نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
انتحار حماس

لن تستطيع كل تلك التصريحات المنمقة والدبلوماسية لرموز حماس أن تغير من صورة الواقع في شيء، أو أن تقول غير ما بات حقيقة وواقعاً جيوسياسيا-أخلاقياً يلمسه الجميع اليوم فيما يتعلق بالقطيعة المعلنة بين حليفي الأمس دمشق والمنظمة التي أطلقوا عليها دهراً صفة "المقاومة"، وتكرموا جميعاً، على أية حال.

 كما أن صمت أبي الهول لخالد مشعل يقول أشياء كثيرة، أكثر مما يريد إخفاءه، وكثيرة جداُ تؤكد تلك الحقائق الماثلة على الأرض أكثر مما تنفيها. وكل ذلك لم يفلح في محاولات تجميل "غدر" حماس، والتنكر للنظام السوري الذي احتضنها على مدى عقدين في الزمن الصعب، وفي الوقت الذي كانت تقفل في وجهها كل أبواب العواصم التي ترتمي حماس في حضنها، اليوم، العواصم المشرعة اليوم على مصراعيها لاستقبال حماس بفرح غامر، ليس حباً بها، وإنما لأنها تمكنت من تفكيك وعزل "فصيل مقاوم" آخر، وعلى ندرتهم هذه الأيام، وتبدو أنها تتهيأ لذبح حماس والإعلان عن موتها، أو تجميدها، على الأقل وليس إنقاذها من "الورطة" السورية، أكثر مما يبدو الأمر نجاحاً، أو انتصاراً لحماس. فهذه العواصم ذاتها، من القاهرة إلى الدوحة، مروراً بما يسمى بالرياض في سعودية آل وهـّاب، هي من حاصرت غزة، وكانت تتفرج، وربما بمتعة ما، على الرصاص المسكوب، والقنابل الفوسفورية، واليورانيوم المنضب، ذات يوم، حين كانت تغرق غزة، وتنهمر على أجساد أطفالها، في حرب تسيبي- أولمرت في بدايات 2009.

 ومن المفارقات المحزنة، أن أحد الشروط المعروضة، والمقدّمة لسوريا، عبر قنوات دبلوماسية، سعت في بداية الأزمة للعب دور الوسيط لإنهاء الأزمة ووأدها في مهدها، هو قطع دمشق مع كل ما يسمى بالمقاومة، ومنها حماس بالطبع، ومنع توفير أي ملاذ، وتقديم أي دعم لوجيستي أو مادي، وسياسي وإعلامي لها، ولقد كان وجود ما يسمى بالمقاومة في دمشق يشكل صداعاً حاداً ومؤرقاً لإسرائيل وحلفائها العرب والغربيين، ولكن ما عجز أولئك عن فعله جميعاً قدمته حماس لهم على طبق من ذهب بإعلان تنصلها وبراءتها من النظام في سوريا. فقد كان خروج حماس، في الحقيقة، بأحد وجوهه، تعبيراً عن تضامن، وتأييداً، واصطفافاً متعمداً مع الحلف الغربي-العربي- الإسرائيلي الذي يشن هذه الأيام حملة إعلامية، وسياسية، وعسكرية هوجاء ضد سوريا، ومن ورائها إيران. والأنكى من ذلك إن تصريحات "صقور" حماس النارية باتت موجهة اليوم ضد سوريا وإيران، حلفاء الأمس، يقابلها صمت مطبق، كصمت ووداعة الغزلان والحملان، حيال إسرائيل، الحليف، والصديق، المقبل على ما يبدو لمقاومي حماس. طبعاً نحن لا نأسف على خروج حماس، وشخصياً تنفست الصعداء مع خروج آخر "مقاوم" زائف من سوريا.

 وكم أتمنى أن تتخلى السياسة الرسمية السورية عن كل ما يتعلق بالعرب ومشاكلهم وأزماتهم التي لا تحل وهمروجات "القضايا المركزية" الفارغة. ولسنا بحاجة، بعد اليوم، لصرف أي قرش، أطفالنا بحاجة إليه، على ما يسمى مقاومة ومقاومين. فمن كان لديه أرض محتلة فليذهب ويحررها بنفسه. ومن كان لديه أزمة أو مشكلة، أو "قضية مركزية"، فليحلها بنفسه، وليقلع أشواكه بيديه. فلم تعد أصابعنا، كسوريين، تتحمل شوك الأعاريب، و"عضاتهم"، وطعناتهم، و"بلاويهم" السوداء، المزمنة والمستعصية مع قضاياهم المركزية.

وفي الحقيقة، لم أكن مقتنعاً يوماً بـما يسمى "مقاومة" حماس، أو كونها ضمن أي مشروع تحرري، ومقاوم، طالما أنها فرع إسرائيل، أو "فلسطين" سابقاً للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي هو بالمحصلة، ذراع استخباراتي بريطاني تاريخي أصيل، كما هو معلوم للجميع، ناهيك عن ممارسات حماس القمعية والاستبدادية والظلامية في غزة-ستان، ما لا يؤهلها لقيادة أي مجتمع نحو شواطئ الحرية والأمان، ومن يكره الحرية لغيره، ويكون قمعياً واستبدادياً، وإقصائياً، لا يمكن أن يكون تحررياً، ولا مقاوماً، بأية حال.

 انتحار حماس ذو وجهين مادي، عملي لن يكون بمقدور حماس فيه ممارسة فعل "المقاومة"، ولا حتى كلامياً، فالبعيد عن العين و"الأرض" المحتلة سيكون بعيداً عن القلب والبندقية، من جهة، ولعدم إغضاب إسرائيل وأمريكا من قبل محتضنيها الجدد، من جهة أخرى، وإثارة حفيظتهم. والوجه الآخر للانتحار هو معنوي أخلاقي، حيث فقدت حماس أية مصداقية أو رصيد أخلاقي، وبدت وكأنها تبيع أصدقاءها وحلفاءها وتتخلى عنهم بسهولة في زمن الشدائد والصعاب وبأبخس الأثمان، وتنقل بندقيتها "المقاومة"، من كتف إلى آخر، وتسقط سقوطاً مدوياً ومجلجلاً مع أول امتحان، ولا نعتقد أنها، في ذات الوقت، ستكسب ود واحترام وقلب "أحبائها" وأصدقائها الجدد، أو أي أحد آخر، مع انقلابها وغدرها بحلفائها القدامي، وتبدو، هكذا، العوبة "سهلة القياد" تتنقل بين هذا وذاك من دون مواقف مبدئية وشجاعة، وهذا ليس من شيم المقاومين والثوار، وهي من قلبت ظهر المجن، وأدارت ظهرها لمن مد لها يد العون، في وقت المحن والتشرد والضياع، الأمر الذي كان يتطلب من حماس موقفاً أكثر رجولة وأخلاقاُ من هذا الموقف المحزن، والمعيب، والمشين الذي لم نكن نرتضيه أبداً لمن يسمون أنفسهم بالمقاومين والثوار وكل تلك الرطانة والكلام الفارغ والهراء.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز