مجدي عبد الهادى
m.magdy54@gmail.com
Blog Contributor since:
14 March 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورة مصر الدائمة 4

ثورة يوليو : الجيش يعيد المحاولة ويطيح بالإقطاع العميل

  وبعد سبعين عاماً، كانت محاولة الجيش الثانية، والتى سارت على ذات الخطى التى سارت عليها الثورة العُرابية، بإستثناء أنها حركت قواها العسكرية بسرية وبمعزل عن الشعب، حتى إستطاعت عزل الملك فاروق بعد إنقلابها الناجح ليلة 23 يوليو 1952م، ويكفى دليلاً على مدى التشابه بين الثورتين وإستمرار المباذل التى قامت لأجلها الثورة العُرابية، أن أول منشور للضباط الأحرار كانت أهدافه الأساسية ثلاث، وهى : -

1. القضاء على الإستعمار الأجنبي وأعوانه من الخونة .

 2. تكوين جيش وطنى قوى .

 3. إيجاد حكم نيابى سليم . فبالتمعن في الأهداف الثلاثة، نجدها - تقريباً – هى هى مطالب الثورة العرابية، والتى قدمها عُرابي لتوفيق يوم 9/9/1881م ! وقد تلقى الشعب المصرى حركة الجيش بالقبول والترحاب، إذ كان قد ضج من كم الفساد والظلم والإستبداد الذى عاشه في ظل النظام الساقط، الذى تجلى فساده في كافة المواطن والمواقع، حتى فيما يُعد قضايا قومية، كحرب فلسطين عام 1948م، عندما سُلح جيشنا المصرى بأسلحة فاسدة، تقتل جنودنا لا جنود العدو .

 كما رحبت كثير من القوى السياسية بإنقلاب الجيش، وعلى رأسها حركات ساهمت بمفرداتها في الثورة، كما كانت على علم مُسبق بتنظيم الضباط الأحرار وإستعداده للإنقلاب، وكانت على أهبة الاستعداد لمساندته، ومنها "الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى – حدتو"، والتى كان بعض أعضاءها أعضاءاً بتنظيم الضباط الأحرار كخالد محى الدين ويوسف صديق وأحمد حمروش وغيرهم، كذك "جماعة الإخوان المسلمين"، التى كان لها أيضاً أعضاءاً بالتنظيم، منهم كمال الدين حسين وعبد المنعم عبد الرؤوف وغيرهم . بينما رأت قوى آخرى، وخصوصاً من اليسار لمصرى، في إنقلاب الجيش، محاولة تم دعمها أميريكياً – ولا يعنى هذا بالضرورة العمالة، بل مجرد إلتقاء مصالح في لحظة زمنية ما – لقطع الطريق على الثورة الشعبية الكاملة، وذلك في إطار الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالى والشيوعى .

وقد نشأت الفكرة في عام 1938م في رؤوس كل من عبد الناصر وزكريا محى الدين وخالد محى الدين، وواصلوا جهودهم في صفوف ضباط الجيش ببطء وحذر لدعوة العناصر التى يتوسمون فيها الشجاعة والوطنية وكتمان السر، بغض النظر عن إتجاهاتهم السياسية والفكرية، وهو الأمر الذى حرص عليه جمال عبد الناصر، الذى أقام كثيراً من الروابط مع الإخوان المسلمين وحدتو، بل ويُقال بإنضمامه لكليهما في فترات مختلفة، إلا أنه رغم ذلك، حافظ على إستقلالية التنظيم، ولم يبال بتجانسه الإيديولوجى، وذلك تعجلاً لتقوية التنظيم والاستعداد للثورة . وفي 25 مايو 1949م، إجتمع الضباط الأحرار، وحددوا فترة خمس سنوات ليمكن القيام بثورة تطيح بالنظام كله، فكانت خطتهم القيام بالثورة عام 1954م، إلا أن نجاح التنظيم في الجيش هو ما دفع الضباط لتقديم ميعاد الثورة، بعدما تبدت قوتهم في إنتخابات نادي الضباط، التى تمكنوا فيها من تحدى الملك وفرض إرادتهم مرتين، الأولى عندما لم يستجيبوا لقرار تأجيل الانتخابات الذى أصدره الملك الذى كان يتوجس منها شراً، والثانية عندما رفضوا تعيين حسين سرى عامر مندوباً عن سلاح الحدود . وكرد فعل لهذا التحدى، قام الملك بحل مجلس إدارة النادى بتاريخ 15 يوليو 1952م، وهو ما حدا بالضباط الأحرار لتقديم ميعاد الثورة، بعدما وجدوا ظرفاً مناسباً – فعلى المستوى العام أُلغيت مُعاهدة 1936م وحدث حريق القاهرة وتفشى عدم الإستقرار السياسي، وعلى المستوى الخاص بالجيش كانت حالة الإحتقان الشديد ضد الملك - وألفوا من أنفسهم قوةً واستعداداً . وبعدما نجح إنقلاب الضباط ، قاموا بإعلان البيان الأول، والذى تضمن أهداف الثورة الستة الشهيرة :-

 1. القضاء على الإستعمار .

 2. القضاء على الإقطاع .

 3. القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم .

 4. بناء حياة ديموقراطية سليمة .

 5. بناء جيش وطنى قوي .

 6. بناء عدالة اجتماعية . وبعدها بدأت إنجازات السلطة الجديدة تتوالى، بما أكسبها الكثير من الشعبية والقبول، وكان منها ما يلى :-

 1. 26 يوليو 1952م – طرد الملك بعد تنازله عن العرش بناءاً على إرادة الشعب .

 2. 30 يوليو 1952م – إلغاء الرتب والألقاب .

 3. 1 أغسطس 1952م – إلغاء البوليس السياسي والقسم المخصوص بوزارة الداخلية، وفروعه في الأقاليم والمحافظات لإعادة الثقة بين الشعب والحكومة .

 4. 4 أغسطس 1952م – صدور قانون تطهير الإدارة الحكومية وقانون الكسب غير المشروع .

 5. 8 سبتمبر 1952م – صدور قانون الإصلاح الزراعي .

 6. 10 سبتمبر 1952م – إنشاء صناديق الإدخار والتأمين لموظفي الحكومة .

 7. 3 أكتوبر 1952م – صدور مرسوم بإنشاء المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي .

 8. 16 أكتوبر 1952م – صدور قانون بالعفو الشامل عن جميع الجرائم السياسية التى وقعت قبل الثورة .

 9. 17 يونيو 1953م – إصدار معاهدة الدفاع العربي المشترك .

 10. 18 يونيو 1953م – إلغاء النظام الملكي، وإنهاء حكم أسرة محمد على وإعلان الجمهورية .

 11. 8 نوفمبر 1953م – مصادرة أموال وممتلكات أسرة محمد على، ورد أموال أحمد عرابي لأسرته .

 12. 12 فبراير 1954م – صدور بعض القرارات الهادفة لحماية المنتجات الوطنية .

 13. 15 إبريل 1954م – حرمان الوزراء السابقين من رجال العهد البائد ممن تولوا الوزارة من 6 فبراير 1942م إلى 23 يوليو 1952م من حقوقهم السياسية .

 14. 19 أكتور 1954م – توقيع إتفاقية الجلاء .

 15. 11 مايو 1955م – مشروع التأمين والإدخار للعمال .

 16. 5 يونيو 1955م – الدول العربية تؤيد إنذار مصر لإسرائيل بالحرب، إذا كررت الإعتداء على منطقة غزة، وتعلن أنها ستقف صفاً واحداً إذا إعتدت إسرائيل على أي دولة عربية .

 17. 27 سبتمبر 1955م – كسر إحتكار السلاح، بقبول عرض سوفييتي تشيكي .

 18. 18 أكتوبر 1955م – عقد حلف عسكري دفاعي مع سوريا .

 19. 10 نوفمبر 1955م – إنذار إنجلترا وأمريكا بعد إعلانهما الإمتناع عن تزويد مصر بالسلاح وتقديمه لإسرائيل، بأن مصر تستطيع الحصول على السلاح من الكتلة الشرقية، وأن كل رصاصة تحصل عليها إسرائيل هى بمثابة موت شخص عربى .

 20. 10 فبراير 1956م – إتفاق مع روسيا لإنشاء معمل ذرى .

 21. 29 يوليو 1956م – تأميم قناة السويس . وبهذا القرار الأخير كان التدشين الحقيقى لثورة يوليو كثورة وطنية كبرى وضعت نفسها في مصاف كبرى الثورات العالمية الماضية قدماً في سبيل التحرر الوطنى، ما وضع مصر في مركز وقيادة هذه الحركة التحررية، خاصةً مع دعم مصر لكافة حركات التحرر الوطنى، وإنضمامها لحركة عدم الانحياز، وكسرها لإحتكار السلاح .

 22. 15 يناير 1957م – صدور ثلاثة قوانين لتحرير الإقتصاد الوطني من السيطرة الأجنبية . 23. 19 يناير 1957م – أبلغت مصر دول العالم بوجوب دفع رسوم المرور بالقناة مُقدماً .

 24. 22 فبراير 1958م – إعلان الوحدة المصرية السورية .

 25. 27 إبريل 1958م – قرر مجلس جامعة الدول العربية تخصيص ميزانية سنوية ثابتة لمعونة شعب الجزائر وتأييد الحركات التحررية في العالم العربى .

 26. 16 يوليو 1958م – جمال عبد الناصر ينذر بأن أى إعتداء على العراق هو إعتداء على الجمهورية العربية المتحدة .

 27. 4 سبتمبر 1958م – إفتتح عبد الناصر مصانع الذخيرة الثقيلة.

 28. 10 ديسمبر 1958م – صدور قانون التأمينات والتعويض عن إصابات العمل .

 29. 19 ديسمبر 1958م – تقرر البدء الفورى في بناء السد العالى .

 30. بناء قاعدة صناعية كبيرة وقوية وتكوين أسس الاستقلال الإقتصادي . وقائمة أخرى طويلة من المنجزات الأكبر والأقل أهمية، والتى يدور بشأن بعضها جدل، وكثير من هذه الإنجازات لازلنا نستند له حتى يومنا هذا، إلآ أن الصورة لم تكن كلها وردية، فربما نجحت الثورة في القضاء على الإستعمار، والإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم، وسارت خطوات جادة على طريق العدالة الإجتماعية، إلا أنها حطمت جيشها القوى الذى بنته سنيناً، بدون قتال في نكسة 67، كما لم تُقم، وهو الأهم والأخطر، أي نوع من الديموقراطية أو المُشاركة الشعبية، بل وقضت على ما سبق وحققته ثورة عرابى وثورة 1919، من تقدم في هذا المجال؛ ما جعل مصر قطعة من العجين تشكلها يدى الرئيس مُطلق السلطات كيف شاءت، فلم يترك عبد الناصر المغدور لمصر مؤسسات وحياة نيابية تحمي مكتسبات الثورة في مواجهة أعداء الشعب والثورة المُضادة، حيث أُستبعد الشعب، وأصبح بغير تمثيل؛ لتصبح كل السلطة بأيدى المؤسسة العسكرية، التى يتحكم رئيسها بالبلاد والعباد، وهو ما سهل مهمة السادات، الذى أتى من عباءة الثورة ذاتها ليقود الثورة المضادة، مُكرساًَ لمنظومة ما زالت تحكمنا حتى اليوم، عادت من خلالها سيطرة رأس المال، مع الإرتداد عن العدالة الاجتماعية، والعمل على تضييق نطاق – إن لم يمكن إلغاء – مجانية التعليم، والتدنية – المُتعمدة – لمستوى التعليم، وقتل البحث العلمى، ونشر الأصولية والتطرف الدينى، وأخيراً وأولاً، قبل كل هذا، وكأساس لهذا كله، عودة التبعية للخارج، في شكل جديد، وكأنه لا جلاء قد حدث ولا استقلال قد تم ! وهكذا أدى عدم الإستناد للشعب، وإشراكه في السلطة إلى ضياع الثورة ونجاح الثورة المضادة، وذلك نتيجة للإعتماد على مؤسسة وحيدة لحماية الثورة، بعيداً عن الشعب القاصر! بما أدى في النهاية للقضاء على الثورة من داخل هذه المؤسسة نفسها، ويمكن إيجاز أسباب فشل الثورة – والتى يذكرنا بعضها بالثورة العُرابية – فيما يلى : -

1. البيروقراطية العسكرية الفاسدة، حيث إستندت الثورة للمؤسسات العسكرية والأمنية لحماية الثورة، فكانت هذه المؤسسات نفسها – بفسادها وإنعدام كفاءتها - هى من اغتال الثورة، وبقيت جاثمة على أنفاسنا حتى اليوم، ملتزمةً بمُخططات الغرب، فارضةً نفسها كحاكم يسود حياتنا بديكتاتورية بغيضة، وقد إعترف عبد الناصر نفسه بدورها التخريبي في الثورة، عندما قال بعد النكسة [14] مقولته الشهيرة : "لقد كانت البيروقراطية العسكرية رأس السمكة التى إصطادتنا منها سنارة الإمبريالية"

 2. إختراق الثورة بالعملاء والخونة من داخل المؤسسة العسكرية .

 3. عودة نفوذ رجال الأعمال (من إقطاعيين قدامى وقطط سمان أسمنهم الإنفتاح الإستهلاكى الساداتي وكلاب نهاشة أنتجها الإصلاح الإقتصادى المُباركى القائم على الخصخصة) بشكل خفي في البداية ثم مُعلن، بالتواطؤ مع ومن داخل المؤسسة العسكرية .

 4. الرجعية العربية، مُمثلةً في الملكيات الخائفة من الوحدة العربية، وعلى رأسها ملكية آل سعود. وهكذا أثبتت ثورة يوليو بعد الثورة العرابية أن أى محاولة لتغيير فوقى دون قاعدة شعبية، هى محاولة فاشلة عاجلاًَ أو آجلاً، وإذا كانت الثورة العرابية، التى فشلت عاجلاً، قد جلبت على مصر الإحتلال البريطانى – ولا أقصد بالطبع المعنى الوضيع الذى يتبناه البعض ضد عرابى الزعيم الوطنى العظيم الذى نرفض أى تشكيك في وطنيته ونزاهته – لأخطاء إستراتيجية عدة، يعنينا منها بالأساس عدم مشاركة الشعب، بتسليحه – في حدود الممكن – لخوض حرب تحرر شعبي طويلة، بدلاً من الإستسلام الغبي والمخجل، نقول إذا كانت هذه نتيجة الثورة العُرابية التى فشلت عاجلاً، فإن ثورة يوليو – على كل ما حققت من إنجازات ومن نجاح وقتى - التى فشلت آجلاً – أو بالأحرى أُغتيلت -؛ قد جلبت على مصر التبعية الإقتصادية فالسياسية، مع تسلط العسكريتاريا على كافة أشكال الحياة في مصر؛ كنتيجة لعدم مشاركة الشعب السلطة والممارسة السياسية، بإقامة نظام ديموقراطى يكفل حق المشاركة الفاعلة سياسياً، وذلك عبر نشر وتوسيع حريات القول والتنظيم، وتحييد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتحجيمها في دورها الأساس كمؤسسات حامية وضامنة لأمن الوطن والمواطن، لا الأنظمة والسلطات . وهكذا لم تجلب لنا قيادة المؤسسة العسكرية للتغيير في مصر – رغم ثقتنا بسلامة النية وصفاء الطوية لدى أغلب مفرداتها وإقرارنا بإنجازاتها – إلا الضياع، هذه المؤسسة التى حاولت البرجوازية الصغيرة من خلالها النهضة مرتين، واستأثرت بالسلطة عساها تنجح، إلا أنها قد إنتهت بالفشل في المرتين؛ نظراً لطبيعتها المتذبذبة طبقياً، والتى تنتهى في صف البرجوازية العُليا بالتعفن في السلطة، ومُجارحة الفساد الشامل لمراكمة الثروات . ولا نظنه مما يخفى على اللبيب، ما نجده من تشابه بين الثورتين، العُرابية ويوليو، من إندلاع الثورات التى يقودها الجيش بمجرد تكون جيل واحد من المصريين داخل الجيوش غير المُمصرة، التى تبنتها أسرة محمد على، عملاً بحكمته التى قالها لإبنه الأصغر محمد سعيد : "يجب أن يكون معلوماً يا بُنى، أن ترقية العربي إلى رتبة يوزباشى سوف تكون خطراً على أسرتنا، ولو بعد مئة عام".

 وهو ما تحقق فعلياً مرتين في بحر جيل واحد كل مرة، وليس مئة عام كما قال محمد على، فقد كان أحمد عُرابي في أول دفعة من دفعات المصريين بالجيش المصرى، عندما أمر محمد سعيد – خلافاً لنصيحة أبيه – بدخول أولاد مشايخ البلاد وأقاربهم العسكرية، كما كان عبد الناصر – بكارت توصية - في أول دفعة قُبلت من المصريين في الكلية الحربية بعد معاهدة 1936م، وإتجاه النية لزيادة عدد ضباط الجيش المصرى بغض النظر عن طبقاتهم الإجتماعية أو ثرواتهم، وهو الذى كان قد رُفض قبلها بعام واحد، في كشف الهيئة لأنه حفيد فلاح وإبن موظف بسيط لا يملك شيئاً ولا يملك واسطة، علاوةً على إشتراكه في مظاهرات 1935م .

 هذا التشابه بين الثورتين –رغم مآخذنا على مسالك العسكريين الذين تسببوا بفشلهما – يعكس لنا مدى وطنية برجوازيتنا الصغيرة، التى لا تواتيها فرصة لتحرير وطنها وتتركها، وإن كانت تفشل كل مرة عاجلاً أو آجلاً؛ لطبيعتها المتذبذبة، وتحولها بمجرد التمكن من السلطة .

 ولا غرابة في تحول كثير ممن نشأوا في ظل هذه الطبقة إلى برجوازيين أكثر قحة وضعة من إقطاعيي الزمن الغابر . فالبرجوازية الصغيرة كشريحة طبقية هى أساساً ضمن الإحتياطى الطبقي البرجوازي في الظروف الرأسمالية الإعتيادية، ولا يمثل خروجها على المنظومة الرأسمالية سوى إستثناءاً، نجده في الدول المحيطية بالنظام الرأسمالى – رأسمالية الهامش الشهيرة بالعالم الثالث – حيث ترزح تحت الإستغلال الإمبريالى جنباً إلى جنب مع البروليتاريا والفلاحين؛ ما يشحنها بشحنات الثورية، التى ما تلبث أن تنطفئ بمجرد تذوق سكاكر السلطة لفترة معقولة، فيتحول أبناء المستورين لقياصرة، أشد فتكاً من القياصرة بالولادة !!

أما القطاع الآخر من البرجوازية الصغيرة، الذي لم يجد نصيبه داخل المؤسسة العسكرية، وأوصدت دونه المؤسسات الأخرى، بعدما أُحيطت بأسوار عالية [15] بقرار من البرجوازية الجديدة الناشئة بتزاوج سلالات الإقطاعيين القدامى والناهضين من البرجوازية الصغيرة في زمن الثورة وانكسارها، نقول هذا القطاع الطريد إستأنف مسيرته في التمرد، مُنقسماً ما بين الإندماج فكرياً مع العمال والفلاحين طََمحاً في ثورة شعبية كاملة تحقق التحرر الوطنى والمُشاركة الشعبية والإشتراكية الإقتصادية، وما بين ناكصين عن الزمن إلى مُدونات الزمن الغابر ويوتوبياته؛ علهم يجدون فيها عزاءهم؛ لإصلاح الحاضر وصنع المستقبل بما صلح به الماضى، جارين معهم جماهيراً واسعة، وكأنما لا الأرض تدور، ولا الزمن يمور !! ولأن النكوص [16] أسهل من الثورة، فقد كان للفريق الأخير الغلبة شعبياً، خاصةً وقد دعمته السلطة – خفيةً – لتغييب شعبها، والسيطرة عليه، بتركه مريضاً بأحلام عودة الزمن المستحيلة، أسيراً للحلول السحرية، بعيداً عن منطق التاريخ وحلوله الثورية، التى تكفل تغيير الحياة حقاً بقلبها رأساً على عقب .

 يُتبع

  [14] وقد كان لدى عبد الناصر فرصة ذهبية لتصفية كافة الأجنحة الفاسدة في كامل نظامه السياسي والعسكري بعد النكسة، وهو الأمر الذى أعجز كافة المحللين عن تفسيره، حتى فسره البعض بالوفاء والإخلاص والحرص على سلمية الثورة ولونها الأبيض، وهو أمر لو صح، فألا سحقاً لهذا الوفاء، ولتلك السلمية، ولذلك البياض!! [15] فوصل الحال بعواهر برجوازيتنا أن يتماهوا بالإقطاعيين المُندثرين؛ ليضعوا نصوصاً قانونية من نوع "غير لائق إجتماعياً" في أواخر القرن العشرين، وليس عبد الحميد شتا خريج الإقتصاد والعلوم السياسية، المرفوض من السلك الدبلوماسى، رغم تفوقه، عنا ببعيد، ومثله كثيرين في مواقع أخرى، وهو ما يأتى في ذات السياق الذى يبارزنا فيه توافه المُمثلين والكتاب بمبدأهم العظيم بقبول أى عمل – مهما كان في ذلك من إهدار للتكوين التأهيلى- وقبلهم جوقة المسئولين، الذين تأتى على رأسهم وزيرة الإعدادية – لاثمة الأيادى- التى تطالب شباب الكليات النظرية بالعمل كحراس أمن! فأبناء العواهر بعد أن إحتكروا كافة أشكال السلطة والثروة، يتعازمون علينا لنقبل بالفتات المتساقط من أفواههم النجسة . [16] يسجل لنا الأستاذ صلاح عيسى بالإحصاءات المُوثقة كماً هائلاً من الظواهر الدالة، فقد تزايد الإنضمام للطرق الصوفية بصورة مُلفتة، وفى سنة 1970 إرتفع معدل إستهلاك المُهدئات والمُنبهات بحيث أصبح يمثل 3% من جملة الإستهلاك الدوائي، وقبلها زاد إستهلاك المنبهات ما بين عامي 1968و1969 بنسبة 150%، وإرتفع عدد مرضى الأمراض النفسية والعصبية والعقلية من 50 ألف عام 1966 إلى 140 ألف عام 1970، وزادت الجنايات بنسبة 8% من عام 1966 إلى عام 1968، بينما كان معدلها الطبيعي قبل النكسة 2% فقط، بل إنه كان قد بدأ اتجاه ملحوظ للإنخفاض في أعداد الجرائم، كما لُوحظ – في العام التالى للنكسة مباشرةً - تزايداً درامياً في جرائم العدوان عموماً، سواءاً كان عدواناً تجاه السلطة أو تجاه الغير أو حتى النفس، فزادت جنايات تعطيل المواصلات ووسائل النقل العام بنسبة 300%، والسرقات بنسبة 99%، والخطف بنسبة 102%، والقتل بنسبة 33%، والضرب المُفضى إلى الموت بنسبة 32%، وهتك العرض والاغتصاب بنسبة 29%،....إلخ – راجع دراسة "الهجرة إلى منافى الصمت" بكتاب مثقفون وعسكر للأستاذ صلاح عيسى .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز