نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
حماس: سبحان مغير الأحوال

ما أجمل صقورحماس "السابقين"، وهم يرتدون الياقات البيضاء والقفازات الحريرية الناعمة متجولين في الدوحة والقاهرة وعمان، بدل الكوفية الفلسطينية الشهيرة وبعدما تركوا بندقية المقاومة لأقدارها الدمشقية، قبل خروجهم الملغوم والمشبوه، متنكرين لكل إرث وتاريخ نضالي ومقاوم وتحولوا إلى "أرانب" وحمامات سلام لا "تهش ولا تنش" وغير معنية بالقصف الوحشي المركز الذي تعرض له قطاع غزة المحاصر، من قبل الطيران الإسرائيلي على مدى أسبوع كامل تقريباً، راح ضحيته خمسة وعشرين شهيداً وعشرات الجرحى ودماراً هائلاً في المكان، فيما كان صقور حماس السابقون ذوو الصوت والكعب العالي في دمشق، يلوذون بصمت مطبق، ويتوسطون الجهاد ويطلبون التهدئة، وكأن غزة التي يحكمها الوالي الإخواني إسماعيل هنية، تقع في مجرّة أخرى، وهو معذور في ذلك فقد كان منشغلاً بتأييد جرذان الناتو والعصابات الإجرامية في سوريا، ولم يتبق لديه أي وقت حيث كانت أجندته "الشريفة" محجوزة لساعات من الركوع أمام مفتي الناتو الجليل، وتقبيل يدي صاحب فتاوى الدم التي أتت على أرواح مئات الألوف من العرب والمسلمين في العراق، وليبيا، وفلسطين، وسوريا.

وفي الحقيقة فقد كان العدوان الوحشي الآخير ذا دلالات عدة لعل أولها، وحماس تمتلك خريطة الفصائل المقاومة في غزة، تقديم هذه الخريطة على طبق من ذهب لإسرائيل كبادرة حسن نية من قبل الحركة تجاه الصديق الجديد "إسرائيل"، وعلى اعتبار أن صديق صديقك هو صديقك، وما أكثر الأصدقاء المشتركين اليوم بين حماس وإسرائيل فالطابور والقافلة لا تبدأ عند ابن عباس الفتحاوي، ولا تنتهي عند سعود بن الفيصل أعز أصدقاء إسرائيل في الشرق الأوسط. وربما، ومن زاوية أخرى، كان العدوان الأخير وشاية ودسيسة من قبل حماس ضد حركة الجهاد التي ما زالت في خندق المقاومة، بغية تصفية من تبقى من كوادرها، والنيل منهم وتجريد الحركة من أظافرها وأسنانها.

 والدلالة الأخرى في هذا السياق، هي اختبار لمدى جدية حماس والتزامها في تموضعها الجديد ووفاؤها وقددرتها على "ضبط" أعصابها والتساوق مع سياسات حلف الاعتدال العربي، الصديق الحميم والقوي لإسرائيل بعد نقل بندقية حماس من كتف المقاومة والممانعة في دمشق، إلى كتف الاعتدال والتهاون "العريض" الممتد من مراكش إلى الكويت. ولقد عبـّرت حماس، وعبر صمتها المريب والقذائف المنضبة تنهمر على غزة الجريحة، بأنها فعلاً قادرة على ضبط أعصابها والاستمتاع بمشهد غزة والقنابل تنهمر عليها كالمطر فليس هناك في الحقيقة أجمل من الوفاء والالتزام للأصدقاء الجدد، وأثبتت بأنها "قدها وقدود"، وبقية حمامات السلام من الأعراب المسالمين ليست أكثر شطارة وبراعة منها في الوفاء للحليف الصهيوني.

 وفي كواليس التطورات، أن حماس، ومن خلال تموضعها الجديد، أي التحالف واتباع سياسة "النأي" بالنفس أو "شو بدنا"، قد لعبت هذه المرة دور الوسيط والناصح وحامل الرسائل أو ساعي البريد والواعظ لحركة الجهاد التي أبلت بلاء حسناً في المواجهة كما نـُقل وقيل، ولذلك هي اجرت اتصالات من اللحظة الأولى مع قيادة الجهاد لتهدئة الامور وعدم التصعيد عسكرياً لكن، وكما نما لنا، فالهواتف اقفلت عند معظم قيادات الجهاد قائلة لا مجال للحديث عن تهدئة إلا بعد وقف العدوان والرد عليه كما جاءعلى لسان خالد البطش القيادي في الحركة.

وتركت حماس بلا مبالاة ظاهرة، رفاق السلاح لمصيرهم يواجهون آلة القتل الإسرائيلية. لا بل طلبت من حركة الجهاد عدم الرد والاكتفاء برفع الرايات البيضاء واستقبال الحمم الإسرائيلية بكل رحابة صبر وبنفس التسامح الذي نزل على أفئدة وقلوب صقور حماس السابقين أصحاب الخطب الجهادية النارية اللوذعية من على منابر مخيم اليرموك الشامي. وهنا لا بد من السؤال والاستفسار لماذا اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين المـُقـْعد وعبد العزيز الرنتيسي ويحيى عياش ومحمود المبحوح في فندق البستان دبي ونزار ريان في القصف على غزو في أوائل 2009، وقضى مع أطفاله وزوجاته، (ربما بوشاية أيضاً)، وغيرهم من طابور طويل عريض من المناضلين في بيروت ودمشق وعواصم أوروبية بينما إسماعيل هنية، وأبو مرزوق، والزهار، ومشعل يتنقلون، بكل سلام وأمان، من طيارة لطيارة، و"ينطون" من عاصمة خليجية لعاصمة أخرى وهي التي تحولت كمراكز ومقرات للموساد، والسي آي إيه، و MI16. بالبرهان، صارت حماس اليوم خارج اللعبة، وخارج ماراثون السباق "العربي" الطويل والممل نحو القدس الذي لم يبق فيه سوى قلة قليلة من الفرسان، ولا تريد أي نوع من المواجهات العسكرية لا في غزة ولا في غيرها.

 وجاء، الآن، دور تصفية حركة الجهاد و"قصقصة" آخر أجنحة الفصائل الفلسطينية المقاومة، وسيكون ذلك، وباللمفارقات وعـِبـَر الدهر ودروسه، على يدي حماس ما غيرها. وبالقطع لم يكن انتقال حماس من معسكر وتموضعها في الخندق المقابل، واستقبالها مع صقورها في عواصم التهاون والتخاذل هكذا وبالمجان، ولوجه الله، بل هناك أثمان باهظة ينبغي أن تدفعها حماس، وهذه هي بواكير تلك الأثمال. فتفضلوا و"اقبضوا" يا أولي الألباب. مسك الختام، مع تموضع حماس الجديد: احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة ا







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز