم في العالم له نسخته الخاصة من الإسلام.

 وهذا لا يخص التفاصيل وحدها، بل حتى الأشياء الرئيسية في الدين الواحد، فمفهومنا عن علاقتنا بالله يختلف، فأنت، أخي القارئ، لا تصدق بالتأكيد أن الله يعطي بأي شكل من الأشكال أي شيخ أو قس حقاً أو تفويضاً بإصدار فتاوى القتل بحق المسيحيين أو المسلمين، السنة أو الشيعة، أو غيرهم، ولا تصدق أن الله يدخل الجنة كلباً مسعوراً مثل عدنان العرعور لأنه يعطي فتاوى بفرم لحوم البشر ورميها للكلاب. وأنا متفق معك في هذا تماماً، لكنك قد تختلف معي في مسألة أن الله سيلقي بنا في النار إذا سهونا عن صلاتنا، أو أنه لن يتقبل من الإنسان أي عمل حسن، طالما أن هذا الإنسان لم يجبر عقله على الإيمان به أو على الدخول في دين معيّن! ألا يقول الله في كتابه الحكيم {ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه...} (آل عمران: 85)؟ ويقول أيضاً {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} (الزلزلة: 8). وهكذا فالصيغة اللغوية الشاملة في الكتب المقدسة ليست بسيطة، وتتطلب ربطاً وتفسيراً ومحاججة، إلخ. ولكي يفهم الإنسان هذا الدين فإنه يحتاج أولاً إلى قراءة الكتاب المقدس، وإلا فإنه سيعتمد في فهمه على سواه ممن قرأه وفسره كما يريد. والذي يقرأ القرآن الكريم سيفهمه حسب معرفته، ومقدرته، وخلفيته الثقافية والعلمية وتجارب حياته، وحتى طبيعة اختصاصه في العمل، وغير ذلك كثير. ولنسأل: كم مسلماً قرأ القرآن كله؟ ثم نسأل كيف يفهم القرآنَ كلّه كلُّ من قرأ القرآنَ كلّه؟ ثم نسأل كم من هذا الذي يقرؤه المسلم يؤمن به أو يطبّقه ويلتزم به أيضاً؟ إن ما في حياة الأغلبية الساحقة منا ليس هناك حتى فهم ذاتي للدين قائم على أساس دراسة أو قراءة القرآن، أو الإنجيل، بل قصص عنه نسمعها ممن حوالينا، خاصة من الوعاظ والمفسرين الجهلة.

وعدا عن التعقيد في التفسير فإن قراءة النصوص يمكن أن تكون إنتقائية، ألا ترى أن بعض المسلمين يقتبسون من القرآن ما ورد فيه على لسان إنسان {إنه من كيدكن، إن كيدكن عظيم} (سورة يوسف: 28)، ويتناسون أن الله يقول مباشرة عن الرجال {... وإن كان كيدهم لتزول منه الجبال} (إبراهيم:46)! ألا ترى من يحلو له أن يعيد ويكرر {... فانكحو ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ...} مقطوعة عما قبلها {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ...} (النساء: 3)!. ولهذا فالقرضاوي حين يتحدث عن الإسلام فهو يتحدث عن فهمه هو للإسلام حسب ما ينتقي قرءته، الفهم الذي يبيح له اغتصاب القاصرات وإصدار فتاوى القتل والتكفير، وجورج بوش حين يتحدث عن المسيحية فإنه يتحدث عن فهمه هو للمسيحية الذي يبيح له القتل بلا حدود من أجل النفط. هذا لا يعني أننا بهذا نبرر لكل إنسان فعل أو قول ما يريد حسب فهمه، على العكس فإننا يمكن أن نقيس كل قول ونحكم على كل سلوك بمقاييس إنسانية لا يختلف عليها الناس الأسوياء، فالمغتصب والقاتل يجب أن يحاكما مهما كانت مرجعياتهما ودوافعهما في ارتكاب الجرائم.

لكن هذا الاختلاف على تعريف واحد للإسلام أو المسيحية يحتم علينا أمرين مهمين، أولهما، أنه لا يحق لأي منا أن يكفّر سواه، لا بين الأديان ولا في صفوف الدين الواحد؛ وثانيهما، أنه لا معنى لتحميل أي دين مسؤولية ما يأتيه أتباعه من حماقات، لأن الدين كحقيقة موضوعية ليس له إلا وجود افتراضي. ولهذا فإني حين أبدأ لاحقاً بذكر الجرائم التي ارتكبها أتباع كل دين أضع بعدها علامة التعجب بين قوسين (!) كإشارة للتذكير بأن لا علاقة بين الدين وأفعال أتباعه.

كثيرون يعجزون عن فصل سلوك الإنسان عن دينه، خاصة حين تكون هناك ظاهرة سلوكية معينة لا تظهر إلا في سلوكيات مجموعة بشرية معينة تدين بنفس الديانة. خذ مثلاً ظاهرة "غسل العار" التي تكاد لا توجد إلا في المجتمعات المسلمة. حقاً في أية سورة في القرآن ورد تشريع بغسل العار، بقتل إمرأة، بريئة كانت أو مذنبة؟ نحن نعرف أن القرآن قد أدان وأد البنات، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وفرض الجلد على الزاني والزانية شريطة إثبات الجرم بأربعة شهود! كما أسلفت فإننا نسمع قصصاً عن الدين ونخلط العرف والتقاليد وحتى الأفكار السقيمة بالدين عن جهل. وحتى حين نجد مجموعة من الناس يتحدون في لحظة تاريخية للقيام بعمل ما تحت راية دين ما، الفتوحات الإسلامية مثلاً والحروب الصليبية، تماماً كما هي لو كانت تحت راية الشيوعية، فإن المجتمعين المتحدين تجمعهم في تلك اللحظة التاريخية عوامل كثيرة ومختلفة، غير الدين. ولهذا نرى أنهم بعد تحقيق غايتهم يتقاتلون فيما بينهم وهم ما يزالون مسلمين أو مسيحيين أو شيوعيين.

إن كون المرء مسلماً أو مسيحياً ليس في آخر المطاف مسألة إيمان وسلوك يتطابق مع الإيمان، بل هي مسألة هوية موروثة، فنحن مسلمون أو مسيحيون قبل كل شيء لأننا نولد في أسر مسلمة أو مسيحية، وهذا بحد ذاته ينبغي له أن يجعلنا مستعدين لتقبل أن إنتماءنا لأي دين ليس عقلياً وفكرياً بالدرجة الأولى، فلا معنى للتعصب. كيف ورث كل منا دينه؟ لأن أحد أجداده دخل هذا الدين. لكن هل فعل الجد ذلك عن علم وإيمان وقناعة؟ هل قرأ القرآن أو الإنجيل أصلاً وفهمه؟ أم أنه إتبع ملكه أو رئيس قبيلته؟

هناك الآن، كما نرى بوضوح، فتنة كبرى يراد لها أن تقع بين المسلمين والمسيحيين، وبين المسلمين أنفسهم. وهناك أشخاص، مع شديد الأسف، يسهمون في هذه الفتنة، عن غير قصد على الأغلب، ولا يعون أن نار الفتنة ستحرقنا جميعاً. إنهم ربما يظنون أنهم يمارسون مجرد هواية في إستفزاز الآخرين دون أن يقدروا أنهم بذلك يصبون الزيت على النار الآخذة بالإشتعال. جزء من هذه الهواية القبيحة هو كيل التهم للإسلام الافتراضي، الإساءة إلى نبيه وكتابه، وتصويره بأنه دين عنف وقتل وسيف. الغريب أن هؤلاء يظهرون في الإعلام على حين غرة كأنهم روبوتات موقوتة، سبحان الله! ويظلون يهلوسون حتى يضطروا الآخرين، المحاطين بالدم والدموع والخراب والموت، إلى الشد على الجروح وكتم الألم والتقاط الأنفاس من الحزن والرد عليهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

على أية حال أنا لا أدعو إلى تبرئة الأديان من سلوكات أتباعها على أساس تفاصيل بسيطة، وإنما على خلفية أمور أعظم. دعونا نقسم تاريخ العالم، إفتراضياً أيضاً، إلى عصرين: عصر ما قبل القرن العشرين، وعصر ما بعد القرن العشرين. قبل القرن العشرين نشأت في العالم امبراطوريات كثيرة، مارست كلها الهمجية فالإغريق، وأشهرهم الاسكندر الكبير، الملقب باللص، غزوا وقتلوا وأحرقوا، ونهبوا، والرومان أشاعوا الدمار والموت في كل العالم المعروف آنذاك، والفرس الذين امتدت امبراطوريتهم إلى شمال أفريقيا لم يقصروا في الهمجية، والعرب تبعوا من قبلهم في الغزو والنهب والسبي، والأتراك أدوا دورهم أيضاً على حلبة الهمجية. وفي الشرق – أعرف ولا أريد أن أعرف أكثر، أنه كانت هناك أمم تباع لدى الجزارين في أسواقها لحوم البشر. وحتى هذا الشعب الذي أعيش أنا بين ظهرانيه، وهو اليوم صاحب واحدة من أرقى الثقافات والحضارات في العالم، كان أجدادهم قراصنة يغزون، وينهبون، ويحرقون ويقتلون ويسبون، ويشربون الخمر في الجماجم البشرية. إنهم الفايكنغ.

كان ذلك في العصر الذي امتد طويلاً، عصر الهمجية التي تقسمت بالتساوي على كل الأمم بصرف النظر عن أديانها. يكذب من يدعي أن العرب الذين خرجوا من جزيرة العرب لم يعتدوا، ولم ينهبوا ولم يسبوا. لقد فعلوا ذلك. ويكذب من يدعي أنهم جلبوا العدل والمساواة للأمم التي قهروها! أبداً فهم قسموا المجتمعات أصلاً إلى مسلمين عرب، ومسلمين غير عرب، وموالي وأهل الذمة، وغير ذلك. لقد اجتمعوا تحت راية الإسلام، ولكن كم منهم كان يفهم من الإسلام أكثر مما يفهمه اليوم، مثلاً، شيخ متخلف عقلياً مثل شيخ قطر الذي لا يعرف الحديث من الآية؟ انظروا إلى الحجاز وأرض نجد اليوم، انظروا إلى همجيتهم وجهلهم وفسادهم اليوم في القرن الواحد والعشرين، انظروا إلى ما فعلوا في ليبيا وما يفعلون في سوريا وما فعلوا قبل ذلك في العراق، وتخيلوا أن أجداد هؤلاء قبل ألف وخمسمئة سنة خرجوا من الجزيرة ينشرون الإسلام! كانوا كالحمار الذي يحمل أثقالاً لا ينتفع بها. ولكن لا تظلموا الإسلام، فهناك من يدخلون فيه اليوم، وهم لا يفعلون ذلك تحت حد سيف القعقاع وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وطارق بن زياد! إن شخصيات ذات شأن في الغرب والشرق تدخل في الإسلام الآن عن قناعة (قائمة بلا شك على فهمهم وتفسيرهم للنصوص).

وفي ذلك العصر أيضاً كانت كنيسة المسيحيين(!) هي من أشعلت الحروب الصليبية، ولم تكتف بالغزو والقتل والنهب، بل استخفت بعقل الإنسان عبر صكوك الغفران وبيع الأماكن في الجنة، وحكمت على العلماء بالموت، وأقامت محاكم التفتيش في طول أوروبا وعرضها. وباركت حروب الثلاثين عاماً، والمئة عام والثلاثمئة عام في أوروبا.

وأبدع في ذلك العصر أيضاً المسيحي(!) نابليون بحروبه التي وصلت إلى موسكو، وبلغ عدد ضحايا الهمجية على يديه، وللمرة الأولى في التاريخ، مئات الألوف. ماذا كان ذلك الفرنسي الغبي يريد من تلك الحروب الدموية التي شنها ضد العالم؟ في حربه على روسيا ترك أربعمئة ألف فرنسي مسيحي يموتون من الجوع والبرد القارس. وجاءت خاتمة هذا العصر بأكبر مذبحة في تاريخ البشرية على الإطلاق حيث تم اجتثاث مئة وسبعين مليون إنسان من الأرض التي كانوا يعيشون فيها لقرون، فأصبحوا أثراً بعد عين. وسجلت هذه الجريمة الكبرى في التاريخ على ذمة الأمم المسيحية(!) – قتلة  الهنود الحمر في أمريكا. لو حسبنا كل الذين ذبحهم طغاة وجزارو كل الأديان منذالعصر الحجري وحتى القرن العشرين فلن يساوي العدد عُشر ما قتله المسيحيون(!) الأوروبيون من الهنود الحمر وحدهم. تحت أي شعار غزا الأوروبيون أمريكا؟ لنشر العدالة وسلام السيد المسيح؟ أم للسرقة والنهب؟ وتصاحب ذلك أيضاً بأكبر عملية استعباد في تاريخ البشرية وقام بها المسيحيون(!)، وذلك بخطف ملايين الأفارقة من قارتهم وتحويلهم إلى رقيق في مزارع المسيحيين(!) في أمريكا الشمالية.

ما هو الفرق بين الاسكندر، ويوليوس قيصر، وداريوش، وعمرو بن العاص، وريشارد قلب الأسد، ونابليون ومن لف لفهم؟ أمم مختلفة وأديان مختلفة وهمجية واحدة. وكان ذلك في عصر الهمجية، همجية الرجل وهو في كل مكان وفي كل زمان يغزو ويقتل وينهب ويسبي رافعاً تارة راية الصليب وتارة القرآن وتارة أخرى راية الثورة والعدل والإخاء والمساواة!

ودخلنا عصر النور في القرن العشرين لتصبح الهمجية ماركة مسجلة بإمتياز بإسم الأمم المسيحية(!) التي أخذت براءات اختراع لا حصر لها، ليس في التكنولوجيا النافعة فقط، بل في أدوات القتل الجماعي وأساليب الهمجية، بدءً من الديناميت، مروراً بأفران الغاز، ووصولاً إلى القنبلة الذرية، وصار الضحايا لا يعدون بالآلاف كما كان يسجل على ذمة الاسكندر وخالد بن الوليد، بل بالملايين وعشرات الملايين في أعناق البريطانيين، والفرنسيين، والأمريكيين والألمان. دعونا نذكّر فقط:

في الحرب العالمية الأولى، أربعون مليون إنسان مسيحي فقدوا، أو جرحوا، أو قتلوا على أيدي إخوة لهم مسيحيين(!) أيضاً، بالغازات السامة والأسلحة الكيمياوية الأخرى.

في ثلاثينيات القرن قضى عشرة ملايين إنسان مسيحي في معسكرات الاعتقال والعمل في سيبيريا على أيدي مسيحيين(!) روس مثلهم.

في الوقت نفسه قضى (يقال) ستة ملايين يهودي في أفران الغاز في ألمانيا المسيحية(!).

في الأربعينيات من القرن قتل ستون مليون إنسان مسيحي في أوروبا على أيدي إخوة لهم مسيحيين(!) – الحرب العالمية الثانية.

في عام 1945 أذاق المسيحيون(!) لأول مرة في التاريخ البشرية طعم الموت بالأسلحة الذرية. وكان ذلك رداً على همجية اليابانيين في الصين، وفي كوريا، وفي بيرل هاربر،  وغيرها (واليابانيون ليسوا مسلمين، ولا هم من نسل خالد بن الوليد – على ما أعرف).

في الفترة من بداية القرن عرف العالم غزواً ونهباً غير مسبوق قامت به الأمم المسيحية(!) الأوروبية لبلدان مختلف شعوب الأرض.

في عام 1948 قام المسيحيون(!) الأوروبيون بتكرار الجريمة التي ارتكبوها بحق الهنود الحمر، هذه المرة في فلسطين، إذ اخذوا أرض شعب منه ووهبوه لضحايا أفران الغاز في أوروبا المسيحية (!).

منذ عام 1948 هناك مجازر بشرية يرتكبها اليهود(!) في فلسطين وغيرها، بدءً من دير ياسين ومروراً بصبرا وشاتيلا وقانا، وغزة، وجنوب لبنان، ووووو.

هل نذكر فيتنام أيضاً وضحايا الحصارات الاقتصادية في كوبا والعراق؟

هل ننسى جبال الجماجم التي تركها بولبوت والخمير الحمر في كامبوديا؟ الخمير الحمر ليسوا مسلمين، أم أني على خطأ؟

هل ننسى مليوني عراقي، قتلهم الأمريكيون والأوروبيون المسيحيون(!) بالحصار الاقتصادي في نهاية القرن الماضي تمهيداً لغزو العراق؟ أم ننسى مليون ضحية أخرى في العراق لديمقراطية المسيحي الأمريكي ديك تشيني؟

احسبوا كل هذه الملايين في عصر النور وقارنوها بعدد من قتلهم خالد بن الوليد في عصور الهمجية؟ قارنوا همجية المسلم (!) ابن الوليد بديمقراطية وتحضر المسيحي (!) المحافظ دونالد رامسفيلد صاحب نظرية الصدمة والترويع؟ ذاك قاتل وغزا لنشر الإسلام، وهذا غزا ونهب لنشر الديمقراطية، ما الفرق؟ لا، لا، لا. هناك فرق، فخالد وأمثاله سلبوا ونهبوا وسبوا في تلك القرون الهمجية لكنهم جلبوا معهم على الأقل المدارس والحمامات إلى مستعمراتهم، وجل عدد العلماء المسلمين في القرون التي تلت غزوات خالد وعقبة بن نافع هم من أبناء الأمم التي غزاها أولئك. أما دونالد رامسفيلد المسيحي(!) فغزا العراق وترك العراقيين منذ تسع سنوات بلا مياه شرب وبلا كهرباء، ونصف أطفال العراق بلا مدارس، ومليون أرملة، وأربعة ملايين يتيم، وثمانية ملايين مشرد في أربعة أرجاء الأرض، عدا عن المصابين بالأمراض السرطانية نتيجة استخدام أسلحة تحوي اليورانيوم. خالد بن الوليد،  المسلم (!) قتل وسبى وهو يظن أنه ينشر دين العدل والحق، أما باول بريمر المسيحي(!) فغزا وقتل وسبى ونهب أموال العراق وحلّ جيشه ونشر، عامداً متعمداً، الجريمة والمخدرات في العراق.

أتعرفون، هناك من سيقفز فوق كل هذه العشرات والمئات من الملايين ويقول "لماذا لا تذكر مذبحة الأرمن على أيدي المسلمين الأتراك؟" وسيرد غيرهم "وماذا عن إبادة المسلمين البوسنيين على أيدي المسيحيين الصرب؟"

إن الشعوب المسلمة هي من بين أقل الشعوب همجية في هذا العصر، هذا إذا وضعنا جانباً القاعدة التي هي أولاً وأخيراً صناعة أمريكية سعودية ومن إفرازات الجهاد الأمريكي في أفغانستان، سوية مع طالبان. إنها شعوب متخلفة، نعم، بفضل همجية سادة العصر الحديث.

أنا أعتقد أن علينا أن نرفع التهمة عن جبين الأديان ونلصقها بالرجل، بنا. هناك مجرم واحد في كل هذه الحالات. إنه ليس الإسلام، ولا المسيحية، ولا اليهودية، ولا ولا ولا. إنه نحن، جنس الرجال. الرجل يحمل الهمجية في جيناته الوراثية، أما الدين والعقائد والأيديولوجيات فأصباغ يلون بها وجهه. هناك من الناس من تبرأوا من الدين واعتبروه أفيون الشعوب، لكنهم، لأنهم رجال لا غير، كانوا أول من أدخل ثقافة سحل البشر في الشوارع، في العراق مثلاً. وهم الذين يعلو صوتهم على كل صوت حين يتعلق الأمر بحقوق المرأة، كانوا أول من علق إمرأة ودق مسماراً في رحمها في الموصل – إنهم الشيوعيون، وأغلبهم يرتكبون اليوم نفس فظائعهم تحت راية غير راية الشيوعية. والبعثيون الذين سلمونا لدونالد رامسفيلد ليهتك أعراض نسائنا في أبو غريب، انتهكوا هم أنفسهم أعراض ثلاثين ألف إمرأة عام 1963 حول أبو غريب وهم مسلمون(!) وهن مسلمات. {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ...} (البقرة: 30) صدق رب العرش العظيم.

ستبقى الهمجية ولن تزول إلا باستئصال الجينات المسؤولة عن الهمجية في تكوين الرجل، وليس باستئصال هذا الدين أو تلك الأيديولوجية. هذا الرجل الذي، إن لم يجد فرصة للقتل والنهب والسبي، راح ينفس عن عدوانيته بكيل الشتائم لمن يقدسهم الناس من أنبياء وكتب، ليثير حرباً كلامية تطفئ ضمأه إلى ممارسة العنف حتى وهو عجوز يقف على حافة القبر!

من كان يريد تأليه المسيح فليفعل، ولكن بدل أن يصفع الناس ويستفزهم في معتقداتهم فيستاء منه المسيح، فليتفضل ويصعد على الصليب من أجل انعتاق الناس كما فعل المسيح. والصعود على الصليب لا يلزم أن يكون حقيقياً كما فعل المسيح، بل رمزياً بأن يلتفت المسيحي إلى المسيحيين في أمريكا ويقول لهم "كفوا أيديكم عن رعية المسيح". ألسنا نحن أيضاً من رعيته إن كان إلهاً، أم أنكم شعبه المختار؟ حاشاه!

وفي الختام لا أملك إلا أن أردد مع الشاعر العراقي: "لو عدتَ اليوم .. لحاربك الداعون إليك ..."

فلو عاد المسيح اليوم لأمر بابا الفاتيكان نفسه، وبتأييد تام من الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكيين، بصلبه من جديد، إرضاءً لإسرائيل.

ولو عاد محمد اليوم فإن أحفاد أبي لهب سيرسلون إرهابيي القاعدة ليفجروا بيت الأرقم بن الأرقم حتى لا يبقى منه أثر، وإن نجا محمد وهرب إلى يثرب وفشلت غزوة الأحزاب ضده، فسيأخذ آل سعود وآل ثاني الجامعة العربية معهم ويذهبون إلى مجلس الأمن لشراء قرار يسمح للناتو بشن غارات على المدينة لأن محمداً يسب آلهتهم ويدعو إلى الإله الواحد، ويرفض التعددية والديمقراطية في الآلهة!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز