ماجد ضيف
maged_daif@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 February 2010

كاتب عربي من مصر

 More articles 


Arab Times Blogs
النهضــة لمن يستحقها ج3

        
                             (تهيئة المجتمع لصنع الحضارة وصيانتها)
    أحيانـًا تتوقف الساعات فى داخلنا فنتجمد ، وأحيانـًا أخرى تدور فينا عقاربها عكس الإتجاه فنتخلف ، وأحيانـًا نضع أنفسنا بما فيها من ساعات داخل مسخ من الآخر ، ولكننا فى كل الأحيان لم ولن نملك التحكم فى الزمن خارجنا فنعيد الماضى أو نستبقى الحاضر أو نلغى المستقبل ..

    إن منظومة القيم السائدة فى أى مجتمع أوعلى وجه الدقة الراسخة فى وجدان وأذهان الغالبية العظمى المؤثرة من أفراد أى مجتمع هى أخطر مما قد يظن البعض ، فهى التى تحكم أفعال المجتمع وردود أفعاله تجاه مختلف الأحداث ، وهى التى تتحكم فى أولوياته وأفضلياته بين ما يتاح أمامه من بدائل ، وهى بالتالى جديرة بأن تمنح صناع القرار فى دوائر السلطتين التنفيذية والتشريعية ما يحتاجونه من إجابات لدى صياغتهم لملامح حياة هذا المجتمع فى حاضره ومستقبله وإلا فالصدام بمختلف صوره قادم لا محالة بين السلطتين الحاكمتين والشعب المحكوم ، فنحن على سبيل المثال إذا كنا بصدد شعب متشبع فى أغلبه وجدانيًا وذهنيًا بقيم ومبادئ وأوامر ونواهى الشريعة الإسلامية فمن التناقض الموجب للصدام أن تقوم السلطة التشريعية فى هذا المجتمع بتشريع قوانين تبيح المحرمات فى أى صورة من الصور ثم أن تقوم السلطة التنفيذية تبعًا لذلك برعاية الرذائل وحماية أهلها بدعوى حرية السلوك المتولد عن حرية الرأى والإبداع ، والعكس بالعكس صحيح حيث من التناقض الموجب للصدام أن تقوم السلطة التشريعية فى مجتمع متشبع بالكثير من الرذائل والتفاهات بتشريع قانون مستمد نصًا وروحًا من الشريعة الإسلامية لضبط حرية الرأى والإبداع والآداب العامة ثم أن تقوم السلطة التنفيذية بقهر هذا المجتمع المنفلت على الإنضباط الشرعى الذى لايراه هذا المجتمع انضباطًا وإنما قيودًا على حرياته ، إلا أن هذا التصادم من الممكن تجنبه .. كيف ؟!

    قبل أن نتناول كيفية تجنب الصدام ينبغى علينا أولاً أن نتوقف للإجابة الحتمية على بعض التساؤلات باعتبار أن هذه التساؤلات وإجاباتها هى فى تقديرى البداية الصحيحة الوحيدة الجديرة بالوصول بنا إلى منظومة القيم الواجب توافرها فى المجتمع كى يكون مؤهلاً لصناعة الحضارة بل وصيانتها من التراجع والإضمحلال وربما الإندثار ، وإليكم التساؤلات : ــ
(1) هل هناك منظومة قيم واحدة ومحددة تناسب أى مجتمع بشرى ؟
(2) ماهو واقع منظومة القيم السائدة فى المجتمع المصرى ؟
(3) هل ينبغى وفق التحليل السابق على السلطتين التشريعية والتنفيذية الإنقياد المطلق لرغبات المجتمع حتى وإن تعارضت مع أوامر الشرع ونواهيه ؟
(4) ماهى نوعية الحضارة التى نطمح لإنجازها ؟ وهل السلطتان التشريعية والتنفيذية فى مصر راضيتان عن واقع المجتمع المصرى ومؤمنتان بأن هذا الواقع جدير بصناعة الحضارة وصيانتها ؟ وإذا كانت الإجابة بالنفى ..
(5) فكيف يمكن للسلطتين تغيير منظومة القيم بما يلبى طموحاتنا نحو إنجاز النهضة ؟ وهل الأصوب أن يكون هذا التغيير شامل أم جزئى .. فورى أم تدريجى ؟

    من المؤكد أن مفردات القيم المكونة فى إجماليها ــ لما أسميه بمنظومة القيم ــ واحدة فى جميع المجتمعات الإنسانية فى مشارق الأرض ومغاربها قديمًا وحديثـًا وإلى أن تقوم الساعة ، فالقيم والقيم المضادة هى واحدة فى كل مكان وزمان ، ولكن الذى يختلف من مجتمع لآخر بل وفى نفس المجتمع من زمن لآخر هو ترتيب هذه القيم داخل المنظومة ، وبصفة عامة فإن القيم يمكننا حصرها فى مجموعتين ، المجموعة الأولى هى قيم السمو ، والمجموعة الثانية هى قيم التدنى ، ومن المؤكد تاريخيًا أن الإنسان لو ترك وشأنه لطغت فى داخله قيم التدنى على قيم السمو ولكن دون أن تمحيها، من هنا كان لابد للسماء بحكمتها ورحمتها أن تبعث برسائلها إلى أهل الأرض لتذكرهم أن لهم خالق واحد ، وأنهم أكرموا وكرموا كبشر عما دونهم ( وأكرر عما دونهم ) من مخلوقات ، وأن هذا الإكرام والتكريم يتطلب منهم أن يكونوا بقيمهم وسلوكهم أسمى مما دونهم من مخلوقات .

    من هنا نستطيع البدء بأن قيم السمو هى دون شك كل ما فرض على بنى البشر عبر الشرائع السماوية من قيم ، وأن قيم التدنى هى كل ما نهى عنه البشر عبر تلك الشرائع ، إلا أن الواقع يفيد بأن الكثير من المجتمعات قد تقدمت رغم أنها حاصرت الأديان وحددت إقامتها داخل دور العبادة فيما أسمى بالعلمانية ، فى حين أن مجتمعات أخرى ترفع رايات الشرع فوق كل بقعة من أراضيها ولكنها فى مؤخرة التقدم الإنسانى ، فهل هذا الواقع يناقض توجهاتنا أم يؤكدها ؟ .. هذا ما نستكمله فى صحبتكم عبر مقالات قادمة إن شاء الله .. وعاشت مصر لنا وبنا وعشنا بمصر ولها ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز