مجدي عبد الهادى
m.magdy54@gmail.com
Blog Contributor since:
14 March 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورة مصر الدائمة 5

ثورة 1919 : موجة 1917 [17] الثورية والبرجوازية الجبانة

 وهى نفس البرجوازية الصغيرة التى خرجت على حزب الوفد، بعد إنسداد أُفق ثورة 1919م، وتكشف قيادة البرجوازية الكبيرة والمتوسطة المُمثلة بقيادة الوفد عن وهم وزيف كبير، فانشقت قياداته بأحزاب كثيرة، تعكس مدى التفكك والإهتراء الذى أصاب قيادته، التى سبق وركبت ثورة لم تصنعها[18]، بل ركبتها ثم كبحت جماحها حفاظاً على مصالحها [19] وعجزاً عن مجابهة المُحتل مُجابةً حقيقية .

 هذه البرجوازية الكبيرة التى ترجع أصولها لطبقةٍ من كبار المُلاك الزراعيين - الذين لا نُخاطر أو نُجازف علمياً - بوصفهم بالإقطاعيين، حتى وإن إعتدنا تسميتهم كذلك، ممن إعتادوا الإعتياش على فوائض محاصيلهم الزراعية المُتمثلة غالباً بالقطن، أو من الإيجارات المُحصلة عن أراضٍ نادراً ما يرونها . هؤلاء المُلاك الزراعيين كانوا مرتبطين بحكم النشأة والصيرورة والمصالح بتقسيم العمل المفروض دولياً على مصر، ما ربط مصالحهم القريبة ببريطانيا كمستهلك أول للقطن المصـرى .

 وإذا كان التطور الإوربى قد أنجز برجوازيته بعيداً عن الإقطاعية التقليدية، وفي مواجهتها، بما عارض مصالح الطبقتين ببعضهما، فقاد تلك البرجوازية للثورة في النهاية، والقضاء الجذرى على النظام الإقطاعى، لبناء مجتمعها الجديد الذى يتناسب ومصالحها، ويستوعب مطامحها، فإن الوضع في مصر كان وضعاً شاذاً وشديد الغرابة، إذ نشأت البرجوازية المصرية من رحم طبقة الملاك الزراعيين – الذين يلعبون لدينا دور الإقطاعيين في أوربا – بما جعل الثورة البرجوازية التى تقوم بتحرير العلاقات الإنتاجية وترسي دعائم المجتمع الجديد بطابعه البرجوازى المتوائم وضرورات التحديث الإنتاجى والإقتصادي والإجتماعي والسياسي والثقافي، ضرباً من المحال، إذ لم يكن الرأسمالى تابعاً أو نابعاً من المالك الزراعى وحسب، بل إن كثيراً من الفوائض الصناعية والتجارية كانت تعود لتصب في منابع المالك الزراعى، بما يقويه وينميه، بدلاً من أن يسحب من أرضيته ليضعفه، كما يفترض في أى تطور طبيعي لبرجوازية ناهضة !!

 هذه البرجوازية أخذت دفعة قوية بالحرب العالمية الأولى التى إضطرت إنجلترا للسماح ببعض النشاط للصناعة المصرية - لتوفر من خلالها دعماً لوجيستياً لمجهودها الحربى – فرفعت يدها الثقيلة عنها؛ ما نمى قطاعاً صناعياً وبرجوازية صناعية، تسعى بالضرورة لحيازة سوقها الخاص، الذى يكفل لها النمو والتوسع، وهو ما دفعها في طريق السعي للإستقلال الوطنى، الذى يعنى أول ما يعنى - برجوازياً – إستقلالها بسوقها الوطني، الأمر الذى تجلى في ظهور قيادات إقتصادية تسعى لإستقلال الإقتصاد المصرى، كان على رأسها طلعت حرب، الذى سعى لإنشاء بنك مصر، وما تبعه من شركات، معانياً في سبيل ذلك الأمرين من كثير من المُلاك الزراعيين وكثير من الرأسماليين الذين لم يكن يعنيهم ذلك الإستقلال في شئ !!

 إتحدت هذه الطبقة مع الشرائح الوسطى والصغرى من التجار، والبرجوازية الصغيرة والفلاحين، ممن ضجوا من الظلم والإستغلال الإستعماري البريطانى؛ للمطالبة بالإستقلال بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى؛ آملين بوفاء الإنجليز بوعودهم، رداً لجميل تعاون مصر معهم بالمال والرجال في المجهود الحربى . فلم تكد الحرب العالمية الأولى تنته، حتى بادر جمع بقيادة سعد زغلول بتكوين وفد للدفاع عن قضية مصر، وقاموا بجمع توقيعات من كافة المدن والقرى والنجوع، لإثبات صفتهم التمثيلية والنيابية عن الشعب المصرى، للمشاركة في مؤتمر الصلح في باريس، والمطالبة بحق مصر في الاستقلال، فما كان من إنجلترا إلا إعتقال سعد زغلول وبعض رفاقه، ونفيهم إلى جزيرة مالطة؛ ما آثار الغضب الشعبى، فإنفجرت الثورة في كافة أنحاء مصر، بإشعال الطلاب لشرارتها بتظاهراتهم التى إتسعت وإمتدت خلال يومين من جامعة القاهرة إلى الأزهر، وأخيراً كافة المدن والقرى، وأضرب عمال الترام مطالبين بزيادة الأجور وتخفيض عدد ساعات العمل، وتبعه إضراب لعمال السكك الحديدية، بل وقاموا بإتلاف محولات حركة القطارات، وقطعوا خطوط السكك الحديدية، ومثلهم فعل الفلاحون، ثم أضرب سائقو التاكسي وعمال البريد والكهرباء والجمارك والمطابع والفنارات والورش الحكومية، ثم تطور الموقف لحفر الخنادق إستعداداً لمواجهة القوات البريطانية والشرطة المصرية، كما قاموا بالإعتداء على المحلات الأجنبية وممتلكات الأجانب ومركبات الترام، وهاجموا أقسام الشرطة واستولوا على الأسلحة منها . وقد واجهت القوات البريطانية ومعها الشرطة المصرية – التى أثبتت بفعل أغلب رجالها أنها مجرد كلب ذليل لكل حاكم[20] - هذه الأعمال بوحشية شديدة [21]، فقررت محاكم عسكرية، وأحرقت قرى ونهبت ممتلكات الفلاحين، ويُذكر أنه في يوم واحد قتلت أكثر من أربعمائة من البدو، فلم توفر من أساليب العنف شيئاً، بما في ذلك إغتصاب النساء .

 وفي النهاية فشلت إنجلترا في إخماد الثورة، فعزلت الحاكم البريطاني، وأفرجت عن سعد زغلول ورفاقه، وسمحت لهم بحضور مؤتمر الصلح بباريس لعرض قضية إستقلال مصر، الأمر الذى لم يؤت ثماره المرجوة، مُثبتاً مدى النفاق الغربي، وكذب الأفاق ويلسون صاحب المبادئ الأربعة عشر، الذى أعلن اعترافه بالحماية البريطانية على مصر . ولما خابت آمال المصريين في المفاوضات والمؤتمرات، عادوا للثورة مرة أخرى، وقاطعوا البضائع البريطانية، ما دفع بريطانيا لنفى سعد زغلول مرة أخرى، إلى جزيرة سيشل في المحيط الهندي هذه المرة؛ ما أجج الأمور أكثر، وأجبر بريطانيا في النهاية على التسليم ببعض المطالب، فكان ما يلى :

 1. إلغاء الحماية البريطانية عن مصر، وإعلانها دولة مُستقلة، بتصريح 28 فبراير 1922م .

 2. صدور دستور 1923م، كأول دستور مصرى .

 3. تشكيل وزارة وطنية برئاسة سعد زغلول . ورغم هذا الإقرار بإستقلال مصر، فقد إحتفظت إنجلترا بقواتها عند قناة السويس، حتى تم ترحيلها نهائياً عام 1956م .

وهكذا بدأت مرحلة جديدة، عرفت مصر فيها درجة محدودة من الحرية، التى تم إغتيالها أغلب الأوقات، بحكومات الأقليات المدعومة من القصر، والمندوب السامى البريطاني، وبمشاركة البوليس السياسى – أمن الدولة حالياً -، فلم يحكم الوفد حزب الأغلبية، سوى سبعة أعوام ونصف، نصفها تقريباً بإجبار الإحتلال البريطاني للملك، الذى كان قد غير وجهته أثناء الحرب العالمية الثانية تجاه ألمانيا النازية . ورغم أن الثورة بالمُجمل لم تحقق هدفها الأساس، وهو الإستقلال الوطنى الكامل، والحقيقى غير المنقوص، كذا لم تظفر مصر بديموقراطية حقيقية كاملة، وهو أمر طبيعى، إذ لا تنفصل قضية الديموقراطية عن قضية الإستقلال الوطني، فلا يمكن أن تتحق ديموقراطية حقيقية مع وجود قوات أجنبية ومندوب سام على أرض الوطن، مع ملك لا يردعه رادع، يستخدم بوليس سياسى إجرامي لقتل وتعذيب معارضيه، وأحزاب أقليات مدعومة بقاعدة إجتماعية قوية من إقطاع مُستأثر بأغلب الدخل القومى، فيحصل نصف بالمئة من الشعب على نصف الدخل القومى السنوى، نقول بالرغم من هذا كله، فقد حققت ثورة 19 مُمثلةً فى حكومات الوفد بعض الإنجازات وفقا لإمكاناتها، وما سمحت به ظروفها وطبيعة البنية الطبقية لقاعدة الوفد الإجتماعية، خاصةً على المستويات القيادية، ومن هذه الإنجازات : - 1. قانون رفع السخرة وإلغاءها عام 1928م [22]. 2. قانون إنشاء بنك التسليف الزراعي عام 1930م . 3. قانون مجانية التعليم الإبتدائي والثانوي والفني عام 1950م .

 4. قانون حرية الصحافة والمطبوعات عام 1936م .

 5. قانون تمصير البنوك وإلزامها بتشغيل نسبة معينة من المصريين عام 1936م .

 6. قانون إلغاء الإمتيازات الأجنبية عام 1937م .

 7. قانون تمصير الدين المصري وإلغاء صندوق الدين عام 1942م.

 8. قانون إلغاء الضرائب على صغار الملاك، وفرض ضريبة تصاعدية على الملكيات الكبيرة عام 1942م .

 9. قانون عدم جواز الحجز على المرتبات عام 1951م .

 10. قانون إستقلال القضاء عام 1934م .

 11. إصدار بروتوكول الجامعة العربية عام 1944م .

 12. قانون تنظيم هيئات البوليس عام 1944م .

 13. قانون إنشاء الجمعيات التعاونية عام 1944م .

 14. قانون منع زراعة الحشيش عام 1944م .

 15. قانون كادر العمال عام 1944م .

 16. قانون تقرير سياسة الحياد في الصراع الدائر بين القوى الكبرى عام 1950م .

 17. قانون تشجيع المقاومة المسلحة لقوات الإحتلال بمنطقة القناة وحمايتها ومدها بالأسلحة والذخيرة عام 1951م .

 18. قانون تمصير البنك الأهلي عام 1950م .

 وغيرها من إنجازات أخرى أكبر أو أقل أهمية، لم تستطع أن تحرك تغييراً جذرياً في المجتمع المصرى، بحكم تحرك الوفد ضمن منظومة أكبر منه، هو جزء منها، لم يحاول الإنقلاب عليها، لإفتقاره للقوة من جهة، بعد أن سحبت القوى السياسية الجديدة، كالإخوان والشيوعيين، وباقة الأحزاب المُنشقة عنه، من رصيده الشعبى، ولأنه محكوم بحكم قيادته (الباشواتى) بالمصالح الغالبة للمنظومة ذاتها من جهة أخرى . وهو الأمر الذى وصل لأقصاه في السنوات الأخيرة للحكم الملكى، مُتجلياً بوصول فؤاد سراج الدين وأشياعه لقيادة الوفد؛ ليزداد الحزب إنفصالاً عن جماهير الشعب، بعد أن عملت عوامل التبلور والطرد الطبيعية بداخله لتحوله لحزب متجانس للبرجوازية الكبيرة، وهو الأمر الذى كان غالباً على الحزب وعلى خياراته وقياداته منذ اليوم الأول، وقد تجلى بأوضح صوره، في محاربة سعد زغلول لأول حزب إشتراكى في مصر، مُتجاوزاً بحذاءه كافة إدعاءاته الديموقراطية، وتجلى مرة ثانية في رفضه الرد على رسالة لينين المؤيدة للثورة المصرية، وهو الذى كان في حاجة لأى دعم !! لهذا لا عجب في تحول الوفد لمجرد أُحفورة سياسية – في ظل التحولات الهيكلية التى أصابت البرجوازية المصرية – تصلح للمتاحف وكتب التاريخ، أكثر مما تصلح لأي شئ آخر، بحيث أصبحت عودته للحياة السياسية [23] أمراً مُثيراً للسخرية والتندر، أكثر منه شيئاً يمكن التعاطى معه بجدية .

 يُتبع

 [17] المقصود هو الموجة الثورية التى إجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الأولى في ظل تضعضع المنظومة الإستعمارية وفقدانها الإتزان، والتى بدأت بثورة 1917 البُلشفية فى روسيا.

 [18] بدأت إضرابات الطلبة منذ 1906م، وتعززت بإضرابات العمال وغيرهم، واستمرت في التوسع والتطور إلى إعتصامات فمصادمات مع الشرطة، حتى الوصول لتكوين تنظيمات إرهابية سرية مارست الإغتيالات السياسية بحق الخونة من المصريين المتعاونين مع الاحتلال، فطالت بطرس غالى باشا بنجاح عام 1910، ووصلت للخديوى عباس حلمى الثانى مرتين دون نجاح .

 [19] فقد ارتعبت قيادة الوفد من المدى الثورى الذى وصلته الثورة بإضرابات الطلبة والعمال، وسجلت لنا صياحها بصوت عبد العزيز فهمى متوجهاً للمتظاهرين "إنكم تلعبون بالنار..دعونا نعمل فى هدوء، ولا تزيدوا غضب الإنجليز".

 [20] وهذا الأغلب – فبالشرطة ككل مكان آخر رجال من أشرف أبناء الوطن - هو ما يقودنا للقول بوجود أزمة هيكلية – يتوجب دراستها والتعامل معها لحلها جذرياً - يمنظومة الشرطة المصرية عموماً، ومنهجية تكوينها، بحيث لا يبقى لدى أغلب رجال الشرطة في مصر ولاءاً للوطن أو للشعب، بل للسلطة والمكاسب (المماليكية) التافهة .

 [21] ولم تكن هذه هى المرة الأولى التى تجابه فيها الشرطة مواطنيها المصريين بهذه الوحشية، فقد سبق وقامت وحدها بمذبحة العباسية إبان إضرابات عمال الترام عام 1911م، فتكتب جريدة اللواء "أحدث البوليس مجزرة في العمال، وداس الشعب فى ساحات المدينة بسنابك خيله، وأوسعه ضرباً وإغراقاً بالدماء وعامل الجمهور معاملة السيد لعبيده، وداس على القوانين، فلا نعلم لما نسكت نحن ونقف عند الحدود التى لا تقف عندها الحكومة والبوليس والشركة،...، هم يدوسون النظام وينتهكون حرمة القوانين ويعاملون الشعب معاملة العبيد، فلا نعلم نحن لماذا لا ندوس – ولو مرة وعلى الورق – على ذلك الظلم الفاضح والهمجية، ولذلك نقول للعمال إنهم يخيفونكم ويرهبونكم ويريدون التهويل عليكم لظنهم أنكم من طينة غير طينة العمال في أوربا، وأنهم إذا عاملوكم بالشدة جبنتم وخضعتم، وتستمر الشركة في حلب البقرة الحلوب، والبوليس يمسك رأسها تسهيلاً لحلبها"، ويرسل أهالى دمنهور برقية تقول "العدل يندب حظه وملاك الرحمة ينتحر على ربوة الهرم من إجراءات البوليس إزاء عمال الترام"، ومثلها من طنطا تقول "نطلب من ناظر الداخلية أن يعين بوليساً جديداً لمراقبة البوليس في أعماله، فقد أصبح الناس فى مصر بحاجة إلى الحماية.. وإلا اضطروا للدفاع عن أنفسهم"، وثالثة بتوقيع فلاح تقول "إن الشعب أصبح يكره البوليس لهذه الأفاعيل بعد أن كان يظن أن البوليس حماية له" - تاريخ الحركة الشيوعية فى مصر – د.رفعت السعيد

 [22] وهو الأمر الذى سبق وسعت إليه حكومة عرابى إبان الثورة العرابية!! عندما ألغت السخرة ومنعت إستخدام الكرباج .

 [23] التى بدأها بالمُشاركة في الثورة الساداتية المُضادة على ثورة يوليو الناصرية، ضارباً عُرض الحائط بكافة مُنجزاتها التى نقلت مصر من حال إلى حال، دون أدنى إهتمام بالصالح العام، بل فقط بدوافع الإنتقام والتشفي الناتجة عن مصالح ذاتية ضيقة؛ ليُسجل على نفسه أحقر أدواره، مُنهياً تاريخه كحزب، كان يوماً ما حزباً ثورياً يضع مصالح مصر فوق كل إعتبار، عندما كان يتزعمه النحاس باشا مثلاً، الذى لا تعدو مواقفه الوطنية الرائعة أن تكون آثراً لإستشعاره أعباء زعامته وواجباتها، أكثر منها نتاجاً لإيديولوجيا الوفد.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز