د. ياسر ريناوي
yrinawi@hotmail.com
Blog Contributor since:
09 March 2012

طبيب اطفال



Arab Times Blogs
عن صديقي الشاعر العراقي الدكتور ابراهيم

في كانون الأول سنة 67 , بعد 6 أشهر على حزيران سافرت الى بلغاريا لدراسة الطب ليس قبل أن أزور غزة والضفة الغربية ظنا مني أنها ستتحرر من الاحتلال قبل أن أنهي دراستي وأعود , وبالمناسبة لم أكن شاذا في تفكيري هذا بل أن الكثيرين من القادة السياسيين والمحللين كانوا على نفس المستوى من السذاجة ولا زلت أذكر مقال اميل حبيبي في صحيفة الاتحاد في حزيران 69  بمناسبة دخول الاحتلال سنته الثالثة :" الاحتلال في سنته الثالثة والأخيرة " .

وما أن اقتربت الطائرة من مدرج الهبوط حتى رأيت الثلج من النافذة يغطي الأفق , منظر رأيت شبيها له  في طفولتي  سنة 1950 (ما اصطلح الناس علي تسميتها ب الثلجة  الكبيرة حيث قطعت الطريق المارة قرب بيتنا بين الناصرة وطبريا بسبب تراكم الثلوج لعدة أيام)التقيت به يومها  لأول مرة وساعدني بالترجمة بلهجته العراقية المحببة وكان يتجنب الدوس على الثلج المتساقط خوفا من أن تلوثه آثار الأقدام حفاظا على نقاوة تلك السجادة البيضاء المترامية الأطراف , وكان قد أنهى دراسة الطب وبدأ مرحلة التخصص .

سمعته يومها  يردد أبياتا من الشعر كأنه يغني ولما سألته عن الأبيات التي لم أسمعها من قبل أجاب : طبعا لم تسمعها فأنا في أوقات فراغي أنظم بعض الأبيات أكثرها في الهجاء وأعتقد أن أجمل وأصدق ما قيل من شعر عند العرب هو شعر الهجاء وان كانت به مبالغة أحيانا فهو خارج من أعماق القلب. فأنا أقيم في هذا البلد على سيئاته وحسناته رغما عني وهربا من بلدي وقلت في ذلك :

 لأن بلادنا قحبة 
جرعنا لوعة الغربة
وجئنا موطن البلغار يا لفداحة النكبة

الى أن أصل الى بيت القصيد في نظري :

 وعند الضيق ألفينا 
  فروج نسائهم  رحبة 

 ففي هذا أجد حلا لمشاكلنا المتراكمة : حتى هذا الكلام البذيء فيه نوع من البلاغة (ضيق ورحب).ولما كنت من محبي اللغة العربية وآدابها فقد تصورت يومها أنني وجدت ضالتي في بلاد الغربة , وجدت من يملك صفات مشتركة معي وسنصبح أصدقاء وهذا ما حصل .عندما أنهى دراسة الطب عاد الى بغداد وكانت عودته في عاشوراء وكان يسكن بيتا في شارع الرشيد في الطابق الرابع

سمعت زوجته الأجنبية الجلبة والصراخ  والعويل واللطم  في الشارع وكانت تحاول أن تري ما يدور وهو يحاول اغلاق النوافذ والستائر ليجنبها رؤية تلك المناظر وعندما تمكنت أخيرا من رؤية ما يدور من صراخ ولطم وجلد للذات با لسلاسل الحديدية والدم النازف دون أن يأبه به أحد صاحت به : ما هذا الذي أراه فأجاب ببرود : هذا كرنفال .عندما عاد الى العراق استدعوه في المخابرات وعرضوا عليه صورا له في مسيرة طلابية يرفع فيها علم العراق فسأله المحقق : كيف ترفع علم عبد الكريم قاسم ؟ فأجاب : في تلك الأيام كنت أنت أيضا يا حضرة المحقق ترفع هذا العلم لأنه كان علم العراق أيام حكم عبد الكريم قاسم

عين طبيبا في قرية تبعد مسافة ساعة عن بغداد وعندما كان يقترب من سرير المريض ليقوم بفحصه يصرخ الشخص المستلقي على السرير بأنه ليس المريض والمريض نائم تحت السرير متنازلا عن سريره لضيفه – مرافقه عملا بحسن الضيافة .نم يستطع أن يستمر في هذا العمل ولم تستطع زوجته الأجنبية أن تتأقلم فعاد أدراجة وقرر أن يتخصص في الأمراض الباطنية (Internal Medicine) .حدثني يوما وقال: كان لي زميل في الدراسة ولم أختلف معه في شيء , أنهى دراسة الطب , فودعناه وعاد الى العراق وفي يوم من الأيام وأنا متشوق لسماع أخباره وصلتني رسالة منه فرحت باستلامها  كثيرا ولكنني فوجئت عندما فتحتها بأنها كانت مليئة بالشتائم والعبارات النابية والبذيئة  ولم أعرف السبب فأعدتها أليه مرفقة يهذه القصيدة : (كنيته أبو جاسم)
أبا جاسم  لا عرتك المحن              فانك من فلتات الزمن
ولا غبت عنا فان غيابك               يملأنا بالأسى والشجن
لمن تخلع النعل يا صاحبي            اذا  أنت وليت قل لي لمن ؟
يقولون انك صرت طبيبا              لعمري فهذي أشد المحن
وسوف تعود لأرض العراق          فوا رحمتاه لهذا الوطن
ألم يكف ما فعل البعث فيه            وما نابه من عوادي الزمن ؟
فقل لمريض تعيس أتاك              بأن يتدبر أمر الكفن
فانك مرسله للسماء                 على عجل بزهيد الثمن
ويشبه رأسه برأس الحمار :
كرأس الحمار ولكنه               يزان بقبعة لا رسن
وذاك تخصصه في النهيق       وأنت احترفت علاج البدن
مبيتك فوق الفراش الوثير       وحظ الحمير مبيت الدمن
ولو أنصف الناس ساووكما     فذاك الحسين وأنت الحسن
وانك سرا تسمى الحمار         وذاك يسمونه في العلن


قصيدة طويلة لا أذكر منها الا هذه الأبيات 
اختلف مرة مع فرات الجواهري ابن الشاعر الجواهري الذي كان يعمل مديرا للقسم العربي في اذاعة صوفيا فهجاه بقصيدة "على مستوى أبوه" كما كان يقول ويملأها بالكلام البذيء عنه وعن زوجته ساجدة (وساجدة تنام لكل أير / وذلك عند ساجدة صلاة) 
أأغفل عن مديحك يا فرات       وقد لهجت بسيرتك الرواة
فقد سجلت حيث حللت سفرا     خلاصته الخنا والموبقات
فوجهك وجه قواد حقير         وهل تخفى لقواد سمات ؟
الى أن يختتمها :
نصحتك يا فرات لو ان قردا    يؤثر فيه نصح أو عظات
تريث قبل أن تدلي بقول        سخيف فيه لؤم وافتئات
فما عزت على قلمي القوافي   ولا ندرت لديك السيئات

 
أثناء تصفحي لإحدى الصحف الأدبية البلغارية  استوقفتني قصيدة باللغة البلغارية موقعة باسم شخص عراقي (عبد الستار ) ورأيت ان مضمونها مألوف لي وكأنني قرأتها في مكان ما من قبل وعندما حاولت ترجمتها الى العربية وجدت انها قصيدة لنزار قباني وعرضت هذه القصيدة على صديقي الطبيب فلم يستغرب بل قال : هذه هي مهنته : يترجم القصائد من عيون الشعر العربي نزار قباني , السياب وحتى عمر بن أبي ربيعة وأبو نواس  وينشرها موقعة باسمه ويقبض عليها أجرا  من الصحيفة وقد هجوته بقصيدة أقول فيها :

 هل أنت من حي اليهود 
أم من تنابلة الهنود 
أم أنت نسناس حقير فر من قفص القرود
عجبي لمن سمحوا لمثلك ان يمر من الحدود
يا نكتة تمشي على قدمين في هذا الوجود

 
تأملت وجه ذلك "الشاعر" المزيف وقلت : انظر ! انه فعلا يشبه النسناس فقال : انا ما جنيت عليه , هذا جناه أبوه عليه , أنا وصفت فقط .كان لا يستثني احدا من لدغ لسانه  فقد هجا  أحد أصدقائه وهو كردي على طريقة المزاح اذ كانا يدخلان في جدل عقيم عن العرب والأكراد فيقول لصديقه الكردي : أنتم يا أخي تناضلون وتحملون السلاح وتموتون طلبا للمساواة مع العرب والعرب في الحضيض ,هلا بحثتم  لكم عن مطلب آخر أو عن شعب آخر غير العرب وكان في هجائه شيء من الاستعلاء العربي الكاذب وخفة الدم  : فوالله لو أجهضت يا أم هاشم  لأنقصت فردا في عداد البهائم  أو : علج من الكرد مدسوس على العرب .وعلى سبيل الدعابة يقول لصديقه الكردي : حضرتني ذكراك في المرحاض /حين لاحت لناظري أغراضي

كان قد تخاصم مع شخص يدعى فلحوط يصف نفسه بأنه شاعر وقد أصدر ديوانا شعريا أسماه  البيدر ويعمل ملحقا ثقافيا في سفارة بلده فيلاحق الطلبة ويتجسسس عليهم  فهجاه بقصيدة خفيفة دم وقافية صعبة :

يا أتفه الشعراء يا فلحوط                  صمتا  فإنك جاهل وعبيط
قارنت بينك والحمار فهالني              ان التشابه كامل مضبوط
والفرق أنك لم تزل بين الورى          مرخى العنان وأنه مربوط
ونهيقه المسموع أعمق مستوى          مما يضم نهيقك المخطوط
اني وقد طالعت شعراك موقن           أن البهائم حقها مغموط
طانعت " بيدرك" الهزيل فهالني        هذا الهراء الأجوف المحطوط
فأسفت للورق الصقيل يصيبه          هذا الهوان لديك والتفريط
فكأنه عقد يزين دميمة                  أو صارم يزهو به عضروط
خل القوافي يا دعي لأهلها            فلها لوازم  حجة وشروط
واخرس فبعض الشعر مجد باذخ     والبعض منه مهانة وسقوط
لغة العروبة أنت تزعم "بعثها "       ونصيبها من شعرك التحنيط
قد كنت أهون  زلة  واساءة          لو رحت تزني في الورى وتلوط
جاوزت حدك أيها الزعطوط         ومضيت في وحل الهوان تغوط
ولسانك المهذار يعلو شامتا          واللحس أحرى  فيه لا التسفيط
يا رأس سحبول وجسم ذبابة            وشحوب فأر يعتريه قنوط  (السحبول حيوان مائي صغير على شكل طائرة)
ما طار جرذ نافخا أوداجه             الا قريبا واعتراه سقوط
أنا شاعر صهر الحديد لسانه          من أنت قل لي أيها الشرموط

 
سألته : ما دمت تملك هذه الطاقة الشعرية فلماذا تختبئ وآخرون تعرفهم يترجمون وينشرون ما ليس لهم بأسمائهم هكذا عينك عينك ؟ أجاب : يا صاحبي أنا لا أتقن الا الهجاء لأنه يأتي صادقا ويخرج من أعماق القلب

انها قصة حقيقية لا أتوخى نشرها فهذا الطبيب لم أره ولا أعرف أخباره منذ 1974 والشخصيات حقيقية : فلحوط هو صابر فلحوط الدي يتقلد منصبا ما في سوريا وعبد الستار اسمه الكامل عبد الستار الدليمي والشاعر الطبيب اسمه ابراهيم ولا أذكر كنيته
أظن أن الأشياء الطريفة قد تحوز أعجاب الأستاذ اسامه واذا وصلتكم رسالتي هذه أرجو أن أعرف ذلك على العنوان المرفق







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز