نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
متى انتصرت أمريكا؟

ما يجري اليوم من تحولات جذرية في العالم، وعلى الأخص منه، في ما يطلقون عليه اسم الوطن العربي تحت مسمى الربيع العربي، يقوده الأطلسي وقوامه الرئيس، بالطبع، هم الأمريكان، ويعتقد البعض، غافلاً أو متجاهلاً، أن النصر هو حليف أمريكا فيه، أو أنها انتصرت فيه.

 ويـُقصد بالجذري، ليس لجهة سقوط بضعة أنظمة كرتونية عربية هشة ومتداعية، أصلاً، وكانت في الجيب و"العبّ" الأمريكي، ولكن لجهة انبثاق وصعود قوى جديدة على الساحة الدولية أثبتت قوة، ومراساً، وحنكة دبلوماسية، وسياسية، وعسكرية، خارقة، وأصبحت في قلب المعادلات الاستراتيجية الدولية الجديدة، وسوريا، طبعاً، ليست استثناء في هذا المجال، بل لعلها الرحم الطيب الذي احتضن ولادة تلك القوى الدولية الجبارة الصاعدة، التي ستوقف، فعلاً، آلة القتل الدموية الأطلسية المتوحشة التي تتنقل من مكان لآخر في العالم، والتي-أي القوى- جبـّت، كلياً، ما قبلها من واقع استراتيجي عقيم وسقيم تفردت به الولايات المتحدة.

وكانت سوريا، وربما بمحض صدفة استراتيجية لم يقدرها فريق المحافظين الجدد، سبباً في إعطاء الحياة والروح والوجود للأقطاب العالمية الجديدة التي خرجت من رحم هذه المعمعة الحامية. والسبب، في تقديرنا، في النجاح النسبي للأطلسي، فيما عرف بالربيع العربي، في كل من تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، هو في عمالة وتبعية وارتهان تلك الأنظمة القزمة والهرمة لأمريكا، من جهة، وفي الهشاشة البنيوية العميقة لها، من جهة أخرى مع جـُبن وهلع وهزال شخصي لزعمائها وفرارهم وانسحابهم مذعورين تحت وطأة القصف الإعلامي المركز واهتزاز شخصياتهم ونفسياتهم، وتنحيهم، وتخليهم عن مسؤولياتهم، بكل بساطة استجابة لدعوات صحفية وإعلامية غربية من مجرد ناطقة باسم هذه الخارجية أو تلك عبر التلويح والتخويف بأمر ما، أكثر مما كان في شجاعة وعبقرية وحنكة الأمريكان وحلفائهم الأعراب الذين قدموا تلك البلدان على طبق من ذهب للسياسات الغربية ووضعها في مداراتها الاستراتيجية.

ومن هنا، ومن واقع كون تلك الأنظمة من أوثق حلفاء أمريكا، فقد باتت المعادلة في الاستراتيجيا الدولية المعاصرة، أن الخاسرين، عملياً، هم أمريكا، وكل من يقفون ويتواجدون بالخندق والمعسكر الأمريكي، ويهللون، ويراهنون ويعوّلون عليها، ومن سيسقط بالتالي، وحكماً، ليس أعداء أمريكا التاريخيين في المنطقة وغيرها بل هم حلفاؤها بالتحديد. والحديث عن هزائم وخسارات أمريكا طويل ومرير فقد حدث هذا في غير مكان، وفي التاريخ القريب جداً، بدءً من فييتنام، مروراً بلبنان والعراق، وأفغانستان وحروب الموز في الجمهوريات اللاتينو-أمريكية وعلى رأسها كوبا وفنزويلا، وليس انتهاء بالهزيمة الأخيرة المذلة والمهينة على أبواب دمشق في حملة الخريف العربي الظالمة والجائرة ضد سوريا. وأضحى التاريخ الأمريكي، واقعاً، عبارة عن سلسلة من الهزائم والانكسارات والانهيارات الاقتصادية المدمرة المتكررة.

ولن نذهب حد القول بأن أمريكا دولة ضعيفة وهزيلة، كلا فهي واحدة من أعظم الإمبراطورية العسكرية والقوى التي عرفها التاريخ، ولكن حين توضع هذه القوة الخارقة بيد مجموعة من الحمقى والمهرجين والأغبياء الطائشين وينعدم أي بعد ومضمون أخلاقي وإنساني لتلك القوة الضاربة فإنها ستتحول إلى آلة للتدمير الذاتي عبر المغامرت الحمقاء والتصورات البلهاء والجهل المطبق بحقائق التاريخ والجغرافيا، وتبدى ذلك جلياً حين خلط الأبله الأكبر جورج بوش الابن بينAustria أي النمسا، وAustralia في أحد تصريحاته الصحفية الشهيرة وكانت نكتة ذاك الموسم السياسية بكل المقاييس. وأما في الحرب العالمية الثانية وإنزال النورماندي الشهير فقد حصل بعد أن كان الجيش الأحمر الروسي قد لقن هتلر الدروس القاسية ووصل إلى برلين وكان دخول الأمريكان تلك الحرب مجرد تحصيل حاصل.

 وأما إلقاء القنبلة الذرية على اليابان فهي دليل عجز وإفلاس ويأس وهزيمة أخلاقية مجلجلة ومحرجة وعار أبدي سيلاحق الأمريكان طويلاً، أكثر مما هي نصر عسكري على مجرد مدن آمنة وشعب أعزل. واليوم، طالما أن الغرب والأمريكان تحديداً هم في صف هذا الربيع العربي، فالهزيمة المذلة والقاسية والفوضى والخراب هو مآله الوحيد وهو نتيجته، وهذا الكلام ليس خيالياً، ولا رغبوياً، أو انفعالياً، ولا أضغاث أحلام صيفية لأعداء الربيع العربي الكثر وأنا واحد منهم. فقد حلت الفوضى والخراب والدمار في بلدان هذا الربيع، وعادت عشرة قرون إلى الوراء على الأقل، عبر امتطائه من قبل قوى سلفية ماضوية، بتواطؤ أمريكي صرف، وإن لم يكن هذا تقهقراً وهزيمة وخسارة فما عساه أن يكون؟ وعلى الجانب الآخر لم يتعرض الروس والصينيون لأية هزيمة في أية حرب معاصرة، بل لم يكونا أصلاً قوى استعمارية كما هو حال الغرب الأورو-أمريكي الإمبريالي الاستعماري الإجرامي الذي يقود الربيع العربي ويسعى لـ"تحرير" الشعوب اليوم. هكذا.

 بل على العكس فقد كان الروس وراء القضاء على امبراطورية بونابرت العسكرية وتوسعاته الامبراطورية، وكانوا السبب في القضاء على إمبراطورية هتلر الجرمانية النازية المقدسة، وأما انسحاب الروس من افغانستان، وهذا سؤال سيقفز لذهن أي قارئ لهذه السطور، فلم يكن هزيمة عسكرية، بفدر ما ارتبط بهمروجة "البريسترويكا" للجاسوس والعميل غورباتشيف، وكان تواطؤاً متعدد الأركان لتعويم وتقديم الوهابية وتظهيرها إيديولوجيا كقوة إقليمية للقضاء على كل حركات التحرر اليساري والماركسي في العالم، وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، المجال الحيوي الأهم لأمريكا والتي تسعى اليوم لإحكام السيطرة عليه عبر همروجة الربيع العربي، وتنصيب القوى الماضوية المتمثلة بالتلمودية الفاشية الوهابية على مقاليد الحكم في بلدان الربيع العربي. امريكا لا تمتلك سوى سلاح الإعلام، والجعجعة الفارغة، والثرثرة والهراء والتهريج المسرحي الخاوي ولغة التهديد والوعيد والتهويل والتخويف، وهذه ليست أسلحة استراتيجية وفاعلة تساهم في حسم أي نزاع سوى مع الجبناء.

 فلم ولن تنتصر أمريكا في أي من معاركها، وما جلبته لهذه المنطقة من دمار وخراب وكوارث جمة عبر خدعة الربيع العربي وضحايا هي أكبر من أن تحصى، وستعود عليها بالفشل الذريع والخسائر المهينة والمذلة وصارت نذير شؤم حقيقياً. وأول هذه الخسائر، والفشل الكبير، انحسار ريادتها ودورها العالمي كقطب أوحد صاحب اليد الطولى والصوت الأعلى، وبروز سوريا كقوة إقليمية كبرى لا تهزم، وعصية على السقوط، جنباً إلى جنب، مع ولادة عالم متعدد الأقطاب ركيزته عملاقي العسكرة والاقتصاد المارد الروسي والتنين الصيني، وهذه أول خسارة فادحة وتقهقر استراتيجي أمريكي مريع لم يـؤخذ جيداً في حسبان جهابذة الربيع العربي، وذلك بعد أن انفردت أمريكا على عرش الكون لعقدين من الزمان.

 ولو كان استراتيجيو أمريكا الأغبياء على دراية بمآلات هذا المخاض وسيناريو الرعب والكابوس الاستراتيجي الفظيع الذي نسف استراتيجياتهم على نحو شامل، لما فكروا بدحرجة ورمي كرة الربيع العربي مرمى وشعاب الوطن السوري الكبير والعظيم. والآن أعطونا اسم أية حرب أو معركة انتصرت فيها أمريكا.

 ليبقى السؤال قائماً، متى وأين انتصرت أمريكا؟ لا بل من يعول وينتظر انتصارها في أي زمان ومكان؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز