د. ياسر صابر
dr.saber22@yahoo.com
Blog Contributor since:
09 January 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
دستور توافقى أم تآمرى ؟

إن الصراع الذى خاضه الغرب معنا ومازال يخوضه هو صراع أفكار وليس صراع مصالح كما يتوهم البعض ، فلقد إتخذ من الإسلام عدواً وأيقن أن عودة الإسلام إلى الحكم تعنى حسم هذا الصراع لصالح الأمة وأنه أى الغرب سيخرج من هذا الصراع يجر أذيال الهزيمة.

 لهذا إحتاط الغرب وعمد إلى الدساتير التى صاغها بأيدى عملائه فى العالم الإسلامى لتقف حائلاً أمام أى تغيير حقيقى ، لذلك نرى أن كل الدساتير فى بلادنا لا تعبرعن هوية الأمة لأن الذى صاغها هو الكافر المستعمر ، وقد صاغها بالشكل الذى يكرس سلطته على بلاد المسلمين بإبعادها عن هويتها وتكريس إنقسامها بجعل حدود " سايكس بيكو" التى صنعها مقدسة دستورياً ، ليس هذا فحسب بل جعل هذه الدساتير عقبة أمام عودة الإسلام لتنتظم حياة المسلمين على أساسه . إن هذه الدساتير التى صاغها الغرب فى بلادنا كانت صريحة فى منعها العمل السياسى على أساس الإسلام لأنه هو الوحيد القادر على تحرير الأمة من الهيمنة الغربية ، لهذا نجد أن المادة الخاصة بإنشاء الأحزاب تتكرر فى كل دساتير العالم الإسلامى وتنص على أنه " لا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أساس ديني " ، ودينى هنا تعنى الإسلام لأنه لايتصور وجود عمل سياسى أو أحزاب سياسية على أساس نصرانى أو يهودى.

 ومن تصدى للعمل السياسى إما أن يقبل بهذا الواقع المفروض ، أو يعارضه فيكون مصيره السجن والملاحقة والتعذيب وهذا كان من نصيب كل الحركات الإسلامية ، هذه هى حقيقة الدساتير فى العالم الإسلامى والتى يمكن أن نمنحها بإمتياز شعار" الحيلولة دون إنهاض الأمة ".

 إن الدستور هو التعبير الحقيقى عن هوية أى أمة وهو مكنون فى صدور أبنائها ويعكس وجهة نظرها فى الحياة ، وهو لايحتاج فى الأساس إلى صياغة لأن من البديهى أن تسير الأمة حسب قناعاتها ، وإذا تمت صياغته فيكون هو القانون الأساسى المنبثق عن عقيدة الأمة . والأمة قد إرتضت الإسلام عقيدة لها فيجب أن يكون الدستور الذى تختاره الأمة معبراً عن هذه العقيدة ، وبذلك تكون كل أنظمة الحياة من إقتصاد وإجتماع وسياسة خارجية وتعليم وعقوبات وغيرها هى التطبيق الحقيقى لهذه العقيدة فى الأرض وبالتالى تستطيع الأمة أن تحقق نهضتها الصحيحة بإنطباق سلوكها فى الحياة مع وجهة نظرها عنها. إن مايجرى الأن من لغط فى الساحة حول الإعداد لصياغة دستور توافقى هو محاولة للتآمر على الأمة بطمس هويتها مرة أخرى بعد الثورات وإبقاء لسلطانها بيد أعدائها ، فإن هوية الأمة لايمكن أن تتجزأ أو يتم تقاسمها فالدستور الإسلامى فقط هو الذى يعبر عن هوية الأمة ويضمن رعاية شؤون الناس رعاية كاملة بصرف النظر عن دينهم أو أعراقهم أو لونهم ، فالإسلام نظام عالمى يقدم حلولاً صحيحة للمشاكل بإعتبار أنها مشاكل إنسانية تحتاج إلى حلول صحيحة. إن التحدث عن فكرة التوافق ماهى إلا محاولة لزيادة الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة بحيث تكون كل طائفة ممثلة بهوية مختلفة عن غيرها وبهذا يرسخ الدستور تفتيت الأمة تماماً مثلما فعلت أمريكا فى العراق ، لهذا لايمكن أن يقف وراء فكرة التوافق هذه سوى أعداء الأمة لأنها تعطيهم المبرر فى التدخل فى شؤوننا بحجة حماية الأقليات التى يعمل الدستور التآمرى الأن على خلقها دستورياً.

 إن وجود مادة فى الدستور تنص على أن دين الدولة هو الإسلام لاتعنى بأى حال من الأحوال أن الدستور يعبر عن هوية الأمة لأن كل الدساتير فى العالم الإسلامى تنص على هذه المادة ومع ذلك فإن هذه الدول جميعها تُحكم بأنظمة علمانية ، وإعتبار الدفاع عن هذه المادة قضية مصيرية تهون الحياة من أجلها فيه كثير من المبالغة ، لأن الدستور الذى يعبر عن هوية الأمة يجب أن تنص أول مادة فيه على أن " العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، بحيث لا يتأتّى وجود شيء في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها، إلاّ بجعل العقيدة الإسلامية أساسا له.

 وهي في الوقت نفسه أساس الدستور والقوانين الشرعية بحيث لا يُسمح بوجود شيء مما له علاقة بأي منهما إلاّ إذا كان منبثقا عن العقيدة الإسلامية " ، هذا مايجب أن تكون عليه المادة الأولى فى الدستور حتى يكون الدستور معبراً عن هوية الأمة ، وتكون الدولة تجسيداً حقيقياً لهذه الهوية . إن الدستور المطلوب يجب أن يكون دستوراً لدولة مبدئية صاحبة رسالة ، حتى نتخلص من التبعية للغرب وهذا لن يحدث إلا إذا كان أساس الإقتصاد والحكم وغيره من أنظمة الحياة منبثقاً عن العقيدة الإسلامية ، وبالتالى نستعيد عوامل قوتنا الحقيقية التى تنازلنا عنها حين لهثنا خلف الغرب نستورد منه أنظمة حياة تتناقض مع عقيدتنا فكان مصيرنا التخلف والتبعية.

 إن النظام الإقتصادى الإسلامى سيجعل الأمة تستفيد من ثرواتها التى نهبها الغرب وتجعلها أمة منتجة وليست سوقاً لمنتجات أعدائنا ونظام الحكم فى الإسلام الذى هو نظام وحدة سيوحد الأمة كلها فى دولة واحدة وبالتالى سيجد الغرب نفسه أمام دولة عملاقة لايقدر أن يرفع نظره فى وجه حاكمها وليس كما تعودنا فى ظل الأنظمة الحالية التى فتحت للغرب بلادنا يعربد فيها ويهلك الحرث والنسل. إن صياغة الدستور تعتبر مصيرية الأن ، لأنها تمثل صراعاً بيينا وبين الغرب ، فإما أن نستعيد سلطاننا الذى سُلب منا أو نُبقى عليه بيد الغرب يتحكم فينا كيف يشاء ، وبعد الثورات التى قام بها أبناء الأمة بسواعدهم وضحوا فيها بحياتهم لايجوز بأى حال من الأحوال أن تذهب هذه التضحيات سدى ليقطف الغرب هو الثمرة ونشكو نحن ضعف قوتنا وقلة حيلتنا لأن الأمة الأن فى مرحلة التمكين لا الإستضعاف .

 لقد خرجت الأمة عن بكرة أبيها إلى صناديق الإقتراع لتقول نعم للإسلام بإختيارها الحركات الإسلامية ممثلة عنها ، وهذا التوجه من الأمة الجارف نحو الإسلام يفرض على من وقع عليهم الإختيار أن يفهموا الأمة ولايخذلوها فيباشروا تطبيق الإسلام كما أمرهم ربهم " الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ " الحج 41. إننا نهيب بإخواننا فى الحركات الإسلامية الذين يتصدرون المشهد السياسى اليوم ألا يكونوا هم المحلل لدساتير أنظمة الضرار الموجودة والتى مازالت تحكم بعد الثورات ، لأن هذه الدساتير قد طُبقت علينا بالحديد والنار ولم يكن لها أى شرعية ، والأن يحاول الغرب أن ينتزع شرعية منكم لهذه الدساتير بعد تعديلها ليبقى الوضع على ماهو، فلاتكونوا الموقعين عن الغرب فى دساتيره بل كونوا الموقعين عن رب العالمين فى دستور مصدره الكتاب والسنة لاغير حتى ننتزع سلطاننا من يد أعدائنا فيعزنا الله بإسلامنا.

 " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" المائدة 50.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز