الدكتور رضا العطار
ridhaalattar@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 March 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
نحن والعقل الباطن ج3

تحملنا الحضارة في السلم وفي الحرب على ان نكبت عواطفنا . ولكن العاطفة كالبخار المحبوس , اذا لم يخرج من الانابيب الاصلية المعدة له فتش عن مسارب نفسية اخرى يتسلل منها . حتى ولو اتخذ هذا التسلل صورة الادب او الشعر . فان كتاب الف ليلة وليلة هو في صميمه احلام الجائعين المحرومين من الطعام الفاخر والمرأة الجميلة والقصر الفخم . وان اشعار ابي العلاء المعري ماهي الاّ زهد المحروم من الدنيا الذي يجد الحصرم عنبا . والنكات الجنسية التي يتمازج بها الشبان وقت عزوبتهم تدل على كبت جنسي صارخ . والاصرار على التفائل قد يكون احيانا مهربا من التشائم المفرط الذي تفضي به ظواهر الاحوال , فالناس من فرط يأسهم بسوء الاحوال الاقتصادية يقودهم كبتهم المتراكم احيانا بالايمان في ظهور منقذ - كالمهدي المنتظر -  في يوما ما ليخلصهم من بلواهم  .

 

ان جميع الالتواءت في تفكيرنا تعود الى اننا نجابه الدنيا ونعامل الناس بعواطفنا بدلا من عقلنا . ولكن هذه العواطف اما ان تكون سافرة فنعرفها ,  واما مستترة فنجهل اصولها لكن مقرها هو في العقل الباطن . وهي لاننا نجهلها , ننساق في تيارها , ونجد لنا منها ميولا واتجاهات وتصرفات ندافع عنها بالعقل ونبررها بالمنطق حتى وان كانت سيئة . وقليل جدا من تصرفنا يعود الى العقل بينما 99%من تصرفنا يعود الى العواطف السافرة او المستترة .

 

انظر مثلا الى سلوكنا حين نتعصب ضد اشياء اونكره اشياء نستعرضها ولا ننفك نشنع عليها . فان اغلب الظن اننا في كامنتنا نحس ميلا مكبوتا نحو هذه الاشياء نفسها كما يقول العالم الانكليزي ولز في كتابه – علم الحياة –

( قلما يكون اولئك الذين يمنعون الاستحمام المختلط على الشواطئ , او يقفون ضد اتخاذ النساء ملابس تتنافى والحشمة , هم في الغالب لم يكونوا من الحكماء الذين يستطيعون ان يضبطوا رغباتهم في تعقل , هؤلاء كبتوا غرائزهم بعنف وحجموا في اظهار ارائهم الاخلاقية بصراحة )

 

انظر مثلا الى ازدواج الشخصية حين يسلك احدنا كأنه في يوم تفائل وآخر في تشائم فإن هذا الازدواج يعود الى ان الكامنة قد احتبست فيها شهوات ورغبات يحملنا المجتمع على انكارها . فاذا بها في يوم ما تطغي علينا فننسى شخصيتنا الاجتماعية التي نعيش بها وتبرز فينا شخصية اخرى هي التي كنا نتمناها في احلام النوم واليقظة , لذا يجب ان نعرف اربع حقائق عن العواطف واثرها في العقل الباطن :

 

1 – اننا حين نكظم ونحن على وجدان بالكظم نحس قلقا وتزعزعا ولكننا نبصر بالاسباب وبذلك نستطيع الاستفادة من العلاج . ولكن اذا كانت العاطفة مجهولة و قد اندست الى الكامنة واننا لم  نبصر الاسباب . انذاك نحس قلقا وتزعزعا لا ندري اصلهما وهنا نحتاج الى التحليل النفسي وبكلمة اخرى نقول ان الكبت مع معرفة السبب يسهل التخلص منه ولكن الكبت مع جهل السبب يصعب  .

 

2 – ان العاطفة المكبوتة قد تبقى في سبات اوخدر مدة  سنوات عديدة , ثم تستيقظ  بالعدوى كالأم التي فقدت ابنها قد تعود الى ذكراه بعد عشر سنوات لانها سمعت ان قريبة او صديقة او جارة لها قد فقدت ابنها .

 

3 – ان الكوارث مهما كانت فادحة لا تؤثر في النفس كالحوادث اليومية المتكررة الطفيفة , ولذلك تستطيع الأم ان تفقد وحيدها وتكظم حزنها وتستبقي عقلها ولكن الزوجة الشابة تفقد عقلها لان حماتها توبخها كل يوم وتناكدها في مسائل تافه متكررة او لانها تجد المناكدات الصغيرة المتوالية من زوجها او ضرتها .  

 

4 – ان الكبت اذا خف صار بخارا محبوسا , فهو بمثابة  قوة تدفع قاطرة الشخصية دون ان يؤدي الى الانفجار ولكنه اذا اشتد ادى الى الانفجار , وبكلمة اخرى نقول ان القليل من السخط يحفز على العمل , لكن الكثير منه يؤدي الى الاجرام .

 

هل تعلم ان الكبت يلد العمل الفني احيانا ؟ .... نعم وهو كذلك حيث ان الادباء والشعراء والفنانون يختلفون في اساليبهم واهدافهم في سبيل تحقيق غاياتهم , وهم يؤلفون ويبذلون الجهود دون ان يعرفوا الحوافز التي دفعتهم في اتجاهاتهم هذه وكانت الباعث الاساسي لابداعاتهم الخلاقة .

 

ولكن الفنان لا يؤلف في الفن , حيث الميدان الرحب يتسع للعواطف والاذواق والاتجاهات والاخلاق , الاّ اذا كان قد وجد في حياته ما يحمله على اتخاذ خطة دون اخرى وهدف دون اخر . ولذلك نحن نفهم الكِتاب او القصيدة او الرسم او اللحن اكثر اذا عرفنا حياة المؤلف والتفاصيل الخاصة يه ,  مما لقي من افراح و اتراح , ربما نزل به من كوارث او مصادمات وربما كان له من علاقة اجتماعية عاطفية  . لانه وهو يؤلف انما يتوسع بشخصيته وينقل الى الجمهور احساساته . اذ هو يتخيل الخيال او يحلم الحلم , الذي يسد عنده نقصا في حقائق الواقع .

 

الى الحلقة القادمة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز