مجدي عبد الهادى
m.magdy54@gmail.com
Blog Contributor since:
14 March 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
إنهيار الإمبراطورية الأمريكية - بول فاريل

إنهيار الإمبراطورية الأمريكية..سريع، صامت، مُؤكد * بول فاريل – ماركت ووتش – 9 مارس 2010م

 ترجمة : مجدي عبد الهادي

  يقول أوريو جراند (كاليفورنيا – ماركت ووتش) : "واحدة من الحقائق المُقلقة في التاريخ هو أن العديد من الحضارات تنهار، وكما يحذر الأنثروبولوجي جاريد دايموند في عمله (الإنهيار..كيف تختار المجتمعات النجاح أو الفشل؟) فإن عديداً من الحضارات إشتركت في منحنى حاد من الهبوط، وفي الحقيقة فإن دمار المجتمعات يبدأ فقط بعد عقد واحد أو عقدين من بلوغه قمته في عدد السكان والثروة والقوة " يردد الآن نيل فيرجسون – أحد المؤرخين الماليين الرواد عالمياً – تحذير دايموند : "قد يأتي إنهيار إمبراطوري بشكل أكثر مُفاجأةً مما يتخيل المؤرخون، فمزيج من عجز مالي وتمدد عسكري يرشحان الولايات المُتحدة لأن تكون الإمبراطورية التالية على المنحدر".

 نعم !! أميركا على المُنحدر. أرفض تحذيره على مسئوليتك الشخصية. إن كل شئ تعملته، وكل ما تعتقد، وكل ما يُحرك قادتنا السياسيين، هو في الحقيقة يقوم على نظرية تاريخية قديمة ومُضللة. الإمبراطورية الأمريكية على منحدر خطر، ومن المحتمل أن تنهار بشكل سريع ومُفاجئ. وفيرجسون، مُساهم غزير ولامع، تتضمن أعماله الحديثة : "صعود المال..تاريخ مالي للعالم"، "عصبة المال..المال والسلطة في العالم المعاصر"، "العملاق..صعود وسقوط الإمبراطورية الأمريكية"، و"حرب العالم"، الذي يمثل مسحاً لـ"همجية القرن العشرين"، حيث يسلط الضوء على مُفارقة عميقة، هى أنه خلال القرن العشرين الأكثر دموية، كان وقت التقدم غير المسبوق. لماذا هذه التوقعات ؟ الإجابة هى أنه على مر التاريخ، كان يظهر حتماً زعماء إمبراطوريين يقودون أممهم لحروب، لأجل مجد أعظم و"تقدم إقتصادي" أكبر.

 بينما يقودونها للإنهيار، الذي يحدث فجأة وبسرعة، خلال "عقد أو إثنين". وستجد في عمل آخر لفيرجوسن، "إنهيار وتعقد..الإمبراطوريات على حافة الفوضى" في مجلة الشئون الخارجية "Foreign Affairs"، التابعة لمجلس العلاقات الخارجية، مركز التفكير غير الحزبي. حيث تنفي رسالته كل الكلام السعيد الذي تسمعه في الأخبار اليومية عن التعافي الإقتصادي والأسواق الجديدة الصاعدة، و"الأمل" بعودة الـ"العظمة الأمريكية"، بإختصار كل الكلام الذي تسمعه من ساسة واشنطن وصيارفة وول ستريت. إنهيار كل الإمبراطوريات : خمس مراحل مُتكررة في كل العصور يستهل فيرجسون كلامه بإستعارة مُدهشة : "لا يوجد إيضاحاً أفضل لدورة حياة القوة العُظمى من (طريق الإمبراطورية)" وهى سلسلة من خمس لوحات لتوماس كول موجودة في جمعية نيويورك التاريخية. وقد كان كول مؤسساً لمدرسة نهر هدسون، وواحداً من رواد رسم المناظر الطبيعية في القرن التاسع عشر، وفي "طريق الإمبراطورية" يقبض بجمالية على نظرية صعود وسقوط الإمبراطورية التي ما زالت تأسر معظم الناس حتى يومنا الحالي، حيث يصور كل مشهد من المشاهد المُتخيلة فم نهر عظيم تحت نتوء صخري. فإذا كنت لا تستطيع رؤيتهم في الجمعية التاريخية؛ فهم كلهم مُستنسخون في مجلة الشئون التاريخية؛ ليؤكدوا تحذيرات فيرجسون بأن "الإمبراطورية الأمريكية على المنحدر" قرب الإنهيار. أولاً : "الحالة الوحشية" قبل صعود الإمبراطورية

 في البداية "الحالة الوحشية"، حيث قفار معشوشبة يسكنها حفنة من صيادي الجمع الذين يتدبرون معيشةً بدائية في إستراحة فجر عاصف. "تخيل تاريخنا من إكتشاف كولومبس لأميركا عام 1492م، وبإمتداد أكثر من أربعة قرون توسعنا خلالها بشكل وحشي عبر القارة". ثانياً : "الحالة الأركادية أو الرعوية"، الإمبراطورية الأمريكية تتوسع

. الصورة الثانية "الحالة الأركادية أو الرعوية"، من قصيدة رعوية زراعية : مسح السكان الأشجار وزرعوا الحقول، وبنوا معبد يوناني رائع. وقد يبدو المعبد في غير محله. إلا أن لوحات كول التي رُسمت ما بين 1833و 1836م، لم يمض بعدها وقت طويل حتى بني توماس جيفرسون جامعة فيرجينيا، مُستخدماً المعمار الإغريقي الكلاسيكي وتقاليد الإحياء الرومانية. بينما يواصل فيرجسون بأن الجولة ستشعرك بكونك فعلياً داخل مجتمع نيويورك التاريخي، مُؤكدةً بشكل بصري، كيف تتكرر حقاً دورات التاريخ العُظمى مراراً وتكراراً. كما تذكرك كذلك، بأحد أعظم سخريات التاريخ التراجيدية، وهى أن كل الأمم لا تتعلم من دروس التاريخ، إذ تسقط كلها وقادتها في إستكبارهم النرجسي، الذي يقودهم في النهاية للإنهيار من الداخل. ثالثاً : إكتمال الإمبراطورية الأمريكية

 ثالث وأكبر اللوحات هى لوحة "إكتمال الإمبراطورية". فالآن، غُطى المنظر الطبيعي السابق برخام رائع، وإسُتبدلت حشود من التجار ومواطنين مُستهلكين يرتدون ملابس غالية بمزارع المتأملين القانعين في اللوحة السابقة. إنها مُنتصف دورة الحياة. "إكتمال الإمبراطورية" تركز لنا رسالة فيرجسون الرئيسية : في أقصى ذروة لقوتهم، ثرائهم، ومجدهم، يصعد قادة، يسيرون بتهور خلف رؤى إستعمارية، ويدمرون أنفسهم وشعوبهم وأممهم، إنهم يأتون عليها جميعاً. لكن حتى الأكثر من هذا لا يرضي طمعهم وغطرستهم وتعطشهم للقوة، التي تستهلكهم. وسابقاً في الأيام الأولى لحرب العراق، قبض أيضاً كيفين فيليبس المؤرخ السياسي وخبير نيكسون الإستراتيجي، على هذا الميل الحتمي للثروة والديموقراطية. "مُعظم الأمم العُظمى"، في قمة قوتها الإقتصادية؛ تصبح مُتغطرسة، فتشن حروباً عالمية كبرى بُكلفة عالية جداً، مُهدرةً موارد ضخمة، لتتحمل ديوناً هائلة، وفي النهاية تحرق نفسها". ونحن نستشعر وقوع مرحلة "إكتمال" الإمبراطورية الأمريكية خلال مرحلة إنتقال القيادة من بيل كلينتون إلى جورج دبليو بوش. فلسوء الحظ، القمة خلفنا : كلينتون، بوش، هنري بولسون، بن برنانكيه، سارة بالين، باراك أوباما، ميت رومني وكل القادة الأمريكيين المُستقبليين يلعبون مجرد أدواراً محدودة في الدراما التاريخية الأعظم، مُكررين – دون إدراك كامل أبداًُ – دروس التاريخ في إندفاعهم النهم لـ"التقدم الإقتصادي"؛ لإستعادة المجد السابق، بينما يدفعون دون تعمد إمبراطوريتنا للحافة...للإنهيار. رابعاً : دمـار الإمبراطورية .

 ثم يأتي "دمـار الإمبراطورية"، المرحلة الرابعة في دراما فيرجسون العظيمة عن دورة حياة كل الإمبراطوريات. في "الدمار" المدينة مُشتعلة ومواطنيها يهربون من غزو حاشد يغتصب ويسلب، تحت سماء ليلية كئيبة. وفي مكان آخر من "حرب العالم"، وصف فيرجسون القرن العشرين بأنه "الأكثر دموية في التاريخ"، مجزرة لمائة سنة. واليوم تقود حلقات التقنية العالية المُتصاعدة بلا هوادة، إلى قرن حادي وعشرين أكثر دموية بكثير، بشكل يعيدنا للهمجية. وعند هذه النقطة، يسأل المُستثمرون أنفسهم : كيف نستعد للدمار ولإنهيار الإمبراطورية الأمريكية؟، ليس هناك حل لسيناريو كول - فيرجسون !! فقط قبول المصير، والقدر، ودورات التاريخ الحتمية. لكن ربما كان هناك حل في كتاب "الثروة والحرب والحكمة" لبارتون بيجز مدير صندوق التحوط، والإستراتيجي العالمي الرئيسي السابق بمورجان ستانلي، الذي يحذرنا من "إمكانية سقوط البنية التحتية الحضارية"، ناصحاً إيانا بشراء مزرعة في الجبال. "يجب أن يكون ملجأك مُكتفي ذاتياً، وقادر على تنمية بعض أنواع الغذاء..مُجهز جيداً ببذور، مُخصب، أغذية مُعلبة، شراب، دواء، وملابس،...إلخ"، فكر كعائلة روبنسون السويسرية. "عندما يأتون للنهب، فالحل هو النار" في بضع موجات على رؤوس قاطعي الطريق القادمين. خامساً : الخراب...بعد إختفاء الإمبراطورية 

 وأخيراً، يرتفع القمر على اللوحة الخامسة "الخراب"، ليست هناك أروحاً حية لتراها، فقط بضعة أعمدة نخرة وصفوف كثيفة من الورد الجبلي واللبلاب. "ألا من قطاع طرق مُهاجمين؟!". تجمع نفايات كريهة من فيلم Wall-E. الخبر السار هو أن الأرض ستجدد نفسها طبيعياً دون البشر المُتوحشين، كما رأينا في رائعة آلان ويزمان "العالم بدوننا"، البنايات الفولاذية تتآكل، والميكروبات تأكل البلاستيكيات غير القابلة للفناء. تمر حقب، والأرض تظهر مرة أخرى بكامل بهاءها، كجنة عدن. خاتمة : كل الإمبراطوريات...محكوم عليها بالإنحطاط والإنهيار في عمود بجريدة لوس أنجلوس، يتسائل فيرجسون : "أميركا، إمبراطورية هشة، هل يمكن أن تنهار بهذه السرعة؟".

 ويجيب بوضوح وتأكيد : "لقرون، مال المؤرخون والمنظرون السياسيون والأنثروبولوجيون والعامة للنظر للعملية السياسية كفصول دورية موسمية، فهكذا نرى إيقاع التاريخ". والقوى العظمى، كالرجال العظماء، تولد، تصعد، تحكم، ثم تدريجياً تنحط، ولا إختلاف سوى أن الحضارات تنحدر ثقافياً أو إقتصادياً أو بيئياً، فقط سقوطهم مُطول. نحن نخدع أنفسنا بالإقتناع بأن "التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة تبدو غالباً كإحترق بطئ...وتهديدات تبدو بعيدة جداً" ويتسائل فيرجسون "لكن ماذا لو لم يكن التاريخ دورياً وبطئ الحركة، بل غير مُتسق كنبضات قلب مريض؟" ماذا لو كان التاريخ "أحياناً شبه ثابت، لكنه أيضاً قادر على التسريع فجأة كسيارة رياضية ؟ ماذا لو لم يصل الإنهيار خلال عدة قرون، بل أتى فجأة كلص ليلي ؟ ماذا لو كان إنهيار الإمبراطورية الأمريكية أمامنا مباشرةً، في العقد القادم ؟ ماذا لو كان الحال، كما مع إنهيار الدوت كوم عام 2000، بينما نحن في حالة إنكار رافضين الإستعداد ؟" رسالة فيرجسون النهائية بخصوص مصير أميركا تأتينا من مجلة الشئون الخارجية : "تخيل في أواسط ثلاثينيات القرن التاسع عشر لوحات كول العظيمة، وقد أوضحت في رسالة واضحة أن : كل الإمبراطوريات، مهما كانت رائعة، محكوم عليها بالإنحطاط والإنهيار" فعبر التاريخ، تلخصت وظيفة الإمبراطوريات في "توازن ظاهر لفترة غير معلومة". ثم إنهيار بشكل مفاجئ تماماً، "تذكير واضح بالجدول الزمني للإنهيار المُفاجي السريع الصامت والمُؤكد، بينما قد يبدأ فناء المجتمعات فقط بعد عقد أو إثنين من وصولها للقمة في عدد السكان والثروة والقوة". لقد تم إخطاركم !! إذا كانت قمة مجد أميركا قد مرت في فترة إنتقال القيادة من كلينتون لبوش؛ فإننا قد أطلقنا فعلياً العد التنازلي للإنهيار، في العقد من 2010 حتى 2020م ...تيك تيك تيك !!!

 * يتحدث الكاتب هنا بقدر هائل من المُبالغة عن الإنهيار الأمريكي، حيث يصوره لنا كما لو كان نهاية العالم البشري نفسه !! ربما لوقوعه أسيراً للرؤية الفنية – التي من طبيعتها المُبالغة الدرامية ضرورةً - لرسام اللوحات الذي تماهى به فيرجسون في عرض رؤيته !! والحقيقة أنه لا يمكن إنكار النتائج المهولة للإنهيار الأمريكي، في عالم ترابطت إقتصاداته بشكل غير مسبوق تاريخياً، بحيث أصبح الحديث عن – وخصوصاً بالنسبة للقطاع المتقدم والأكبر والأهم منه - إقتصادات عالمية أقل دقة بكثير من الحديث عن إقتصاد عالمي واحد، كذا نتيجة للدور الهائل للوجود الأمريكي ذاته، فقط ما يجب التأكيد عليه - رغم كونه من نافل القول - أنها ليست نهاية العالم، والمُتوقع على الأكثر، فوق تفكك إتحاد الولايات الأمريكية، إنشقاقات وفراغات هائلة بالإقتصادات المُرتبطة والتابعة للإقتصاد الأمريكي، تبخر مُدمر للإحتياطيات النقدية لدى الدول التي ستظل مُحتفظة بالدولار، سقوط دوميني سريع للأنظمة التي ستظل مُرتبطة بها، إستحواذات إقليمية،... وبالمُجمل فترة إنتقالية طويلة من عدم الإستقرار الدولي؛ يُعاد فيه رسم الخريطة الدولية وفقاً لقواعد جديدة، يغيب فيها شرطي العالم الأوحد المُتجبر، وتحكمه أقطاب مُتعددة، بأنظمة إقتصادية وإجتماعية مُختلفة ومًتناقضة، بعضها إشتراكية والأخرى فاشية.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز