أنمار عبود
anmarnar@yahoo.com
Blog Contributor since:
04 February 2012



Arab Times Blogs
مقابلة مع ثورجي سوري

  

 لقد آثرت تسمية ذلك بمقابلة وليس تحقيق لأن أسلوب المحقق المتبع هو بالفعل يشبه مقابلة مبنية على أصول علمية ديمقراطية حضارية. في هذه المقابلة مع الثورجي السوري استحضرتني مسرحية غربة على ما أذكر والتي كان أبطالها دريد لحام ونهاد قلعي وياسر العظمة وغيرهم. ما استحضرني في هذه المسرحية هو لقطة قدوم الطبيب إلى القرية حيث كان يفحص الناس بالجملة لأن الأمراض واحدة والمعالجة واحدة والدواء واحد.

 

ما دفعني إلى العودة بذاكرتي إلى هذه المسرحية وإلى الطبيب فيها بشكل خاص هو الكم الهائل من المسلحين المرتزقة الثورجيون الوهابيون الذي بات الجيش العربي السوري المقاوم البطل المغوار الوطني يقبض عليهم زرافا وجماعات والكثير منهم قام بتسليم نفسه وسلاحه والحجب التي كان يشكلها بلباسه الداخلي مصورة عن حجاب مكتوب بخط اليد للعرعور والقرضاوي ودور الإفتاء الوهابية في الخليج العبري. هذه الأحجيات كتب عليها بأن النصر لكم واقتلوا العلوية والمسيحية أو رحلوهم والله وملائكته معكم ويحاربون إلى جانبكم ولا تخافوا على نسائكم وأولادكم فنحن هنا مسؤولون عنهم بكل ما يحتاجونه وإلى كل ما هنالك من عمليات تغرير ونصب واحتيال باسم الدين حتى يقوم هؤلاء الأشخاص بكسر حاجز الخوف والدخول إلى مناطق شعب أبي يعلم الآخرين اللحمة الوطنية ودروس الإباء والكبرياء.

 

الأجمل من ذلك كله هو الحادثة التالية التي وصلت إلى مسامعي من أحد الأشخاص الذي سمعها بدوره من أحد المحققين مع هؤلاء القتلة الإرهابيين وبشكل شخصي:

 

المحقق: هل أنت بخير؟ هل أكلت وشربت ونمت جيدا؟ هل أنت في حالة نفسية وجسدية تسمح لك بأن تتحدث معي وتجيبني على أسئلتي؟ هل تحس بأنك بكامل قواك العقلية والجسدية؟!

 

طبعا المسلح المجرم المقبوض عليه ينظر وعيناه تتراقصان يمنة وشمالا وهو مرتبك خائف من أن يفعل به المحقق والجيش ما كان يفعله هو مع المدنيين العزل والأقليات الذين كانوا يصلون إلى يديه عن طريق خطفهم فيعذبهم ويقطع أوصالهم بالساطور قبل أن يذبحهم بعد الموت.

 

هذه قصة حقيقية جرت وتجري مع أغلب المسلحين الذين يقبض عليهم. طبعا هناك أوامر شخصية من الرئيس السوري بأن لا يعذب أي مجرم من هؤلاء وأن يعامل معاملة محترمة أثناء التحقيق لأن هدف الرئيس الشاب المتعلم هو مداواة مثل هؤلاء الأشخاص المرضى فكريا ونفسيا وعقائديا وإعادتهم صالحين إلى المجتمع الذي مارسوا إجرامهم فيه وعليه من أجل المال أو الدين.

 

المحقق:

ماذا تظن بأنني فاعل بك وأنت الآن بين يدي هنا لا يمكنك الهروب ولا يسمع أحد صوتك وخاصة أنك قتلت الأبرياء واغتصبت النساء وروعت الآمنين؟

المسلح: سوف تقتلني حتى تخلص الناس مني وحتى لا أكون عقبة في وجه السلطة أو أمن واستقرار البلد!

 

المحقق: أحيانا يختلجني مثل هكذا شعور بقتلكم وخاصة أنكم قتلتم زملاءنا واغتصبتم نساءنا وروعتم أطفالنا ولكن الرئيس أمد الله في عمره منعنا حتى من ضربكم أو إهانتكم ولا نعرف لماذا.

المسلح ينظر متعجبا ويتمتم.

بماذا تتمتم؟

لا شيء!

قل لي يقول له المحقق.

المسلح: في الحقيقة قال لنا من أرسلنا للقتال وقام بتمويلنا وزرع بذرة كره الأخرين فينا بأننا إذا لم ننتصر فإن الرئيس سوف يأمر بقتلنا وحرقنا وتشريد أهالينا وبأن الطوائف الأخرى سوف تنتهك أعراضنا وتدخل إلى بيوتنا وتشرد أطفالنا ونساءنا!

 

المحقق: ومن قال لكم ذلك ومن مولكم ومن شجعكم؟

المسلح: الكثيرون من رجال الدين في الجوامع كانوا يحرضوننا على السلطة وعلى الطوائف الأخرى وبأننا إذا قتلنا الجيش أو أشخاص من الطوائف الأخرى فإننا إن انتصرنا استلمنا الوظائف الكبرى لأننا ثوار وإن متنا فإن الله سبحانه وتعالى بنى لنا قصورا في الجنة ولكل منا سبعين حورية تعوضنا عن جوعنا وعطشنا في هذه الدنيا الآثمة.

 

المحقق: هل رجال الدين وحدهم أم هناك رجال آخرون؟

المسلح: هناك شيوخ من مساجدنا ومساجد أخرى وأحيانا كنا نتفرج على قناة الصفا والجزيرة والعربية وغيرهم وكنا نسمع التشجيع والتحريض على الجهاد فننتفض ولا نعرف لماذا!

 

المحقق: كم شخص قتلت ومن كان معك؟

المسلح: أنا قتلت حوالي العشرة أشخاص فقط خمسة من الجيش والأمن عن بعيد بقناصة أمريكية عليها منظار إسرائيلي وخمسة شبان من الطائفة العلوية كانت هناك سرية خاصة عندنا للخطف وكانت تحضرهم لنا ونقوم بتعذيبهم وقتلهم ومن ثم تصويرهم على أنهم ثوار وأن الجيش العربي السوري والأمن والشبيحة هم الذين قتلوهم !

 

المحقق: ماذا كان يفعل هؤلاء الشباب المدنيين حتى تقتلوهم؟ هل كانوا مثلا يتعاونون مع الجيش والأمن؟

المسلح: لا والله ولكن كانوا سائقي تكسي ومواطنين عاديين ذاهبين إلى عملهم أو لشراء حاجيات أطفالهم أو موظفين صغار ذاهبين إلى وظائفهم!

 

المحقق: ماذا يعمل والدك؟

المسلح: والدي موظف صغير في إحدى الشركات وراتبه لا يكفينا لذلك كنا مضطرين للعمل بسوق الهال كعتالين حتى نعيش لأننا أكثر من عشرة أفراد في البيت!

 

المحقق: ما موقفك وماذا ستقول لشاب ما إذا قام بخطف والدك وهو ذاهب إلى عمله ومن ثم تعذيبه وقتله؟

المسلح: أقول له حرام عليك فوالدي إنسان عنده أولاد ويمشي الحيط الحيط ويقول يا ربي السترة وهو لا ناقة له ولا جمل لا في السياسة ولا في غيرها!

 

المحقق: إذا كان ذلك ما ستقوله له فلماذا تشرع لنفسك وتحلل ما تحرمه على غيرك؟

المسلح: كلامك معقول شيئا ما ولكن أبي يفرق عن آبائهم أي عن والد الشخص الذي نخطفه مثلا ونعذبه ونقتله!

 

المحقق: لماذا؟

المسلح: لأن والدي مؤمن ويعرف الله أما الآخرون الذين نقوم بقتلهم هم كفار ولا يسيرون على نهج الرسول والصحابة!

 

المحقق: ومن قال لك ذلك؟

المسلح: الخطب المتكررة التي نسمعها من شيخ الجامع وعلى التلفاز من العرعور والقرضاوي وغيرهم!

 

المحقق: مع من كنت عندما كنت تقاتل وألقي القبض عليك؟

المسلح: كنا تسعة اشخاص ثلاثة من حمص واثنان من حماة وواحد من إدلب واثنان من الخليج العربي وشاب فلسطيني من حماس؟

 

من أين من الخليج العربي؟

من السعودية وقطر!

 

المحقق: ألم يكن هناك أجانب؟

المسلح: نعم كان هناك أتراك وفرنسيون وأجانب كثر لا نعرف جنسياتهم ولكنهم كانوا شقر ويتكلمون مع بعضهم الإنكليزية!

 

المحقق: ماذا كانوا يعملون:

المسلح: كان معهم أجهزة اتصالات وهم كانوا يعلمون السرية الخاصة عندنا على ضرب الصواريخ المضادة للدروع والدبابات؟

 

المحقق: هل أنت نادم على ما فعلت؟ هل أنت خائف؟

المسلح: أحس بالندم لأنني في اللحظات الأخيرة كنت أفكر كثيرا بأننا نحن نقاتل ونموت ونرتكب جرائم بحق الأهل والوطن والآخرين الذين يحرضوننا جالسون في بيوت فخمة في الغرب وفي الخليج وتركيا وينعمون بالأموال والنساء وأولادهم في أمان! بالعكس لست خائفا الآن لأنني بدأت أعرف مصيري فأنا الآن في السجن وبعدها محاكمة وإما سجن أو إعدام أما عندما كنت طليقا كنت في سجن كبير وخوف دائم من المجهول وتفكير بدأ يوجعني رأسي من الورطة الكبيرة التي تورطنا فيها على أيدي الخليجيين!

 

 المحقق: هل تظن بأن الخليج وقطر والسعودية يحبونكم ويريدون تحسين أوضاعكم ونشر ديمقراطية وحرية؟

المسلح: أنا أعرف بأنهم كلهم كلاب وكانوا يزوروننا في السنوات الماضية في سوريا ليس لأنهم يحبوننا بل كل واحد منهم كان يأتي ويتزوج فتاة من عندنا ويشتري أو يستأجر لها شقة ويأتي مرة أو مرتين بالسنة ليمارس الجنس معها ويعود إلى زوجته وأولاده هناك! في حياتهم لم يفكروا فينا وعندما كنا نتحدث معهم كانوا يتحدثون فقط بالمال وبأنهم يستطيعون أن يشتروا كل شيء حتى البشر!

 

المحقق: وهذا تحقق فقد اشتروك واشتروا غيرك؟

المسلح: لم يشتروني وأنا لم أفعل ذلك لولا الفتاوى الكاذبة السيئة التي أوهمتني بأنني أجاهد في سبيل الله وبأن الجنة مأوى لي بعد الموت!

 

المحقق: بدل أن تقوم بقتل الأبرياء وجيش بلادك الذي هو أخوك وأخي ووالدك ووالدي ألم يكن من الأفضل لو خبأت كل قدراتك وشجاعتك ليوم تحرير الجولان من العدو الصهيوني الغاشم؟

المسلح: كلامك صحيح ولكن قالوا لنا بأن الجهاد ضد النظام هو فرض على كل مسلم وبأن إسرائيل ليست عدوتنا فهي تحب السلام وإذا اضطرت لقتل الفلسطينيين والأطفال في جنوب لبنان فقط لأنها في حالة دفاع عن النفس وبأنها تريد كما يقال السلة بلا عنب وبأن قطر لها علاقات جيدة معها وسوف تعمل على تقوية علاقتنا مع إسرائيل بعد النصر!

 

المحقق: وهل أنت مقتنع بذلك؟

المسلح: الآن لم يعد ينفع قناعة أم غير قناعة وقعت الفاس بالراس وصار للي صار.

 

المحقق: هل تريد أن تضيف شيئا آخر قبل الإنتقال إلى التحقيق مع غيرك؟

المسلح: أتمنى أن لا تحقق مع غيري وتضيع وقتك!

 

لماذا؟

لأن الجميع سوف يجاوبك بنفس الكلام إن أراد الصدق في جوابه فنحن مغرر بنا باسم الحرية والدين والديمقراطية ونحن لا نفهم منها لا الشكل ولا المضمون.

 

المحقق: ما هي أمنيتك الأخيرة؟

المسلح: هل تصدقني إذا قلت؟

أحاول تصديقك ولما لا!

 

والله أتمنى أن تتركونني طليقا وتعيدون لي سلاحي لأذهب إلى الخليج وأقاتلهم حتى آخر قطرة من دمي لأنهم هم الكلاب الذين ورطونا وضحكوا علينا وأنا أقسم بالله بأنهم أنجس وأوسخ من إسرائيل وتجب محاربتهم قبل أن نحارب العدو الغاصب للأرض والعرض







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز