الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
نحن والعقل الباطن ج4

ليس الفن الذي يتجسم في قصة او رسم او نحت او ابيات من الشعر او الحان من الموسيقى سوى التفريج عن عواطف محتبسة في صدر الفنان ,   لم يكن في مستطاعه ان يفرج عنها في الواقع ,  فأفرج عنها في الخيال . وهو اذا لم يكن قد فعل ذلك في الخيال لكان قد ادى به الكبت الى التفريج عنها بالخمرة او الجريمة او الجنون .

 

وقد قال العالم النفساني الشهير فرويد – كلنا مرضى – وهو يعني بهاتين الكلمتين ان لكل منا كظومه وكربه واحتباساته . التي تحتاج الى التفريج . وقد يكون الانتقام تفريجا ولكن الاخلاق المتمدنة التي نأخذ بها والاعتبارات الاجتماعية التي يجب ان نراعيها تحول بيننا وبين الانتقام . اذن فنحن نحلم ونتخيل صورا هي اسعد من الواقع .

 

فاذا كنا على شئ من القدرة على التأنق في التعبير استحالت احلامنا الى اعمال فنية كالشعر او الرسم او القصة او المقالة . ثم اتجهت حياتنا الفنية تلك الوجهة التي اقتضتها ظروفنا العائلية الاولى ايام الطفولة وايضا مركزنا الاجتماعي بعد ذلك . ان العواطف المكبوتة هي التي تلد العمل الفني . فإذا لم نكبت الحب فاننا لن نؤلف عنه الشعر . واذا لم نحس العجز في حياتنا الشخصية فاننا لن ننشد التفوق الاجتماعي . واحساسنا بالضعف يحملنا على ان نتقوى بالرياضة البدنية او الذهنية .

 

ولذلك يجب اذا استطعنا ان نعرف حياة المؤلف وظروفه العائلية ,  كي نصل الى الجذور التي جعلته يتخذ اسلوبا دون آخر . لأن هذا الاسلوب هو اخلاقه التي تعلمها , او اضطر الى اتخاذها , منذ صباه , والاغلب ايضا ان الهدف الذي يصبو اليه لنفسه قد تعين منذ صباه . ولا بد ان الصورة التي اتخذها هذا الهدف قد اختلفت من الصورة التي كان يرسمها لنفسه ايام الصبا . ولكن هذا الاختلاف لم يكن في النوع وانما كان في الدرجة واللون فقط . اي كان الاختلاف فنيا .

 

ومن هنا تاتي قيمة الترجمة الذاتية يكتبها المؤلف عن حياته , وهو بالطبع لن يقول كل شئ ولكنه يرسم لنا المراحل الزمنية والبيئية التي تنتمي اليها مبادئه واهدافه . وقد تكون القصة التي يؤلفها بخياله اصدق من ترجمته التي يذكر فيها حقائق حياتية . ذلك لانه يحس من حرية البوح والاعتراف في القصة الخيالية ما لا يحس في الترجمة الذاتية .

 

ان سيكولوجية فرويد تسمى – سيكولوجية الاعماق – لاننا نتعمق الشخصية ونحاول ان نرد ما فيها من تفوق او تخلف , او اتجاه سديد او انحراف سيء الى العوامل الاولى ايام الطفولة . والى المركبات النفسية الخاصة , والى محاب ومكاره . قد رسخت حتى لم يعد في المستطاع التخلص منها . ويمكن ان نتعرف اسلوب الكاتب وهدفه اذا تعمقنا في  التحليل النفسي وهبطنا على المشكلات القديمة التي كانت تشغله ايام صباه .

 

نستطيع مثلا ان نعرف كثيرا عن المؤلف اذا نحن تأملنا الكلمات التي تتكرر في مؤلفاته . لان هذا التكرار لا ياتي عبثا . ذلك اننا حين نحب شيئا نلهج به ولهجتنا تدل على اتجاهنا . وكذلك نستطيع ان نعرف عنه حين نتامل المجازات والاستعارات التي يؤثرها على غيرها لانها احلامه التي تنبع من نفسه ,  وليست احلام النوم عندنا سوى مجازات واستعارات مقلوبة بحيث نكسب الهدف المعنوي تعبيرا ماديا . كأن اطير نحو السماء عندما ما اعبر عن شوقي الى الرقي او احساسي به . او اسقط من الشرفة او الشجرة حين اعبر عن سقوطي الاجتماعي .

 

فنحن هنا ازاء رموز تجري في الاحلام وتدل على مشكلاتنا الشخصية ولكن للاديب ايضا رموز تجري على قلمه . وهي تنبع من اعماق نفسه وتكراره لها يدل على سلوكه ونظرته للمجتمع والحياة , ثم النزعة العامة في مؤلفاته توضح لنا موقفه من المشكلات الاجتماعية والسياسية .

 

ولكن هذه – الاعراض – لن تكشف لنا شخصية المؤلف ولن تفسر لنا اتجاهاته الا اذا عرفنا حياته العائلية الاولى وموقفه الاجتماعي . .. هل كان فقيرا في طفولته وقد عذّبته الفاقة ؟  . وهل شقى في معيشته العائلية وهل كابد قسوة من ابويه ؟ وهل هو ينتمي الى الاقلية ام الى الاكثرية في الشعب ؟ وهل نجح ام خاب في حياته المدرسية ؟

 

مثل هذه الاسئلة تنيرنا اذا استطعنا ان نحصل على الاجابات الصحيحة عنها , عن كثير من البواعث التي دفعت الفنان على اتخاذ اتجاه واسلوب معين .

ان هذا التعمق السيكولوجي للفنانين والمؤلفين ودلالة حياتهم العائلية الاولى في انتاجهم الادبي او تالفني وفي مناهجهم الاجتماعية او السياسية لا يمكن ان نحققه الا اذا كان هؤلاء قد اعتادوا التاليف عن حياتهم الشخصية . ومما يؤسف عليه كثيرا ان قليلين من الادباء العرب قد عرفوا الترجمة الذاتية , ولو انهم كانوا قد عرفوها ومارسوها لانارونا عن عصرهم وبيئتهم واوضحوا لنا العوامل التي كونت مؤلفاتهم وفنونهم . وفي عصرنا الراهن , فان بيئتنا العربية لا تزال – الترجمة الذاتية – بعيدة عن الوجدان الادبي , وهذا النقص عظيم نأسف عليه نحن كما سوف يأسف عليه اكثر اجيالنا القادمة .

 

وهنا يجب ان ننتهي ان العقل الباطن هو العامل المهم في تكوين الاخلاق والاذواق . وذلك لان العقل الواعي هو عقل المعرفة والبرهان والتجربة . اما العقل الباطن فهو عقل الايمان و العقيدة . ان المعرفة المنطقية لا تحدث الا اضعف العواطف . بل هي تكاد تكون معدومة العواطف اذا قسناها الى العقيدة التقليدية التي تبعث احيانا اقوى العواطف في النفس .

 

الى الحلقة القادمة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز