مجدي عبد الهادى
m.magdy54@gmail.com
Blog Contributor since:
14 March 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورة مصر الدائمة 1

ثورة مصر الدائمة : من 1795 إلى 2011 م - الجزء الأول "المثال الثورى لا يعنى تحقيق تكامل الواقع فى صورته، بل تقدماً مستمراً فى إتجاهه، بحيث يستطيع، إن كان ناجحاً أن يحقق أو يمثل منعطفاً تاريخياً جذرياً فى المجتمع الذى يتجه إليه ويمارس ذاته فيه" التجربة الثورية بين الواقع والمثال – د/ نديم البيطار تقـــديم ----- لم يحدث أبداً أن حققت ثورة واحدة فى التاريخ كافة أهدافها دفعة واحدة وبقدر ما تعطى هذه الثورات من آمال تعلو برقابها عنان السماء، بقدر ما تنحط بصانعيها إلى مهاوى اليأس والإحباط. فالمثل الثورى لم يصنع يوماً ليتحقق، فمن حيث منشأه ليس وليداً لواقع بقدر ما هو إنعكاس وإستجابة بشرية معاندة لواقع بائس، تحياه البشرية على غير رغبة بما يجعله ضرورة لا غنى عنها، ما دامت غرائز البقاء قابعة فى قلب السيكولوجيا الإنسانية.

 فالموت والإنتحار يحلان كل المشاكل ولكنها غريزة البقاء هى ما تبقى على الإنسان يكابد واقعاً مؤسياً، يبارزه وينابذه، فيصرعه قليلاً، ويصطرع على يديه غالباً. هذا البقاء الإجبارى هو ما يجبر البشر على التصدى الجماعى الإجبارى للواقع المريض، الذى هو من صنعهم فى غالب الأحوال، ففى موقع الظالم يصنع بعضهم واقعاً مريراً عن وعى وتقاليد طبقية متوارثة لترسيخ وتوريث أوضاع تحمى مكاسبهم، وفى موقع المظلوم يحمى بعضهم ذاك الواقع، بل ويمدون شرايينه – جبراً أو إختياراً – بالدماء التى تحفظ له الحياة وتضمن له الإستمرار، علاوة على تعاميهم وتغاضيهم – الواعى واللاواعى والعفوى والعمدى – عن مباذل واقعهم وأسبابها الحقيقية. هذا الواقع يتجاوز الفرد، حاطاً بكلكله على صدره الضعيف، ساحقاً إياه، ومحيلاً كيانه الهش إلى رماداً تذروه رياح العبودية المتفشية فى جموع الجماهير المهزومة، تفشى الجراثيم فى الدم الفاسد. لحسن الحظ لم يصنع كافة البشر من ذات الخامة أو الطينة، وربما هى حكمة الخالق أن يصنع بعضهم من طين الموت والآخر من طين الحياة، وبعضهم من طين حار والآخر من طين بارد. وهذا ما تظهره الإستجابات الإنسانية المتعارضة للواقائع المشتركة، وهى الخصيصة التى أختص بها البشر وحدهم، والتى صنعت تاريخهم، فتميز الحيوان البشرى هو فى تعارض إستحاباته ما بين فرد وآخر، وللفرد الواحد فى الأزمنة المختلفة، بما يعطى تنوعاً وتجدداً فى توالفات الأحداث التى صنعت تاريخنا الغريب المتمايز داخلياً، رغم ما يظهره آحياناً من تكرار، يظنه البعض ثباتاً لا يعرف التحول.

هذه الإستجابات المتعارضة لم تترك لواقع حق الخلود، فما يولد يموت، وما بنيناه نهدمه، وما خلقناه نقتله، وما قبله بعضنا يرفضه البعض الآخر، وما أحببناه فى زمن كرهناه فى زمن لاحق، والعكس بالعكس. هذه التعارضات والتناقضات السلوكية تشكل أرضية سيكولوجية للرفض والتمرد، هى أولى مراحل الثورة، وهى وقودها الذى يغذيها ويزكى أوارها ضد الواقع المرفوض. وليست هذه نظرية جديدة أو قديمة فى سيكولوجيا أو بيولوجيا الثورة، تلاحق ثنائية هيجل المتمثلة فى السيد والعبد، فالسيد والعبد لدى هيجل ثابتين مفهومياً على أرضية سيكوبيولوجية، لهما حكم البيولوجيا، نقيض متحد لا فكاك منه ولا نهاية له، خالد خلود الإله المتهم لدى البعض بصناعة الثنائية ذاتها! هذا التعارض والتناقض فى الطبيعة البشرية، هو الذى خلق إلى جانب الضعف والخنوع، القوة والتمرد، وإلى جانب ذل العبودية، عزة الحرية وكبرياء الكرامة، ما جعل البشر بحراً ذى مد وجزر، ينجر حيناً من الدهر إلى جزر عميق ينطوى فيه على نفسه تاركاً للشاطئ العلو والإستكبار، ومرتداً عليه حيناً آخر خافضاً إياه تحت أمواجه، ملغيا لوجوده وإستعلائه، ساحقاً له ببطء لكن بثبات، عبر عملية طويلة وشاقة من التعرية والتفتيت المستمر.

وهكذا هى معركة الحرية، التى تمتطى فيه الجماهير صهوة الثورات، معركة طويلة لا تنتهى مرة واحدة وللأبد، بل هى معركة تعرية وتفتيت دائمة، هدفها بعيد، ويديها فى مرمى القدم، فالعين بصيرة واليد قصيرة، كما يقولون !! والعين تنظر نحو المثل الثورى البعيد الذى يمثل مطامح البشرية الأبدية، والتى عكستها الأديان، التى تم إستيعابها نفسها ضمن منظومات الإستعباد، لتصبح آمال البشرية كائنات ميتافيزيقية، تفارق الواقع ولا تحايثه، فتصبح فى حكم الوهم. أما اليد فتعمل فيما هو فى محيط القدرة، وفى مرمى القدم، فلا تخرج عن إطار الواقع المرسوم، فتغيره بحساب وبقدر، ضمن حدود وقيود فرضها هو، ووضعها التاريخ كقواعد ومراجع ذات إعتبار . هذه الفجوة ما بين الواقع والمثال، هى تيمة ثابتة تاريخياً، حتى لدى الثورات الناجحة، وليس هذا نابعاً من فشل الثورات بقدر ما هو ناتج عن سمو المثال الثورى فوق الإمكانات، كما أن سيكولوجيا الثورة نفسها، إنما تعمل على رفع سقف الطموح البشرى، فى ظل ما تمثله الثورات من لحظات إنتشاء تاريخى، تعيشها الشعوب خارج الزمن، زمن الرتابة والعبودية والخنوع.

 أما الثورات الفاشلة فهى أسوأ حالاً، وحتى وإن كان الفشل والنجاح مجرد رتب على سلم متدرج، فإن المردود المادى والنفسى لهما شديد الآختلاف. ورغم ما تتركه الثورات الفاشلة من يأس وقنوط لدى الشعوب، وشعور بالعبث واللاجدوى، فإنها تترك تراكماً تاريخيا مادياً ومعنوياُ، هذا التراكم لا يذهب هدراً، بل هو ضمن محركات التاريخ ووقوده الذى يشارك فى صناعته. هذه قواعد عامة تنطبق على كافة الثورات شرقاً وغرباً، وما نستشفه من تاريخ الثورات المصرية من نتائج، ليس حكراً على مصر، بل هى هى ذات القواعد تحكم وتتسلط وتتمظهر للعيان. فالمُتمعن فى التاريخ المصرى الحديث، سيجد أربع ثورات أساسية، تنوعت أسبابها الظاهرة وواجهاتها المعلنة، إلا أنها جميعها ينتظمها خط واحد لم تحد أو تنحرف عنه [1] ، هدفاً حاكماً حدد طبيعة هذه الثورات الناقصة أو الفاشلة، سمها كيفما شئت.

 هذا الهدف الحاكم ليس بالشئ الناشئ إعتباطاً، بل هو هدف أو بالأحرى ضرورة يفرضها التاريخ على مصر إذا أرادت العودة لصفحاته، فالعودة للتاريخ هى التى تفرض عليها إنجاز بضع مهمات تفرضها الضرورة التاريخية. هذا الضرورة مرتبطة إتباطاً لا إنفصام فيه مع هدف، فلا ضرورة بلا هدف، هذا الهدف هو دولة وطنية ديموقراطية مُتحضرة، تنهض بالفرد كما الجماعة، بلا إنحراف ولا إفتئات على أى طرف. من البداية يبدو الهدف عائماً غائماً، إلا أنه فى الحقيقة ليس كذلك، فما العيب إلا فيما إعتدناه من صيغ فضفاضة يلوكها مثقفى المقاهى، وكتاب الأعمدة، بلا ملل، بشكل جعلها أشبه بدين جديد. الحقيقة هى أن الجماهير تعى المسألة بشكل أكثر بساطة ووضوحاً، بعيداً عن التعبيرات الفضفاضة، والدلالات الغائمة، فالحرية والإستقلال والمشاركة فى الحكم والعدالة والكرامة، كلها تعبيرات تلخص المطامح الشعبية التى لا جدال حولها، والتى إجتمعت عليها كافة القوى فى كل ثورات مصر، بما يعطى دلالة واضحة، هى أن جميع ثورات مصر قادها الشعب بتصوراته البسيطة – حتى وإن ركب الموجة بعضهم فيما بعد -، كذالك نجد إشارة آخرى أكثر وضوحاً وأهمية، هى ضعف جميع التيارات الفكرية والإيديولوجية، بشكل يعكس غيابها شعبياً، وعدم ثقة الشعب بأغلبها [2]، كذلك ضعف ثقافة الشعب وممارسته السياسية، بما يجعل ثوراته مجرد هبات، لا يبدو لها – ظاهرياً على الأقل – روافد أو إمتدادات. هذه الروافد والإمتدادات الغائبة على السطح، نجد مسبباتها كامنة فى العمق، متجسدة فى ظروف متشابهة من التدخل الأجنبى والإفقار الإقتصادى والظلم الإجتماعى، بما شكل منطلقاً دائماً لكافة ثورات مصر .

 يُتبع 

 [1] ورغم وحدة هذه الثورات بما جعلها مجرد حلقات في ثورة واحدة بحسب تعليق الأستاذ صلاح عيسى، إلا أنه يرصد لنا ظاهرة غريبة هى أن "الحلقات المتتالية من محاولات البرجوازية العربية لتحقيق ثورتها قد نظرت بعين المقت والكراهية لما سبقها من حلقات، فهونت من شأنها، أو لوثت تاريخها، أو أخضعته لحملات دعاية مركزة ومكثفة، تبغى اقتلاعه"، وفي البرجوازية المصرية كمثال نجد أن "ما قاله مصطفى كامل عن عرابى لا يختلف كثيراً عن ذلك الذى قاله سعد زغلول عن محمد فريد، وفي مذكرات محمد فريد بعض ضيق بمصطفى كامل نفسه، وبعض ميل لتلويثه، أو على الأقل عدم الدفاع عنه، وفيما بعد قال الوفديون في مصطفى كامل كلاماً تتواضع أمامه مقولات مالك في الخمر، ثم قبضوا نفس الثمن البرجوازى من خلفائهم، فجاءت ثورة يوليو المصرية، لترد الثمن للوفديين، فمحت بالهجوم والدعاية كل إنجازات فترة ما بين الثورتين (1919 - 1952)، حتى سعد زغلول نفسه وصفه الميثاق بأنه مجرد انتهازى ركب موجة الثورة"، ثم أنبرى متعجباًَ ممن"يدهشون أو يذهلون لما تفعله البرجوازية المصرية الآن تجاه ذكرى عبد الناصر، أمجد وأعظم أبناء البرجوازية العربية"، وهو ما أرجعه إلى "أسلوب خاص في الصراع السياسى بين أجنحة البرجوازية العربية".

 [2] وهى عدم ثقة في محلها؛ لأسباب لا تتعلق بالجوانب الفكرية لهذه التيارات – رغم قصوراتها عن مقاربة الواقع مقاربة جدية – بقدر ما تتعلق بمدى نقاء ممثليها.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز