مجدي عبد الهادى
m.magdy54@gmail.com
Blog Contributor since:
14 March 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورة مصر الدائمة 6

إنتفاضة 25 يناير : الشعب يعود إلى الصورة

 واليوم لا يمكن الحديث عن الوفد وحده كأُحفورة سياسية، بل عديدة هى الأحزاب السياسية التى ستجد نفسها قريباً على ذات الطريق، خاصةً تلك التى ربطت نفسها بالمنظومة السياسية التى كونها أنور السادات، والتى لا تختلف كثيراً في مضمونها عن صيغة سوريا المُتمثلة في حزب قائد وأحزاب تابعة مرتبطة !! فهى تعددية وهمية، تؤكد وهميتها نشأتها ذاتها، فمن إتحاد اشتراكي نظمته الحكومة، إلى منابر، إلى أحزاب خرجت من رحمه، نعم كونتها شخصيات، كثير منها نزيه ولا غبار عليه، إلا أنها قد تم إختراقها أمنياً – وربما منذ اليوم الأول - لتصبح مجرد أفرع للحزب الوطني الديموقراطي القائد!!

هذه الأحزاب التى لم تعد تُقنع أحداً، هى من قامت بإحتواء أي معارضة حقيقية للنظام المُباركى على مدى ثلاثين سنة مضت، بل وأحياناً قامت بتسليمها لأمن النظام، قصداً أو عفواً، لا فرق !! ولم تكن بالظاهرة الغريبة أن تنشق كثير من هذه الأحزاب لتخرج من رحمها أحزاب أخرى بذات الإيديولوجيات، ولكن كقوى مُعارضة حقيقية، وأشهر هذه التجارب، تجربة حزب الكرامة المُنشق عن الحزب العربى الناصرى .

ولما لم تُجد هذه التجارب ذات الطابع النخبوى والإيديولوجى الضيق في مواجهة النظام الحاكم، كان أن نشأت الحركات الإحتجاجية الرافضة، ذات الطابع الواسع، التي انضوت تحت لواءها كافة القوى السياسية بكافة ألوانها، خصوصاً تلك التى وجدت أرضية مشتركة للعمل السياسى، في الدعوة لنظام ديموقراطى، يكفل الحرية وتداول السلطة، بعيداً عن برامجها الأشمل وإيديولوجياتها، وحتى صراعاتها القديمة، فتكونت حركات كالحركة المصرية للتغيير "كفاية"، وبعدها الجمعية الوطنية للتغيير، وحركات أخرى أقل أهمية . وقد تمكنت هذه الحركات من تحريك المياه الراكدة في السياسة المصرية، خاصةً بعد أن بدأت توجه نقدها المباشر لرئيس السلطة، وإن كانت قد عجزت عن إنجاز تغيير حقيقي يطال البنية السياسية في مصر، فضلاً عن مجابهة النظام الحاكم بشكل يؤثر عليه تأثيراً حقيقياً، ناهيك عن إرداءه قتيلاً !!

ولم يكن هذا بالغريب، فرغم التغيير الهيكلى الذى حققته، إلا أنه قد بقت في العمق ذات الأمراض السياسية القديمة، فالصراعات التافهة، والإنقسامات المُستمرة نخرت بنيتها، بما أعجزها عن إنجاز تحرك حقيقى يُقنع الجماهير ويشعرها بالمصداقية، فيجذبها للنزول للشارع . كما أنه على المستوى الإجتماعى الأعمق، لم يكن أي من القوى السياسية الموجودة في مصر يعبر عن طبقاتها بشرائحها المختلفة، فالبنية الإقتصادية التابعة والريعية المُفككة في مصر، لا يمكن أن تنتج مُجتمعاً مُتجانساً وسليماً من الوجهة الطبقية، إذ أن بنية إقتصادية مُختلة، تنتج حتماً بنية إجتماعية أكثر اختلالاً .

ما يجعل أحزاباً مُستوردة، أو مُستنبتة صناعياً أو مُغيبة ومُحتفرة تاريخياً، بعيدة وغائبة تماماً عن تمثيل هذا المشهد المُعقد، يعيش أغلبها على ذكريات الماضى، مُقتاتاً على خطاب عفى عليه الزمن !! والحق أن الكثير كُتب ويُكتب وسيُكتب عن إنتفاضة 25 يناير الأخيرة، فمن مُتحدث عن ثورة على سياسات الإفقار والتهميش، إلى مُتحدث عن ثورة على كامب ديفيد ومُستتبعاتها، إلى خائض مُبتذل في الحديث عن التوق للحرية والديموقراطية...إلخ . ولا يمكن بحال استبعاد أياً مما سبق من الصورة، التى تتسع واقعياً لهذا كله، إذ أن كافة هذه الظواهر المُستثيرة للغضب والإحتجاج، ومن ثم الثورة موجود، وقائم على رؤوسنا، جاثم فوق صدورنا، إلا أن المشكلة الحقيقية هى في التوصيف الدقيق لأصل هذا كله، أي بإختصار القاعدة الإجتماعية للنظام، وطبيعته العامة التى ترعى حياتنا بشكلها الراهن .

 فلم يكن الإنقلاب الساداتي في 15 مايو، مجرد صراع في كواليس السلطة بين مجموعة أفراد يتنازعون السلطة داخل ذات المنظومة والرؤية، بل كان في حقيقته ثورة مُضادة مدعومة داخلياً وخارجياً لحرف مسيرة كاملة عن طريقها، والدفع بها نحو وجهة جديدة، تتسق وتتلائم ومصالح الفئات والجهات الداعمة لتلك الثورة المضادة . فأنور السادات، المُعجب بالنازى في شبابه، والمُرتزق من رواتب المخابرات السعودية، والمهزوم نفسياً أمام البريق الأمريكى الزائف، لم يكن ليمضى بمصر على ذات الوجهة التى قادها نحوها عبد الناصر، المُرتبط بتراب الأرض وعرق الكادحين وكبرياء الوطنيين . جاء السادات – وبدعم من آل سعود والملكيات العربية الرجعية – لـُيلحق مصر بالفلك الأمريكي، وينهى المسيرة الإشتراكية، والتصنيعية عموماً، مُنظماً لإنفتاح إستهلاكي أغرق البلاد والعباد في مستنقعات التبعية والريعية والإحتكارية والإستهلاكية، مُستتبعةً بتوابعها الطبيعية من فقر وإستبداد وجهل وأصولية ومرض وظلم اجتماعى ...إلخ ، بعد أن كانت مصر على طريق إرتقاء مراقي الدول الصناعية وصفوف العالم الثانى على الأقل .

 هذا الإنفتاح الذى أنهى كافة إنجازات الثورة، وأعاد مصر لحالة التبعية مرة أخرى، بفتح الأسواق، والتضييق على القطاع العام لتدميره ثم خصخصته فيما بعد؛ لتتضائل معدلات نمو القطاعات الصناعية والزراعية، لحساب القطاعات التجارية والخدمية، التى يهواها قطاعنا الخاص . وهو ما تظهره إحصاءات تبين لنا مدى الإختلال الذى أصاب هيكل الإقتصاد المصرى، الذى تقلص فيه نصيب قطاعات الزراعة والصناعة في الناتج المحلي الإجمالي لحساب القطاعات الخدمية، كالسياحة والنقل والتخزين والإتصالات والعقارات، بحيث بلغ نصيب الأخيرة منه لعام 2005/2006 حوالى (56 %) .

 وهو ما جعل الإقتصاد المصرى إقتصاداً ريعياً، بحكم طبيعة القطاع الخدمي غير الإنتاجي، فلا غرو أن زادت نسبة الموارد الريعية في الموازنة المصرية، فالسياحة والبترول وقناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج، هى المصادر الأساسية للدخل القومي، ومعها المعونات الأجنبية وفى مقدمتها الأمريكية [24]؛ بما جعل مصر خاضعة لتذبذبات السوق الدولية وسياسات الدول الأجنبية – وتهديداتها [25] ومشاكلها [26]- المؤثرة على هاته المصادر، فاستكمل إرتهان الإقتصاد المصري – فوق تبعيته الطبيعية الناتجة عن نشاط طبقة الكومبرادور المرتبطة بالإقتصاد الغربي – بالإقتصادات الدولية، وعزز من ناحية أخرى من سطوة السلطة المُستبدة التى لم تعد بحاجة ماسة للضرائب[27] لتمويل أجهزتها الأمنية التى تمارس من خلالها إستبدادها بالوطن والمواطن !! فلا غرابة إذن أن يغيب المواطن عن ذهن النظام الحاكم الذى لم يعد معنياً سوى برضاء سيده الأمريكى، داعمه الحقيقى فى مواجهة شعبه الذى أصبح عبئاً عليه .

هذا النظام بحكم بنيته ذاتها، وجد قاعدته الإجتماعية في تلك الشرائح الإجتماعية المُعتاشة على ذات نمط وجوده، والمرتبطة بذات سيده، كذا القادرة على تمويله داخلياً في مواجهة باقى المجتمع، فكان ذلك التزاوج الباطل والفج، ما بين السلطة والثروة، الذى تجاوز الحدود الطبيعية لشكل الدولة الطبقى؛ ليتحول النظام الحاكم فى مصر، وفي ظل تحطم كافة البُنى الاجتماعية، ودمار كافة القوى الوطنية، من أوليجاركية عسكرية [28] إلى كليبتوكراسية [29] مُكتملة المعالم، حيث تحكم عصابة تعمل على النهب المُنظم لموارد الدولة .

 هذه العصابة تتكون من بيروقراطية فاسدة وكومبرادور عملاء للغرب، إجتمعت فيما سمى بـ "الحزب الوطني الديموقراطي"، الذى أسسه عراب العصابة أنور السادات على مبادئ اللاوطنية واللاديموقراطية !! هذه العصابة لم توفر طبقة في مصر إلا واستنزفتها، وإن إختلفت وطأة وضراوة الإستنزاف كلما إرتفعنا بدرجات السلم الطبقي، حيث تزداد قوة الطبقة المعنية من جهة، كذا تصبح أقرب للسلطة، بما يجعلها حليفاً مُفترضاً يتوجب إكتسابه من جهة أخرى . فلا غرابة أن شملت إنتفاضة 25 يناير الأخيرة كافة فئات الشعب المصرى، وفي مركزها شباب الطبقة الوسطى، التى أُستبعدت في عهد مبارك جزئياً وكلياً من مواقع التأثير في السياسة والإقتصاد، مُخليةً مواقعها للسادة الجدد، المُتمثلين في رجال الأعمال عموماً، والمُرتبطين منهم بعصابة الحكم خصوصاً. هذا الطابع غير الطبقي لهذه الانتفاضة، وإن كان عنصر قوة، من حيث كونه يجمع كافة فئات الشعب، إلا أنه أيضاً نقطة ضعف نتيجة لتصدر الطبقة الوسطى المُتذبذبة والمُترددة للمشهد [30]، والتى لا تستطيع قيادة ثورة للنهاية، وهو ما يجعلنا لا نأمل من خلف هذه الثورة أكثر من مجرد تحسين المناخ السياسى، بما ييسر الطريق لممارسة ديموقراطية أوسع وتداول سلمى محدود للسلطة، وهذا طبعاً إن صدق الجيش وعوده !! فالجماهير الشعبية لم تستعد بعد – حقيقةً وحتى الآن – لثورتها الكبرى، كما أن حزبها الطليعي غير موجود؛ كنتيجة طبيعية لضعف التيار الإشتراكي، وتشتت قواه، كذا عدم مواتاة الظرف الدولي .

 خاتمــة 

 تُشكل كافة ثورات مصر في المائتي عاماً الأخيرة موجات مُتتابعة في مجرى ثورى واحد، يهدف للتحرر الوطنى الكامل غير المنقوص، من أى تبعية أجنبية مباشرة أو غير مباشرة، والحرية الشعبية الكاملة التى تدك كافة معاقل الظلم والإستعباد، والحكم العادل الصالح المعبر عن كافة جماهير الشعب . وهى مسيرة طويلة إقتربت من أهدافها حيناً وابتعدت عنها أحاييناً كثيرة، ولكنها جميعها صنعت تراكماً ساعد في الإقتراب من مثلها الثورى شيئاً فشيئاً، مهما بدا على السطح من تراجع ... ولا زالت المسيرة مستمرة ... إنتهى

 [24] وهى جزء من عملية ربط بعض قطاعات البرجوازية الكبيرة فى مصر بأمريكا بخلاف إرتباطات السلطة السياسية نفسها، وبينما أكد الكاتب يوجين بلاك أن "برامج المعونات الخارجية الأمريكية توفر أسواقاً هامة للمنتجات الأمريكية وتيسر إيجاد أسواق جديدة للشركات الأمريكية"، وما يؤكده الخبراء الإقتصاديون من أن "المعونة الأمريكية ليست غير قروض للشركات المصرية كى تشتري بها منتجات أمريكية"، وهذا بالطبع علاوةً على الامتيازات السياسية والعسكرية العديدة، كـ "السفن النووية الأمريكية التى تمر بقناة السويس منذ عام 1984 بقرار سياسى من الحكومة المصرية رغم معارضة الخبراء"، نقول رغم هذا كله، نجد المخلوع مبارك يشكر الولايات المتحدة ويؤكد أن مساعداتها ليست مُغرضة وأنها لا تأخذ شيئاً مقابلها !!

 [25] وهو ما سبق وفعلته قطر – التى بالكاد يتجاوز عدد سكانها المليون ونصف - مثلاً عندما هددت مصر بترحيل العاملين المصريين بها !!

 [26] وهو ما ظهر مع تطور الوضع الأخير في ليبيا وعودة كثير من المصريين وما يحمله ذلك من مشاكل اقتصادية .

 [27] فقد أصبحت الضرائب ضرورية فقط لتمويل الإحتياجات التى تدخل ضمن الرفاهية والتبذير كالدعم الاجتماعى من منظور الحكومة الليبرالية التابعة التى ترى الأمن السياسى أولويتها الأولى !!

 [28] حكم فريق ضيق من قيادات سياسية أوعسكرية أو مالية .

 [29] حكم اللصوصية .

 [30] يبقى تعويلنا على عناد الشباب لاستكمال أهداف الثورة !!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز