نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
كرم أخلاق أمريكي

كما انسحب ما يسمى الجيش الحر "تكتيكياً"، وعلى نحو بائس من بابا عمر، ومثلها في إدلب حيث تشتت وتفرقت اللحى الطالبانية والوهابية، هناك، اليوم، وعلى ما يبدو، انسحاب آخر "تكتيكي" أيضاً، للجيش "الحر" الدبلوماسي الذي تتزعمه الولايات المتحدة وأذنابها الأعراب. وهناك، أيضاً، بالتوازي، عملية حقيقية ومنظمة لإدارة "الهروب" والإنسحاب "التكتيكي" بالجملة لرؤوس العدوان، وأدواتهم، من الساحة السورية بعد الارتطام بالصمود الأسطوري العظيم للسوريين الذي أذهل الجميع وأحبط كل محططاتهم. وبرغم كل التهويل والتضخيم والتأجيج والتسعير المصاحب للحدث السوري الذي ما زال قائماً في أبواق الفتنة وأدوات العدوان، فهناك، في الجهة المقابلة، عملية "تنفيس" وتفريغ لكل تلك الحملات الإعلامية ترد تباعاً من هنا، وهناك، وبشكل مباشر، أو غير مباشر.

 وفي هذا السياق "التنفيسي"، تأتي تصريحات ليون بانيتا وزير "الحرب" الأمريكي، الذي قال بأنه يجب علينا التفكير ملياُ بعواقب أية ضربة عسكرية لسوريا، نظراً لامتلاك سوريا منظومة دفاع جوي متطورة، وأن هذه المنظومة قوية ومنتشرة بين الأحياء السكنية، هكذا،وتدميرها قد يتسبب بخسائر بشرية حسب تعبيره، (آه كم أنت "حنيّن" يا سيدي ورقيق القلب؟). وفي الحقيقة فقد بدأت قاطرة الانسحابات والتراجعات في المواقف، المائلة للخيار العسكري، تمضي بقوة صاروخية بعد تفكيك بؤرة بابا عمرو التجسسية وهروب وانفضاض "سمـّار" الحرب كل في طريقه.

وقد كان آلان جوبيه، الصقر الأطلسي الآخر، قد قال كلاماً مشابهاً لكلام بانيتا قبل فترة وجيزة، ولا داعي للتذكير، أيضاً، بالتصريحات الكثيرة لراسمونسن جنرال الناتو، الذي يحسبها جيداً مثل بانيتا، والتي لا تصب في طواحين "الثوار"، ولا تنسج عل ذات المنوال الليبي الذي يفضله ويحبه ثوار سوريا. أمـّا تصريحات نبيل العربي، ما غيره، اليوم، فهي أكثر من صدمة، وفضيحة سياسية وأخلاقية، ودبلوماسية كشفت الوجه الأقبح والأحط للأعراب وجامعتهم وطبيعة نواياهم الشريرة تجاه الوطن السوري العظيم.

ولا ندري حقيقة، إن كانت هذه التصريحات الأمريكية تندرج ضمن سياق الانسحاب الجماعي "التكتيكي" إياه، والخروج من "الورطة السورية"، بما تبقى من ماء في الوجه، وإيجاد المبررات العسكرية والسياسية واللوجستية اللازمة له لتقديمها للمواطن الأمريكي المذهول من تخبط إدارته، بعد العجز عن تحقيق أي إنجاز عسكري على الأرض طيلة عام كامل من الكر والفر، أم في سياق "صفع" الثوار وقلب ظهر المجن لهم، والرد على "الجمعة" الأخيرة التي سمـّاها ثوار "الغفلة" بجمعة التدخل العسكري الفوري، إذ تأتي تصريحات بانيتا كتنصل وتهرّب من كل أولئك المطالبين بـ، والمعوّلين على التدخل العسكري.

 وتصريحات بانيتا، لا يمكن اعتبارها، مطلقاً، وقراءاتها في السياق الذي أتت به، فلا أخلاق في السياسة، بل مصالح ومعطيات، ولا تـُصرف أبداً في السوق السياسية ولا أحد يشتريها بـ"نكلة" صدئة، وليست البتة كرم أخلاق أمريكي لم يكن سمة للأمريكان في يوم من الأيام، بقدر ما هي للاستهلاك الإعلامي وذر لرماد في العيون الحالمة بتدمير سوريا، من جهة، ومن جهة أخرى، دراسة معمـّقة وواعية وبراغماتية متأنية للخريطة الجيوسياسية والاستراتيجية السورية تأخذ في الحسبان مكامن القوة السورية، وامتداداتها الإقليمية والدولية، ما يعني، فعلاً، أن أي تدخل أو ضربة عسكرية أطلسية، ستصطدم بمنظومة دفاعية متكاملة وقطب عالمي جديد تشكل في أعقاب الحدث السوري، لا يمكن لأحد أن يعلم ويتنبأ بعواقبه كما قال بانيتا حقاً، وهي ربما من المرات القليلة التي يصدق فيها الأمريكيون بتصريحاتهم، فحادث إسقاط RQ-170 Sentinel Spy Drone درة التجسس والاستطلاع الأمريكي ما زال كابوساً ماثلاً في بال بانيتا وجنرالاته الحمقى والأغبياء، ما يعني عملياً، أننا قد نرى عندها طائرات الناتو تتهاوى وتتساقط كالذباب في البحر المتوسط.. ولو كان كلام بانيتا كرم أخلاق، فلماذا لم يبد الأمريكيون ذات الحرص على أرواح الليبيين، والعراقيين، والأفغان، والمدنيين الباكستانيين الذين يقتلون يومياً، وبلا هوادة، في القصف الأمريكي هناك؟ حسابات الأمريكيين ومعهم الأطلسي، ونواياهم حيال سوريا لم تتغير، ما تغير فعلاً هو طبيعة القوى وموازين القوى الذي ظهرت على الأرض وغيـّرت دفة الصراع ووجهته، كلياً، وبالتالي آلياته التي تدفقت سيلاً من المبادرات الدبلوماسية والتراجعات "التكتيكية" على غير صعيد ومجال.

 الحسابات الأمريكية، ومعها المعارضة "المجوقلة"(1) تريد تدمير سوريا اليوم قبل الغد، ولو كانت طريق التدخل العسكري مأمونة الجانب والعواقب، لما تراجعت الولايات المتحدة ومجرمو الأطلسي عن القيام به ولو قيد أنملة واحدة. ومن هنا، نتمنى أن يوفر الجنرالات الأمريكيون كرم الأخلاق هذا، والرحمة وهذه العواطف "المهترئة" والزائفة التي لا يقبضها أحد، خاصة إذا أتت من السيد الكاوبوي الأمريكي الشقي، والتي نزلت فجأة على قلوبهم لأنفسهم، وعليهم أن يوفروا كرم الأخلاق الفجائي هذا، لمناسبات أخرى قد تنفعهم وقد يقبضهم فيها أي مغفل آخر غيرنا، فالكل بات ملماً بالعجز، ويعرف البئر الأمريكي و"غطاه". لا نريد كرم أخلاق ولا عطفاً أمريكياً، قديمة العبوا غيرها.

هوامش

 (1)- يقصد بالتعبير عسكرياً كل تلك القوات والجنود المحمولة براً وجواً.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز