أسعد سعادة
assaad@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 October 2011



Arab Times Blogs
بين الممانعة والممايعة

أفرزت أحداث سورية الأخيرة (وما زلت مصرا على عدم تسميتها بالثورة لأنها لا تمت للثورة بشيء) أفزرت مناوشاتٍ وجدالا سياسياً وإعلاميا كبيراً واتهامات متبادلة بالتعاون مع العدو الصهيوني وعدم التصدي بجدية لمشاريعه العدوانية والتوسعية في المنطقة. ووصل الأمر بقوى المعارضة السورية وخاصة معارضة الخارج إلى اتهام النظام السوري بأنه نظام غير مقاوم وغير ممانع وبأنه لم يطلق رصاصة واحدة على العدو منذ حوالي الأربعين عاماً وأن صفة المقاومة والممانعة إنما يستخدمها النظام للاستهلاك الإعلامي المحلي. سأحاول فيما يأتي أن أقرأ قراءة هادئة ومتزنة مواقف كلا الطرفين من خلال تاريخ كلا الطرفين أقول قراءة هادئة ومتزنة ولا أقول محايدة لأني أعترف بعدم حيادي  شخصياً في هذا الموضوع فأنا ضد ما يسمى بالثورة السورية لأن أهداف هذه الثورة صارت واضحة لكل ذي عين بصيرة ولكني أعتقد نفسي قارئاً جيدا وأستطيع بالتالي قراءة الأمور بشكل معقول.

قد يكون استعراض تاريخ وصول البعث للسلطة في سورية مفيدا لتوضيح ما أريد استعراضه. من المعروف أن عبد الناصر طلب إبان استلامه رئاسة الجمهورية العربية المتحدة حل كل الأحزاب السياسية وقد رضخ حزب البعث لذلك وحل نفسه بعكس الحزب الشيوعي السوري والحزب السوري القومي الاجتماعي (وقد اعتبر البعثيون فيما بعد ذلك القرار أي قرار حل الحزب قراراً خاطئا) رافق الوحدة وحل الحزب تسريح بعض الضباط السوريين ومنهم حافظ الأسد ونفيهم إلى مصر. في مصر شكل الضباط البعثيون ما عرف باللجنة العسكرية وتشاء الصدفة التاريخية ربما أن يكون حافظ الأسد وصلاح جديد ومحمد عمران (وجميعهم من أبناء الطائفة العلوية الكريمة) عماد تلك اللجنة ثم انقلبوا على بعضهم وصفوا بعضهم البعض.

معروف أنه كان لهذه اللجنة العسكرية دور أساسي في التخطيط وفي تنفيذ حركة 8 آذار ومعروف أيضا أن نفس اللجنة استقدمت أمين الحافظ من الأرجنتين وسلمته رئاسة الدولة لأن أيا من الضباط العلويين لم يرد في حينه أن يكون الرئيس المباشر. أمين الحافظ قصف في العام 1964 جامع السلطان في حماة ولم يُتهم الرجل يومها بالكفر ومعاداة الإسلام (ماذا لو كان أمين الحافظ علويا هل كان لينجو من تهمة الكفر والزندقة ومعاداة الإسلام. مع الاعتذار من الإخوة القراء فأنا لا أقصد خطاباً طائفياً ولكن ظروف المرحلة  تقتضي ذلك للأسف الشديد). ثم جاءت حركة 23  شباط بقيادة صلاح جديد والذي سلم الرئاسة بدوره للطبيب السني نور الدين الأتاسي ورئاسة الوزارة لطبيب سني آخر هو يوسف زعين واستلم وزارة الخارجية طبيب ثالث علوي هذه المرة اسمه ابراهيم ماخوس. يومها  علقت إحدى الصحف  اللبنانية (أعتقد أنها صحيفة لوريان لوجور L'orient le jour الناطقة بالفرنسية) على الموضوع بالقول: سورية يحكمها ثلاثة أطباء لا بد أنها مريضة جدا. ما علينا في فترة جديد حصلت حرب حزيران 1967 وما رافقها من نتائج كارثية ما نزال نتحمل نتائجها حتى يومنا هذا.

 كتب الكثير عن النكسة كما يحلو لنا أن نسميها ووصل الأمر بالبعض إلى تحميل حافظ الأسد شخصيا مسؤولية الهزيمة بل وصل الأمر ببعض هؤلاء  إلى حد تأليف كتب عن ذلك مثل كتاب سقوط الجولان لمنيف الرذاذ (على ما أعتقد). أعتقد شخصيا أن في هذا التحميل إجحاف بحق الرئيس الراحل لأكثر من سبب. السبب الأول أنه لم يكن المسؤول الأول عن الدولة فقد كان ثمة رئيس للدولة اسمه نور الدين الأتاسي ويفترض أنه هو من كان مسؤولا عن أمن الدولة وعن قرار الحرب قد يقول قائل أن الأتاسي كان رجل كرسي حسنا فلماذا لا يتهم المسؤول الأول عن البلد في تلك الفترة وأقصد صلاح جديد ولماذا لا تتم مساءلة رئيس الأركان في تلك الفترة وكان اللواء أحمد سويداني  ولماذا لا تتم محاسبة قواد الألوية والفرق بل والكتائب والفصائل.  صحيح أن حافظ الأسد كان وزير الدفاع ولكن هل كان مع كل قواد الجيش السوري ساعة سقوط الجولان. جميعنا يعرف أن سياسة الدولة في حينه والتي رسمها صلاح جديد كانت سياسة حرب الكلمات والسيوف الخشبية كما على حد تعبير نزار قباني وبفضل صوت العرب وأحمد سعيد وصواريخ القاهر والظافر وحرب التحرير الشعبية اندحرت جيوش ثلاث دول عربية هي مصر وسورية والأردن في ستة أيام وخسر العرب سيناء والقدس الشرقية والجولان فهل من الإنصاف اتهام شخص واحد هو حافظ الأسد بهذه الهزيمة دون الآخرين.

 أنا أعتقد أن سقوط الجولان كان مسؤولية الدولة ككل من أصغر إلى أكبر مسؤول فيها ولم يكن خطيئة شخص واحد ويتوجب عدم نسيان الجو العربي العام في حينه ومواقف مصر والأردن والفلسطينيين ولبنان وتصريحات القادة العرب النارية والتي أودت بنا إلى هذا المآل. هذا لا يمنع أن فقدان الجولان بقي شوكة في حلق حافظ الأسد على الصعيد الشخصي كما هو شوكة في حلق كل سوري شريف حتى الآن.  لذلك حاول حافظ الأسد حين استلم الحكم في سورية بناء كل مجده الشخصي على محاولة استرداد الجولان لأنه كان يعرف حق المعرفة أن أبطال المقاهي ورواد فنادق الخمسة نجوم يتهمونه شخصيا وبشكل مباشر بضياع الجولان. ثم جاءت حرب تشرين عام 1973 والتي وصل الجيش السوري في أيامها الأولى حتى بحيرة طبريا وكان يمكن له استرداد الجولان لولا خيانة السادات وهذا أمر مسجل في التاريخ. ومع ذلك نذكر الذين يتهمون الأسد بأنه لم يطلق رصاصة واحدة باتجاه العدو الإسرائيلي منذ حرب تشرين 1973 نذكرهم بحرب الاستنزاف التي دامت لأشهر في العام 1974. ثم جاء العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 1982 واشتباك الجيش السوري معه ولعديمي الذاكرة نذكر بحصار أحد الألوية السورية لأشهر. ونذكر أيضا عديمي الذاكرة بمعركة جوية فوق لبنان في ثمانينات القرن الماضي فقد سلاح الطيران السوري فيها أربع مقاتلات ميغ 25 . ونذكر بأن المناوشات بين الجيشين السوري والاسرائيلي لم تنقطع عمليا.

 حافظ الأسد بخلاف زملائه من الرؤوساء العرب من معاصريه كان يتمتع بحدس سياسي قل نظيره فالرجل كان يعرف حق المعرفة إمكانيات جيشه وإمكانيات جيش عدوه وبالتالي كان ينأى بسورية عن حرب يعرف مسبقا أنه سيخسرها وهذه نقطة تحسب له لا عليه. هل كنتم تريدون من حافظ الأسد أن يتصرف كما صدام حسين لو فعل ذلك أين كانت سورية اليوم. ما. أذكر عام 1991 وقبل عاصفة الصحراء يوم كتب غسان زكريا في سوراقيا (مع الاعتذار من أسامة فوزي) أنه لو قدر لصدام حسين الخروج سالما من المعركة فسيصبح لاعبا أساسيا في مدرسة حافظ الأسد السياسية.

بشار الأسد يسير على خطى أبيه وورث منه الجانب البراغماتي على ما أعتقد. فعندما جاءت حرب تموز بين إسرائيل وحزب الله وقتها كانت سورية الدولة العربية الوحيدة التي ساندت حزب الله إن لم تخني الذاكرة ثم جاءت حرب غزة يوم رفضت مصر حسني مبارك فك الحصار عن القطاع وقتها سورية هي التي ساندت حماس صحيح أن اسماعيل هنية نسي ذلك عندما قبض دولارات القرضاوي ولكن المساعدة السورية كانت للقضية الفلسطينية وليس كرمى لعيون هنية أو غيره أليس كذلك. أليس انسحابه من لبنان لعبة سياسية ذكية فوتت على أميركا وفرنسا وأبواقهما في الجامعة العبرية لعبة قذرة. تقولون أن سورية لم ترد عندما قصفت إسرائيل عين الصاحب بربكم هل تعتقدون أن باستطاعة سورية الرد ولم ترد. أليست السياسة فن الممكن.

 أنا أعتقد أن سورية لم تهادن إسرائيل يوما وأنها تستحق تسمية بلد مقاوم وممانع طالما أنها تقاوم عسكريا حين تستطيع ذلك وطالما أنها تدعم حركات المقاومة سياسيا وماليا وعسكريا وهي تحبط دوما كل مشاريع الاستسلام في المنطقة وتكاد تكون الدولة العربية الوحيدة التي لم يرفرف بعد في سمائها  علم الكيان الصهيوني. أليس إسقاط اتفاق 17 أيار مقاومة وممانعة. أليس التصدي لمشروع الشرق الأوسط الجديد مقاومة وممانعة. ألا يشرف العرب أن سورية هي الدولة العربية الوحيدة التي لا تتلقى مساعدات أميركية وأن رئيسها هو الرئيس العربي الوحيد الذي لم تطأ قدماه أرض البيت الأبيض. أليس من صفات المقاومة والممانعة أن سورية هي عمليا الدولة العربية الوحيدة التي تأكل مما تزرع وتلبس مما تنتج وتصدر الأدوية لكثير من أطفال أميركا المدللين. هل المفاوضات السورية الإسرائيلية حصلت بشكل سري أم علني. هل أنكرت سورية يوما أنها تريد التفاوض بهدف استرجاع الأرض المحتلة. ألم تطالب سورية دوما بالحل الشامل للقضية.

تعالوا نرى الآن تاريخ صناديد المعارضة السورية والذين يحلو لهم اتهام النظام السوري بأنه نظام غير مقاوم وغير ممانع:

السيد برهان غليون أولا نحن لم نسمع باسم الرجل من قبل ولا نعرف منذ متى يتعاطى الرجل بالسياسة السورية. ما نعرفه. أنه قرر علنا عدم محاربة إسرائيل وأنه قرر استرجاع الجولان بالمفاوضات (هكذا فإسرائيل بانتظاره كي تعيد له الجولان) وقرر قطع علاقات سورية مع إيران ومع حزب الله. هو يريد علاقات مع حمد الذي انقلب على أبيه ومع زعيم أكبر دولة ديمقراطية في العالم ملك السعودية. وهو يريد تسليح رياض الأسعد زعيم عصابة الجيش السوري الحر التي يمولها حمد الصغير ويدربها آلان جوبيه. غليون يقبٌل صرامي برنار هنري ليفي وجماعته ليل نهار من أجل التدخل عسكريا في سورية وقلب نظام الحكم حتى يصبح الفرنسي المتقاعد رئيسا لسورية. فهل السياسة الغليونية سياسة ممانعة أم سياسة ممايعة. أترك الحكم للقراء.

السيدة بسمة قضماني: هبطت بدورها بالمظلة على المعارضة السورية. لا نعرف الكثير عنها ولكننا نعرف المهم وهو مقابلتها على التلفزيون الفرنسي مع جان بيير الكباش وخمسة كتاب اسرائيليين. يومها قالت السيدة قضماني ببساطة أن وجود إسرائيل ضروري للمنطقة وأنها تفضل محاورة الإسرائيلين على محاورة المسلمين. المقابلة موجودة على اليوتيوب. فهل سياستها سياسة ممانعة أم سياسة ممايعة

النائب السابق مأمون الحمصي: نعرف أنه مهرب سابق وانه شريك رياض شاليش وبوق سابق للنظام. غير رأيه وصار بوق للمعارضة يشتم العلويين بكلمات سوقية لا تخرج من فم عرصة من عرصات الشوارع (شاهدوا يوتيوب أيضا) ورأيناه أخيرا متأبطا ذراع سيدة إسرائيلية (موقع الحقيقة) فهل هو ممانع أم ممايع

جماعة الإخوان المسلمين هل من داع للحديث عنهم. صار واضحا وبما لا يدع المجال للشك أن ولاء الإخوان لزعيم الإخوان أولا وأخيرا. ولاؤهم ليس للوطن ولا للدين ولا للمبادئ.  في مصر صرحوا أنهم لن يلغوا اتفاقيات كامب ديفيد وقد يعتذرون عن اغتيال السادات من يدري. وفي تونس صرحوا أنهم لن يلغوا البيكيني. وفي المغرب وافقوا مؤخر على فتح محلات سيكس شوب sex shop. وإن استلموا الحكم في سورية لا سمح الله فقد يقيموا تمثالا لضحايا الهولوكست. لن نعيد الحديث عن سيارات الإخوان المفخخة في ثمانينات القرن الماضي بل نذكر بأن المسؤول عن الملف السوري في قناة الجزيرة أحمد ابراهيم هو شقيق عضو المجلس الوطني أنس العبدة. فهل الإخوان المسلمين ممانعين أم ممايعين

لن أتحدث عن عبد الحليم خدام ولا عن رفعت الأسد فهؤلاء معروفون عند الشعب السوري. ولن أتحدث عن بسام جعارة الصحفي في جريدة القدس العربي ذات التمويل الإسرائيلي ولا عن المفكر الإستراتيجي الخطير الشرطي السابق والمطرود من سلك الشرطة  لسوء أدبه وانعدام أخلاقه (يعرف نفسه) ولا عن عميل المخابرات السبق ورئيس اللجنة السورية لحقوق الإنسان (يعرف نفسه أيضا)

باختصار رغم كل ملاحظاتنا على النظام السوري ومطالبتنا له بضرورة الإسراع بتطبيق خطط الإصلاح ومحاربة الفساد إلا أنه يبقى نظاما منسجما مع نفسه ومع مبادئه يبقى نظاما عروبيا قوميا وطنيا مقاما وممانعا وأما قوى المعارضة ممن يكيلون الاتهامات جزافا للنظام فليس عندهم إلا سياسة ممايعة يتسابقون للفوز برضا برنار هنري ليفي وإسرائيل. وصول أي منهم للسلطة في سورية لا سمح الله يعني على سورية السلام. كلمة أخيرة أقولها للاهثين وراء رضا إسرائيل على أمل استلام الحكم العميل عميل في بلده ولن يكسب يوما احترام العدو. من هذا المنطلق أتمنى لو يقبل الجميع موالاة ومعارضة بالجلوس حول طاولة واحدة للنأي بسورية عن كل الأخطار فكلنا إلى زوال ولكن سورية كانت وستبقى. ليتنازل كل منا عن بعض كبريائه في سبيل بقاء كبرياء سورية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز