يحي البوليني
yahyazkry966@gmail.com
Blog Contributor since:
23 January 2012



Arab Times Blogs
دون الاعتذار للدليل الطبي الأميركي فالحياء خير كله

فُتن الكثيرون من أبناء أمتنا الإسلامية وخصوصا مثقفيهم بالثقافة الغربية , واعتبروا أن كل ما يَرد من الغرب من أفكار سياسية واقتصادية واجتماعية هو الخير المطلق بصرف النظر عن موافقته لعقائدنا وشرائعنا أم لا , ويُقدمون كل ما يرد من الغرب على ما نعتقده من مفاهيم وأفكار بنوع من الانهزام النفسي الشديد , وأيضا يعبر عن تفلت عقائدي وسلوكي لمن يُفترض بهم أن يقودوا الفكر والثقافة العربية والمسلمة في مواجهتهم للغزو الفكري الخارجي .

فليس معنى الحضارة أن تقلد الغربيين في كل ما يقال دون النظر في ثوابت دينك وأمتك , وليس كل ما يقولونه يمثل الرقي الحضاري , وليس كل تمسك من كل مثقف بثوابته ردة حضارية .
نعم قد تفوق الغرب ماديا علينا , وهذا مُعترف به من الجميع ولا مجال لطرح أسبابه المعلنة والمخفاة ولا مجال أيضا للرد عليها , لكنه لم يحدث أبدا في عصر من العصور أن اقترن التفوق المادي بالتفوق الحضاري , بل كثيرا ما حدث العكس , فهناك أمم تقدمت ماديا ووصلت إلى أقصى غايات التقدم المادي في التاريخ القديم والحديث والمعاصر لكنها رسبت في ميدان التقدم الحضاري وانهارت انهيارا سريعا , وربما كان هذا الانهيار مفاجئا لقطاعات كبيرة من المتابعين , ولم يكن السبب في أغلبه إلا عدم مواكبة التقدم السلوكي والأخلاقي للتقدم المادي , فصار التقدم المادي ذاته أكبر معاول الهدم لتلك الحضارات والأمم .
حضارات عظيمة اختفت وصارت في طي النسيان بل طاردتها اللعنات حينما طغت المادية فيها على القيم السلوكية والأخلاقية , فأين من ظنوا أنهم قادرون على كل شيئ وقالوا من أشد منا قوة وظنوا أنهم أقوى من خالقهم سبحانه ؟ , وأين من قال للناس أنا ربكم الأعلى ؟ وأين الحضارة الفارسية التي اتبعت مزدك وأباحت النساء والأموال والممتلكات للجميع ؟ , وأين من تبنى الشيوعية في العصر الحديث والذي كان يقول أن الدين أفيون الشعوب وأنه " لا إله والحياة مادة " ؟ , أهلكهم الله سبحانه جميعا وأفنى ذكرهم ولم يبق لهم أثر وتطاردهم وتطارد أفكارهم لعنات البشر في كل زمان بعدهم .
 وقد تقدمت الحضارة الأمريكية الغربية في مجالات مادية عدة , ويصعب بل ويستحيل علينا أن نضع رؤوسنا في الرمال ولا نعترف بتقدمهم , لكنها حضارة تتحلل من كل التزام خُلقي , وتسير إلى الهاوية بسبب فقدهم لهذا الأساس المهم لتقدم الحضارات .
فالمجتمع الأمريكي مليئ بالأمراض الخُلقية التي زادت وتفشت مثل إقامة لعلاقات قبل الزواج وانتشار الدعارة واختفاء لمفهوم العفة والبكارة وجرائم الإجهاض ووأد الأطفال والمعايير المزدوجة في التعامل الأخلاقي السياسي مع القضايا المختلفة .
فإن كان وجود الأمراض مصيبة , فإن المصيبة الأكبر هي ألا يشعر المريض بأن به مرضا يستوجب العلاج , بل حينما يدافع المريض عن مرضه ويعتبر أن الأصل في الناس أن يكونوا مرضى فكيف يصل للشفاء ؟!! , وتكتمل المصيبة بأن يعتبر المريض أن علامات الصحة هي المرض التي يجب العلاج منها بالانغماس في المرض .
فلو صدرت تلك المفاهيم - اعتبار علامات الصحة هي نوع من المرض – من عوام أو جهلاء أو من المرضى أنفسهم لهان الأمر بعض الشيء , ولكن المصيبة تعظم وتشتد وطأتها حينما تصدر تلك الأفكار من علماء ينبغي لهم أن يكونوا هم حملة المشاعل والمصابيح التي تبين للناس الصواب من الخطأ , فلمن يرجع الجهلاء إذا كان هذا حال علمائهم ؟!! .
فتذكر صحيفة "ديلي تلجراف" البريطانية أن الطبعة الخامسة الجديدة من الدليل الطبي التشخيصي والإحصائي الأمريكي الذي يستخدمه الأطباء في الولايات المتحدة ليوصف الأمراض وعلاجاتها قد تعدل ليدخل بعضا من سلوكيات البشر مثل الحياء على أنه مرض نفسي وأنه ينبغي اعتبار أن ( المريض) المصاب بالحياء ينبغي له أن يبحث عن طبيب لكي يُعالج من هذا المرض النفسي !!!
وليس هذا بغريب على مجتمع يعتبر أن علاقة الصداقة - ( بوي فرند وجيرل فرند ) – وهي العلاقة الجنسية الكاملة بين الفتى والفتاة بلا زواج – هي علاقة طبيعية جدا ولا يتسامح مع من يعكر صفوها حتى لو كانت أسرة الشاب أو الفتاة , بل ويعتبر أن أحدهما إن كان بلا علاقة مثل هذه فسيعتبره المجتمع معقدا أو مكتئبا , وفي كل الأحوال يجب مراجعة الطبيب , ويعتبر أيضا أن الفتاة التي تبلغ سن الحيض ثم لا تزال تحتفظ بعذريتها يعتبرها شاذة وينبغي لها مراجعة طبيب متخصص لكي تعود إلى الحياة الطبيعية !!! .
واعترض بعض الأطباء النفسيين في الغرب على ذلك التوصيف مثل جمعية علم النفس البريطانية التي عارضت تلك التعديلات وأيضا انتقدها بعض الأطباء النفسيين في الولايات المتحدة ذاتها , لكنهم ما اعترضوا على المبدأ , بل اعترضوا على أن هذا التعديل من إيعاز شركات الأدوية لكي تزيد من مبيعاتها وأرباحها .
فإذا كنا كمسلمين نقبل أن نستورد من الغرب تقدمه المادي – وليس لهم في هذا فضل علينا كما يحب كثير من الخانعين أمام الثقافة الغربية أن يعيرونا بذلك - لأنهم لا يقدمونه لنا مجانا بل ندفع من أموالنا وربما من كرامة بعض شعوبنا بانبطاح سياسي لبعض زعمائنا أمامهم , فكل ما نستورده من تقدمهم المادي من علاج أو مخترعات أو مكتشفات أو آلات وأسلحة ندفع ثمنه جيدا , بل نكاد نحن الذين نضخ إليهم الأموال التي تسهم في تشغيل مصانعهم وعمالهم وترفع اقتصادياتهم , فليس لهم ولا لغيرهم فضل علينا .
لكننا رغم ذلك لا نأخذ منهم حضارتهم المزعومة الزائفة , ولا ننبهر بكل ما يأتي منها بغثها وسمينها – إن كان فيها سمين – لأننا نمتلك من الحضارة الإسلامية التي تفوقها بمراحل عدة .
فالحياء شعبة من الإيمان كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم , وهو خير كله ليس فيه شر وليس مرضا نفسيا كما يزعمون بل هو الخلق الدافع لتنزيه النفس عن ارتكاب الدنيا والمخازي التي لا يحب الإنسان السوي أن يوسم بها .
والحياء خلق حضاري إذ يدفع الإنسان إلى الرقي السلوكي ومراقبة الله سبحانه في جميع التعاملات من الناس – كل الناس – دون تمييز على أساس دين أو جنس أو لون .
والحياء هو خلق الإسلام الأول ولا دين لمن لا حياء له لأنه خلق يجمع كل الفضائل وينهي عن ارتكاب كل الرذائل والمنكرات , فقد صح عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره أنه قال   "استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك استحيا من الله حق الحياء " .
والحياء هو الضمانة لسيادة الأخلاق في الناس , فبالاخلاق الفاضلة تنمو الحضارات , لكنها تنهار بقوة تعادل انهيار الجانب الأخلاقي فيها , وإن أية أمة تفتقد قدرا من الأخلاق لتسرع بانهيارها إن لم تتدارك تلك الأزمة , فإذا تركتها وسارت خلف من يدعون أن الحياء مرض نفسي , سارت إلى الهاوية وأضحى انهيارها وشيكا ما بين عشية وضحاها , وربما أسرع مما يتخيله الكثيرون , ولتعلمن نبأه بعد حين .
 المصدر : مركز التأصيل للدراسات والبحوث







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز