احمد الادريسي
elmouaden@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 March 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
بعد استشهاد الإمام المغربي ببروكسيل، قاتله عندنا من أمر

ليس غريبا أن يحصل ما حصل في بروكسيل بل الغريب ألا يحصل، فاستعار جحيم أم المعارك الطائفية، والإيغال في شيطنة الآخر المذهبية، وإلباسه كذبا وزورا وبالافتراء والصنع والاختلاق ما يسقط حصانته الدينية بل سمعته الإنسانية، في الكتب الحمراء الدموية، أو هناك تحت العمائم الدنية في أعماق الذهنية الذهانية أو العصابية "السيكوباطية" حيث تعترك الأفكار الخارجية لترمي كالقصر شررة رويبضية، وصهيرا من نقائض فرزدقية جريرية يصب من فوهات عليمة اللسان منافقة الجنان إرهابية، أو من خلال الفبركات الإعلامية اليوتيوبية والبالتولكية والتلفزية، و حتى من العنتريات الرعديدية عرعورية كانت أو حبيبية؛  كل هذا لم يكن إلا مقومات حمل حرام تمخض بالطبيعة عن ولادة كائنات طفيلية، تعيش عزلة شعورية ياليتها كانت قطبية فهذه حالة إيمانية ملءها الحب والرحمة الإلهية، بل عزلتها هي توحشية استعلائية أنانية تكفيرية انتحارية، نزع الله من قلبها الرحمة فأصبحت رجزا على الإنسانية.

إن اليد الأثيمة التي امتدت إلى مسجد الإما الرضا(ع) بـ"أندرلخت" المسمى باسم الحفيد السادس لنبينا عليه وآله السلام الإمام علي بن موسى الرضا(ع) والذي لا يعرفه كثير من المسلمين اليوم بسبب التعتيم القروني والإقصاء والإبادة المنهجية لأهل البيت وتراثهم ويعرفون بدلا من ذلك أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل منهم من يجعل ذرية النبي(ص) هذه في سلة مهملات واحدة مع الشيعة الذين غسل دهاقنة وحاخامات الدين الأفيوني الأموي منهم أيديهم بعد قتلهم ماديا ومعنويا؛ وهو المسجد الذي أعرفه وصليت فيه مع الشيعة ـ كما أصلي مع السنة لأننا مسلمون جميعاـ ولم أر فيه أبدا لا أنا ولا القاتل ولا غيرنا صلبانا ولا ثماثيل، ولا يعبد هناك ثالوث مقدس، ولا يقال فيه "هالي كرشنا"، ولا تدرس فيه تعاليم "النيرفانا"، ولا تمارس فيه طقوس "الأحيمسا"، وليس أيضا "طبرناكل" أو هيكلا يهوديا تقام فيه صلوات "الشبت" أو "يوم الغفران" ... بل هو كغيره من مساجد المسلمين بيت من بيوت الله يسبح له فيه بالغدو والآصال وليس لأدوناي ولا للرب يسوع ولا لفيشنو أو سيفا، ويصلى فيه على محمد وآل محمد وليس على الخميني و لا الشيرازي ولا آل ياسر الحبيب، كما صلي على آل إبراهيم وليس على آل مناحيم، وتقام فيه الصلوات الخمس وإن جمعوا هناك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فهي سنة محمدية لا بدعة طاوية ولا حتى شريعة موسوية، ويدعى فيه إلى الله عز وجل وحده وإن توسلوا واستشفعوا بآل محمد فذي بها نطقت الآيات القرآنية لا الآيات القمية والأحاديث النبوية وليست طقوسا شركية ولا طريقة بهائية أو قاديانية، ويدرس فيه أطفال المسلمين الدين الإسلامي وإن على المذهب الجعفري فهذه شعبة أزهرية وليست من التعاليم الماسونية الشيطانية، وعلى الرفوف كانت هناك قبل إحراقها مصاحف الذكر الحكيم وكتيبات الدعاء والمجلدات الفقهية ولم تكن هناك آية الولاية ولا "مصحف فاطمة" ولا القرآن المحرف المخفي في الدهاليز الأرضية، ولم يكن هناك أي جزء من"الفيدا" أو وفصلا من تلمود ولا حتى إصحاحا واحدا من إنجيل "برنابا" أو فقرة من إنجيل "يهوذا" أو ورقة من تعاليم الكنيسة "الساينطولوجية"...صحيح كانت هناك مكتبة لكن كان فيها ما في مكتبات الوهابية من بخاري ونيشابوري وغماري وألباني وأزهري وزيتوني وقمي ومكي ومدني وحراني ومن كل الكتب الدينية، ومع ذلك لم يوجد فيها ما أسلفت في كلماتي الفوقية. امتد صاحبها إليه بيد فيها ساطور لينفذ بزعمه "عملية إبراهيمية" فيحطم الأصنام الرضوية ويتركها جذاذا على رؤوس الروافض الخمينية، وبالأخرى قارورة بنزين يشعل بها جهنم نمرودية لأتباع إبراهيم (ع) دعاة السمحة الحنيفية؛ فما منعت هذه اليد ـ تبت وخسرت ـ إلا ذكر الله وما خربت وما أحرقت إلا بيتا من بيوت الله القائل: "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم" سورة البقرة:114. والله عز وجل معبود القاتل يقول:" من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون" سورة المائدة:32. وهو قتل شيخا مؤمنا كرس حياته للدعوة إلى الله عز وجل، هاجر إلى الحوزة الدينية لطلب العلوم الشرعية وعاد ليعكف على العبادة وتعليم العلم الشرعي في بيت الله وكان سهلا عليه أن يقضيها في مراقص بروكسيل الليلية، أو زائرا دائما لصاحبات النوافذ الحمراء و الزرقاء أو تاجرا للذهب الأخضر والأبيض والأسود كما هو شأن الكثيرين في الجالية الإسلامية.

لكن ومن أجل فهم سبب وقوع عمل كهذا وتحديد كل الشركاء المسؤولين عنه يجب أن نعرف أن تلك اليد ـ قطع الله أمثالها وشل من حركهاـ  لم تنفعل إلا طاعة لأوامر شيطانية صدرت عن مركب ذهني تشكل في سياق "تربوي" و"تثقيفي" معين أوصلته عملية الإقناع أو قل عملية تخصيب الوعي ـ ودعنا نستعير اصطلاحات نووية لدواعي بيداغوجية وديداكتيكية ـ بتظافر عواملها الفاعلة في تشكيل الإرادة إلى درجة ما أسميه بلحظة تفجير الإرادة المانعة السابقة وتوليد الإرادة الجديدة الفاعلة، فإن الفاعل الذي يراد له أن يقوم بعمل ما قد يكون "مستحيلا" له بالنظر إلى محموله الفكري الابتدائي يصير ممكنا له عند بداية نجاح عملية الإقناع لكي ينقلب إلى أمر ضروري الوقوع عندما تصل درجة تخصيب الوعي عنده إلى درجة تفجير قناعاته السابقة المانعة من تحرك إرادته نحو ذلك الفعل لتتولد في نفس الوقت إرادة جديدة لا يفصل بين حالة القوة والكمون فيها وعالم الفعل إلا وسائط تحقيق الفعل الإرادي وهذا طبعا مع حيادية العوامل الأخرى. إن منحنى الفعل الإرادي (الخط الأخضر في الصورة البيانية) يظل ينزل من مستوى استحالة الفعل الجديد بفعل عملية تخصيب الوعي إلى أن يتقاطع مع منحنى عملية الإقناع ( الخط الأزرق) التي تزداد تخصبا ولذلك تسير في خط تصاعدي كلما أتقنت استعمال وسائل الإقناع المناسبة لذهنية الفاعل، وعند التقاطع تنطلق الإرادة الجديدة بعد أن تتفجر السابقة لتكون حدثا خارجيا.

ولنسلط الآن قليلا من الضوء على عوامل تفجير الإرادة من خلال تخصيب الوعي لدى حارق مسجد الرضا(ع) و قاتل إمامه. إن أهم تلك العوامل تكمن في مضامين الفعل التثقيفي الذي شكل المادة المكونة لمركبه الذهني والذي بلغت درجة تخصيبه هذه الأيام درجة عالية يلاحظ المراقب أنها تسير بالتوازي مع الانتصارات النووية التي تحرزها إيران في مفاعلات نطنز و أراك وبوشهر وفوردو وغيرها. وهنا لا نتكلم عن العمليات التي تنفذها أجهزة المخابرات هنا وهناك وإن كان المنفذ في بعض الأحيان قد يصاب بما أصاب "إرهابي أندرلخت" ولكنا نقصد الذين يقومون بمثل هذه الأعمال عن منطلق ديني أو مبدئي  بزعمهم كما يحدث منه في العراق والباكستان والهند وسوريا هذه الأيام. هؤلاء وأئمتهم الذين لا ينتفضون من أجل حرق القرآن وهدم المساجد في البحرين والسعودية كما لن ينتفضوا اليوم لحرق القرآن و حرق مسجد الإمام الرضا(ع) وكأن القرآن لا يجوز فقط على الأمريكيين حرقه!

إن مؤطري الفعل التثقيفي من علماء ومفكرين ودعاة والذين منهم من لم يجنحوا إلى السلم واعتبروا أنفسهم في حرب ـ وهي خدعة ـ مع مخالفهم، واتبعوا الهوى حتى صار إلههم وعبدوا الدولار كما عبد بنو إسرائيل عجلهم الذهبي حتى صار عندنا مشايخ مليونيرات كالقرني وحسان، ووقعوا ضحية للكتب الحمراء التيمية الأموية الخارجية الوهابية القاعدية التكفيرية فلم يدركوا الرحمة المحمدية التي لم تكن حتى لتأذن بقتل المنافقين  ـ وهم العدو ـ فإذا بشيطانهم يلبس عليهم حتى في هذا فاعتبروا نبيهم إرهابيا بقياسهم الفاسد ورأيهم الكاسد وعرضوها في واقع مختلف صعقوه بذلك صعقا، ونسبوا إليه (ص) وحاشاه أنه قال: " جئتكم بالذبح" وقرأت لأحدهم يقول: "والصلاة على النبي القتال الذباح" وآخر: "نحن إرهابيون بنص الكتاب" إذ قال: "ترهبون به عدوالله وعدوكم". وهؤلاء يملؤون مواقع الانترنت المكتوبة والمرئية اليوم منهم العرعور والزغبي والعريفي والقرني والدمشقية وعثمان الخميس وغزاة القاعدة ومن شاكلهم، غلاض شداد كسدنة جهنم، أعزة على المؤمنين ممن خالفهم ورحماء مع الكافرين من الأمريكان والبريطانيين والإسرائيليين الذين هم عندهم معاهدين تبعا لأولياء أمورهم من آل سعود حلفاء اليهود وآل خليفة وآل صباح وباقي الآلات؛ وحتى القاعديون الذين يدرون أن المعارضين في ليبيا وفي سوريا كانوا وما زالوا يقاتلون إلى جنب الناتو والإسرائيليين أرسلوا مع ذلك إليهم بالعير والنفير والدعاء الوفير.

 متى كان الداعية بركانا يقذف سبا وشتما ويعلن عن نيته في الذبح من الوريد إلى الوريد؟ ويهتف كمجنون حرب فجروهم فجروهم.. مخلطا مدغدغا إنهم يقتلون "السنة" في سوريا وفي العراق، افصلوا الرؤوس عن الأجساد إنهم يثقبون جماجم "السنة" بالحفارات والبراغي الكهربائية، اقطعوا ألسنتهم ومذاكيرهم إنهم يغتصبون عذارى "السنة" وأمام أهاليهم، افقأوا أعينهم فرسولكم سمل أعين المحاربين ودق المسامير في أجسادهم وتركهم في الصحراء يموتون...إلى آخر هذه الماكينة التلفيقية الوهابية الهيتليرية الصهيونية الإبليسية؟ هل نحن في مجزرة تطيح فيها رؤوس أغنام وخنازير يا عالم؟ أليس حتى في الحرب توجد تقوى؟ وحتى في القتل أمرتم بالإحسان ونهيتم عن المثلة؟ ثم كيف تتكلمون عن الرحمة المهداة للعالمين؟ يشهد العالمون أنكم عذاب و نقمة وليس فيكم ذرة مرحمة. ثم هم لا ينفذون شيئا بل هم الشيوخ الفضلاء العلماء محبتهم في الله واجبة وبفقدهم يثلم الإسلام ثلما لا يسده مسد، ولذلك على طلبة العلم الصغار أن ينفذوا حتى ولو كانوا لا يعرفون إلا بضعة أحاديث من "الأربعين النووية" فهي كافية لتشغيل جهاز الطرد المركزي باتجاه صناعة القنابل البشرية الموقوتة. هذا فسطاط.

ومنهم ـ وهو فسطاط آخر قريب منهم ـ من ادعى الوسطية والاعتدال والكون بين الجحود والتطرف والاستقرار على عرش الأولويات فإذا به يطلع قرنه مع مطلع شمس "الفوضى الخلاقة" لتضيء خريطة الشرق الأوسط الجديد لترينا معالم "سايكس بيكو" الثانية حيث يقسم المقسم على أساس طائفي وديني وعرقي ناهيك عن السياسي. خرج علينا زعيم المذهب القرضاوي بخطب نارية يفتي بالقتل لمستحق ولغيره وهو كان الوديع الرفيق المعتدل، ويعلن أنه نذير قومه من الخطر الإيراني الشيعي وهو كان لا يرى من قبل إلا خطر إسرائيل، وأن السيد نصر الله زعيم الأمة المقاومة "زيهم" شيعي "بس" ليس من المتشددين. ثم لم ينس في نفس السياق أن يذكر أن من الشيعة من يقول بالتحريف وذكر "مصحف فاطمة" المفترى وسب الصحابة واتهام أم المؤمنين إلخ وبطريق تلبيسية تلفيقة حتى يخيل للمخدوع أن هذا حق، وهو يدري أن غالبية الشيعة اليوم بمراجعهم وعامتهم ليس فيهم ما رماهم به. وأن في كتب "السنة" وكتبه وفي أقوال علمائهم وأقواله أيضا ما يندى له الجبين. هذا الذي يتحاور مع اليهود ويقبلهم في إطار حوار الأديان لم يشن عليهم عقائديا ما شن على الشيعة ثم يأتي المقاوم الإخواني هنية ليقبل يده. هذا الذي طار عقله حينما كتب كتاب في نقده من متشيع مصري تحت عنوان: "القرضاوي وكيل الله أم وكيل بني أمية" وبدأ يدق طبول الحرب على الحرية الفكرية والمذهبية مطالبا بأن الآخر المذهبي لا يحق له الدعوة إلى مذهبه في البلاد الغالب عليها مذهب آخر، وكأننا في ميدان كرة القدم لا يحق للجالس بين مشجعي فريق أن يهتف للفريق الآخر حتى لا يدوسوه تحت الأحذية. إن قضية التمذهب بل التدين لا إكراه فيها يا شيخ ولا وصاية ولا استحمار. إن كنت على الحق كما تزعم فافتح الباب على مصراعيه والبقاء لمن يأتي بالبرهان،"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين". أما إن اعتذرت بأن الناس جاهلة وستغتر فهذا ما لا يقوله إلا مغرور مستحمر وراد على العلي المتكبر. ثم زعم القرضاوية كما في مصر والمغرب وغيرهما أن محاربة المد الشيعي هو للأمن الديني والاجتماعي الوطني وكأن التشيع سيمزق البلدان ويخرب العمران ويهلك الحرث ونسل الإنسان، مع أن التمذهب بمذاهب مختلفة أمر صار عاديا والتعبد بالمذهب الجعفري جوزه الأزهر الذي يدرسه كما يعرفون وينكرون. وكان أحرى بهم أن يلزموا الدعوة إلى التسامح والتفهم والتعاون والتقارب والوحدة. لكن المشكلة في الانتهازية والبراغماتية والانتقائية التي يسميها هذا التيار بغير أسمائها فيطلق عليها وسطية قال عنها أمير الشعراء المعاصرين أحمد مطر في هجوه لزعيمهم: " التقوى عندي تتلوّى ما بين البلوى والبلوى حسبَ البختِ ان نزلتْ تلك على غيري خَنقتْ صَمتي واذا تلك دَنتْ من ظهري زَرعت اعصاراً في صَوتي وعلى مهوى تلك التقوى ابصقُ يومَ الجُمعة فَتوى فاذا مَسّت نَعل الاقوى الحَسها في يومِ السبتِ الوسطيّة : فيفتي فيفتي اعمالُ الاجرامِ حرامٌ وحلالٌ...في نفسِ الوقتِ هي كُفرٌ ان نَزلت فوقي وهدىً ان مَرّت من تَحتي" . إن القرضاوية اليوم هي أخطر من الوهابية لأن الثانية لا يغتر بها إلا القليل بحكم تشددها، أما هي فتلقي بظلالها على كثير من الحركات والجماعات الإسلامية السنية التي إن لم تنتبه سيقتلها هذا السم حتما والذي يتسرب إليها بين جزيئات عسل الوسطية والاعتدال حينما يقول القائل: "حتى القرضاوي المعتدل المتقارب معهم انظروا ما ذا يقول فيهم" وكفى بهذا زخرفا فإن الحق لا يعرف بالرجال ولكن الرجال تعرف بالحق.

وهناك فسطاط ثالث كالخدوم لهؤلاء دون أن يدري أو دون أن ندري، وهو من الشيعة أنفسهم. إنه وهابية الشيعة بتعبير الشهيد المطهري، أو قل سلفيتها، أو عرعورها و خميسها. هذا الاتجاه هو الذي يسعف المحرضين على القتل والتفجير بكل وسائل الإقناع إذا أعوزتهم، إذا قالوا: مثلا إن الشيعة كفار يسبون الصحابة الأخيار أعطاهم من كلامه ما يثبت ذلك بل ما يزيده شناعة ودناسة، ويزعم أنه هو الشيعي الحقيقي ومن خالفه ـ وهم عموم مراجع الشيعة وعوامهم ـ ليسوا بشيعة أمير المؤمنين (ع) أو يتقون رغم قسمهم بعدم ذلك، فيثلج بهذا قلوب الوهابية وتدمع له العيون المخابراتية فرحا ومرحا. إن "الحجة الدامغة" على إدانة الشيعة أمام العوام والطلبة الذين لم يتقنوا بعد فن القراءة المقارنة تأتي اليوم وبغزارة فيديوهات اليوتيوب والتسجيلات الصوتية وحتى الكتب والمنشورات الشيرازية الحبيبية الأصيلة والتي قد يكون لها صدى لدى بعض عوام الشيعة ناهيك عن الفبركات والتلفيقات، فيضيع في جوها كل كلام عن ترو وضرورة الرجوع إلى أعلام القوم والنظر إلى واقع الشيعة المقاوم في لبنان والداعم للسنة الغزاويين أو المتعايش معهم في إيران.

إن السجالات المذهبية والنقاش الديني بل الإنساني عموما إذا لم يكن علميا وهادئا أو حكيما بتعبير القرآن الكريم حين يقول: "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" لا يمكن أن يكون صحيحا، بل هو على النقيض تماما من أسلوب السب والشتم والتسقيط للطرف المقابل الذي يندرج في سياق الحرب الحقيقية الطائفية أو الدينية وهو ما يلزم منه بالضرورة مقاومة ورد من الطرف الآخر، وذلك أنه إذا كان العاقل لا يذعن إلا للدليل فإن العاطفة تستثيرالغرائز والأهواء والقوة الغضبية. وفي بحث علاقة الإنسان بالمقدس التي هي غاية في الحساسية يجب أن يكون الإنسان أحذر حينما يريد أن ينزع القداسة عن مقدس منه حينما يلبسها عليه، تغلي مراجل الأفكار العنفية فتحمر الوجنتان وتسود العينان فتنزع اليدان وتتشابك الأبدان؛ وأحذر منه ألا يبيح لعاطفته التطاول على مقدس بل يجب أن لا يبحر في بحر لجي متلاطم الأمواج كهذا إلا ببوارج وغواصات النقد العلمي الموضوعي. وهذا على ما نعرف هو أسلوب علي (ع) القائل: " إني أكره لكم أن تكونوا سبابين.. ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر.. وقلتم مكان سبهم (واليوم سب أتباعهم)  إياكم: اللهم إحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به.. (نهج البلاغة ص323 من كلام له رقم 206)

إن تظافر وسائل الإقناع التي ينتجها ثالوث القتل المنهجي الذي يمثله أئمة النار في الاتجاهين السنيين الوهابي والقرضاوي والاتجاه الشيعي الرافضي الحبيبي الشيرازي هو المسؤول عن تشكل المركب الذهني لكثير من أتباع الطائفة السنية اليوم ـ لأننا لم نعرف شيعيا فجر نفسه في "السنة" إلى الآن وحتى من أتباع الخط الشيرازي الحبيبي ـ وهو الذي كلما وصل التخصيب لديهم إلى درجة التقاطع المذكور أعلاه لا يمكن إلا أن يحدث بجدل الفكر والواقع تفجيرا في الإرادة في عالم الذهن وتفجيرا في المساجد والحسينيات والمدارس والأسواق، ووينتج "ذبيحة" تذبح وتسلخ وتعلق وتصور وتضع على الانترنت وتنسب كل ذلك إلى المخالف نظاما كان أو طائفة في عالم الواقع. فالقاتل ليس فقط السلفي أبي الساطور بل كل أضلاع مثلث القتل المنهجي المبتور، ألم يقل الشاعر:

"فمنك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا إنه قد كفر فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر"

وقد قال شاعرنا مطر صادقا عن القرضاوي وكأنه كان ينظر من ستر الغيب الرقيق: "والقاتِلُ من يَصنَعُ الفتوى بالقتلِ...وليس المُستفتي وعليه...سَنغدو أنعاماً بينَ سَواطير الاحكام وبينَ بَساطيرِ الحُكّام وسَيكفرُ حتى الاسلام إن لم يلجم هذا المفتي"

فلا بد من بعثة مراقبين إسلاميين عقلاء من غفلة الانخداع الضرار أوالسكوت عن هذه الأقذار لزيارة كل مواقع العنف المنهجي على الإنترنت أو على الأرض من أجل تفكيك برامجها الإرهابية وتشميع أبواب مختبراتها واستديوهاتها وفضائياتها ولجم فوهات شيوخها بالتي هي أحسن كلما استطاع المرء إلى ذلك سبيلا، لكي تجفف منابع الاحتراب الداخلي والتطاحن الذاتي للأمة هذا في الوقت الذي يجري فيه مخطط التشظي الخلاق على قدم وساق.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز