مجدي عبد الهادى
m.magdy54@gmail.com
Blog Contributor since:
14 March 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورة مصر الدائمة 3

الثورة العُرابية : الجيش الوطني والإقطاع الخائن

 فبعد محمد على أتى خلفاؤه ليسيروا على الخطوط المرسومة غربياً، كاسحين في طريقهم كافة مُنجزات أبيهم، فقط حفاظاً على مُلكهم الموروث، فكان ما كان من عباس وسعيد وإسماعيل من سياسات إسراف وإقتراض سفيه من دول أوربا؛ ليسقطوا بمصر في فخ تبعية الديون – وهو ذات الفخ الذى سقطت فيه دول العالم الثالث بمجملها مرة أخرى بعد الاستقلال، وكأنما لا جديد تحت الشمس، ولا تاريخ تجب دراسته، ولا شيئاً منه يستحق التعلم!! – التى أثقلت كاهل الدولة بطبقاتها الكادحة والفقيرة من حرفيين وعمال وفلاحين، والتى قامت – لذلك – بدعم الجيش والإنضمام إليه – والذى كان يعانى المصريين به من تمييز للأجانب من شراكسة وأتراك [9] مقابل سلطات معدومة ورواتب ضئيلة، وذلك بحكم الإنتماءات العرقية لأسرة محمد على – في الثورة العرابية التى إنطلقت شرارتها بقيام وزير الجهادية الشركسى عثمان رفقى بعزل القائمقام أحمد عبد الغفار وتعيين قائد شركسى مكانه، وتنزيله للأميرلاى عبد العال حلمى قائد آلاى طرة إلى درجة معاون بديوان الجهادية، وتعيين تركي مكانه، الأمر الذى إستقر معه الضباط والجنود المصريين على ضرورة التصدى له، وسجله تعليق عرابى الشهير : "هذه لقمة صلبة لا يقوى عثمان رفقى على هضمها" وتقدم ورفيقاه الأميرلاى على فهمى قائد الحرس الملكى والأميرلاى عبد العال حلمى قائد آلاى طرة، بمذكرة لرئيس الوزراء رياض باشا، بطلب عزل عثمان رفقي، وتعيين وزير مصري محله، وهو الأمر الذى رفضه مجلس الوزراء، بل وقرر محاكمة الضباط الثلاثة، فقام بإحتجازهم بالخديعة؛ ما أثار الضباط المصريين، فتحركوا وحاصروا قصر النيل وحرروا عرابى وزملائه، ثم مضوا إلى قصر عابدين وأجبروا الخديوى توفيق على قبول مطالبهم، وتم تعيين محمود سامى البارودى وزيراً للجهادية، وكان ذلك اليوم هو ما عرف فيما بعد بمظاهرة عابدين الصغرى .

 ولأنه ليس من عادة أى نظام حكم التسليم بإرادة الشعوب ولا الوطنيين، فقد دبر الخديوى وضباطه الشراكسة مؤامرة على رجال الجيش، وذلك بعد إستقالة البارودى، وهو الأمر الذى أدركه الضباط المصريون، فبدأوا ينظرون للموقف في شموليته، فوجدوا دسائساً حكومية ونفوذاً أجنبياً ومعاناةً شعبية، فقرروا القيام بإنقلاب، والدعوة لحكومة دستورية، ولضمان النجاح والدعم الشعبى، قاموا بدعوة الحزب الوطنى الحر – الذى ضاق رجاله بالإضطهاد الحكومى – والأعيان الذين أُُغفل وجودهم، والعلماء الذين لا يُبالى بآرائهم. وكانت هذه هى مظاهرة عابدين الثانية أو الكبرى، حيث تحرك الجيش إلى عابدين بتاريخ 9/9/1881م، وكان هناك الكثير من جماهير الشعب عند القصر تراقب الموقف، وتقدم الغطاء السياسيى والدعم المعنوى الكبير للجيش الوطنى. وقدم عرابى مطالباً باسم الجيش والأمة، وكانت تتلخص في ثلاثة مطالب أساسية :-

 1. إسقاط الوزارة المستبدة.

 2. تشكيل مجلس النواب.

 3. إبلاغ حجم الجيش للحجم المقرر له في الفرمانات. وقد رفض توفيق هذه المطالب، ورد بمقولته الشهيرة : "كل هذه المطالب لا حق لكم فيها، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا" فما كان من عرابى إلا أن رد عليه بمقولته الأكثر شهرة : "لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً، فوالله الذى لا إله إلا هو، أننا لن نُورث ولن نُستعبد بعد اليوم" وكان هذا الثبات من قبل عرابى، والجيش المدعوم من قبل الشعب، هو ما أجبر توفيق على الإنصياع لإرادة الجيش والشعب، فتكونت حكومة وطنية جديدة، برئاسة البارودى، وتولى أحمد عرابى فيها وزارة الجهادية، فحازت قبولاًَ شعبياً كبيراً.

 وبدأت الحكومة الوطنية الجديدة في مواجهة التدخل الأجنبى المُتمثل في عدة صور، أهمها الإعتراض على حق مجلس النواب في مناقشة الميزانية، والإعتراض – بدعم الخديوى – على محاكمة الضباط الشراكسة الذين حاولوا الإنقلاب على الحكومة وإغتيال عُرابى، كذا الإعتراض على دعوة البارودى لإنعقاد مجلس النواب، دون الرجوع للخديوى صاحب الحق الدستورى .

 وكانت نتيجة عدم الرضوخ للتدخلات الغربية، والإنجليزية منها بالخصوص، إرسال الأساطيل الحربية لشواطئ الإسكندرية، وبدأت انجلترا في الإستفزازات والإدعاءات عن التهديدات المصرية!! وعندما أعجزتها الحيل، دبرت بمعاونة محافظ الإسكندرية مذبحة الإسكندرية الشهيرة بمشاجرة المالطى والحمار . فقد حدثت مشاجرة ما بين مالطى من رعايا إنجلترا – ثبت فيما بعد أنه أخ لخادم القنصل الإنجليزي – وحمار مصرى يُدعى السيد العجان حول أجرة حماره، فاستل الأول سكيناً وقتل به الأخير، وبدأ الأروام والمالطيين والقبارصة بمهاجمة المصريين، فحدثت معركة، سقط فيها 45 أجنبياً، وأكثر من ذلك من المصريين. وإتخذ الانجليز من مذبحة الإسكندرية المُفتعلة ذريعة للهجوم على مصر، وشايعهم توفيق الذي كان قد ذهب للإسكندرية ليصبح في حمايتهم، بل وأصدر قراراً بعزل عرابى. ولم يحفل الشعب بأمر توفيق، بل وإنعقدت جمعية عمومية من خمسمائة عضو، تقدمهم رجال الدين الإسلامى والمسيحى واليهودى، وأصدروا فتوى بمروق توفيق من الدين؛ لانحيازه إلى جانب المغتصب، كذا دعوا لإيقاف العمل بأوامر الخديوى، وبعدم قبول عزل عرابى. وبدأت المعارك الحربية في الإسكندرية والإسماعيلية، وكانت معارك القصاصين والتل الكبير، حتى الهزيمة التى مكنت إنجلترا من إحتلال مصر لأكثر من سبعين عاماً. وتتلخص أسباب الهزيمة العسكرية وفشل الثورة العُرابية بالتالى، فيما يلى :

 1. خيانة الخديوى توفيق [10]، ومعه بعض الضباط والقادة العسكريين كعلى يوسف الشهير بخنفس باشا قائد حامية القاهرة، وبعض البدو الذين أطلعوا الإنجليز على مواقع الجيش المصرى .

 2. إنقلاب الأرستقراطية التركية والمصرية وطبقة الأعيان على عُرابى [11]، بعدما تطور البرنامج الثورى ليمس إمتيازاتهم مُقترباً من الفلاحين المُستعبدين حينها [12].

 3. عدم ردم قناة السويس كما أشار البعض على عرابى، لإنخداعه بوعود ديليسيبس بعدم السماح للإنجليز بالمرور من قناة السويس بإدعاء حياديتها، ثم سماحه لهم بالعبور.

 4. إعلان الخليفة العثمانى بخيانة عُرابى، ما جعل البعض ينقلبون عليه إنخداعاً بخليفة المسلمين[13] ، الذي لم يكن أكثر من ألعوبة بأيدى الإنجليز . وهكذا كانت نهاية الثورة التى فجرها الجيش بمعاونة ومساندة الشعب المصرى، ضد النفوذ الأجنبى والتسلط التركى على مقدرات البلاد والعباد، فتم وأدها على أيدى النظام الفاسد والخلافة العثمانية – مرة أخرى بعد محمد على - والأرستقراطية الإقطاعية، وثُلة من الخونة بالجيش، تعاونت جميعها مع الإنجليز ضد إستقلال الوطن وحرية الشعب.

 يُتبع

[9] من الطريف أن يكون هذا أحد مداخل مصطفى كامل لإنتقاد أحمد عرابى والثورة العرابية، فرغم ما كان من تمييز عرقى واضح، كان يعتبر "أنه لا يمكن إعتبار الجراكسة الذين قضوا في مصر حياتهم وإستوطنوا البلاد وتناسلوا فيها، أجانب عنها، بل هم مصريون، لا فرق بينهم وبين سلالة الفراعنة القدماء"، بل إنه ليتعامى عن تسلطهم الكامل على كافة ثروات مصر فيقول بأنهم"نفر من الجراكسة لم يملكوا فى البلاد إلا وظائف معدودة (!!)"، وهو أمر يمكن فهمه فقط فى ضوء علاقة مصطفى كامل الاعتمادية مع الخديوى والباب التركى العالى، حتى أنه كان يصف الخائن توفيق بـ "عزيز مصر"، كما لم يتقوه بكلمة واحدة ضد الباب العالى، رغم إقراره بخطأ – فقط خطأ ؟!!- بيان عصيان عرابى الصادر عن الخليفة. [10] وتكشف وقائع الثورة عن مدى سذاجة عرابى ومثاليته التى أبت عليه الاستجابة لمقترحات رفاقه بقتل توفيق، حيث رفض قتله لعدم وجود حكم شرعى!!، وعندما أفتى رجال الدين بجواز قتله، ظل على رفضه الساذج، حتى وصفه صديقه الإنجليزى المُتعاطف مع الحق المصرى بفقرة دالة، هذا نصها : "لو كان عرابى حاكماً قوياً بحق..لو كان يحسن إختيار الناس وإنتهاز الفرص، وباختصار لو كان عرابى رجلاً عملياً، ولم يكن رجلاً حالماً، لكان إستطاع أن يكسب الجولة الدبلوماسية ضد أعدائه المخادعين، كان يحتم عليه أن يبطش بأعدائه الذين دبروا فتنة الإسكندرية، لقد كان صاحب السلطة الحقيقية فى مصر، لكنه لم يدع أعدءه يشعرون مطلقاً بثقل هذه السلطة، ولو فعل ذلك ثم إستدار إلى السلطان والأوربيين مُوجهاً إليهم كلمات قاسية لتغير مصير الثورة، لكن لسوء حظ الحرية التى كان عُرابى يدافع عنها، أن هذا الزعيم لم يكن رجلاً شديد الوطأة، وإنما كان رجلاً حالماً، يتمسك بمبادئ إنسانية مجردة" [11] وهو ما أوجزه الدكتور رفعت السعيد بأولى صفحات كتابه عن تاريخ الحركة الشيوعية فى مصر بقوله "دخل الإنجليز مصر على بساط من خيانة الإقطاع للثورة العُرابية، والحقيقة هى أن إرتماء الإقطاع بهذه الصورة السافرة في أحضان القوات الإنجليزية الغازية كان خير دليل على النضج الطبقى لهذه الفئة، فقد أدركت على الفور أن الخطر الحقيقى الذى يهددها هو ثورة الفلاحين الذين يقودهم عرابى، وأن أى عدو لهذه الثورة أياً كانت أهدافه هو بالضرورة صديق". [12] فقد رفض خطيبهم في خطابه عند مناقشة برناج الحزب الوطنى أى فكرة عن المساواة مع الفلاحين، كما بدأوا في الإنسحاب والهروب مع أول فرصة إلى الإسكندرية حيث كان يقطن الخديوى – مشكلاً مركزاً للرجعية، وبما أثبت صحة رأى القائلين بضرورة إعتقاله أو قتله- في حماية الإنجليز، خاصةً بعد إنتفاض الفلاحين لإسترداد الأراضى من الإقطاعيين الأتراك، كما يؤكد لنا بلنت على إتجاهات عرابى بقوله "كان عُرابى ينادي بالمساواة بين الطبقات وبإحترام الفلاح باعتباره العنصر الرئيسى في القومية المصرية، وكان إيمان عُرابى بالفلاح هو الشئ الأساسى الذى يميزه عن باقى المُنادين بالإصلاح في عصره، إن حركة عرابى هى في جوهرها حركة قومية وشعبية". [13] كان الأمر فى مُجمله نتيجة كارثية لثقة المصريين الزائدة في الخلافة العثمانية ذاتها، المُوظفة منذ البداية في خدمة المصالح التركية على حساب المصالح المصرية، وفي الوقت الذى "جماعات من العساكر المسلمين بالعصى والسيوف تطوف بالشوارع والطرقات صارخةً (النصر للسلطان وعرابى)" وفقاً لشهادة المسيو دومريكر قنصل النمسا بالإسكندرية، نجد السلطان العثمانى يصدر بياناً طويلاً تقول مقدمته "بإرادة سيدنا ومولانا السلطان المعظم أمير المؤمنين خليفتنا الأعظم إشعاراً لجميع المسلمين بأن الأفعال التى أجراها عرابى وأعوانه ورفقاؤه فى مصر مخالفة لإرادة الدولة العلية السلطانية ومغايرة لصالح المسلمين، وبناءاً على ذلك، تقرر أن عرابى وأعوانه عصاة بغاة، وبهذه الصفة تجرى معاملتهم"، رغم ما بين مواقف الإثنين من تناقض، ما بين مناهض للإحتلال، وخليفة ألعوبة بأيدى الإنجليز يصدر البيانات التى يرغبونها، وحسب مصالحه معهم.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز