نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
بدون سوريا

بشرى سارة لكل شعوب العالم المتخلفة، وتلك التي في طور التخلف والانحدار الحضاري، فقد أصبح لدينا اليوم، في سوريا، وكله، طبعاً، بعد فضل الله تعالى، وبفضل الدستور السوري العصري جداً الذي طبـّل له إعلامنا "العصري" كثيراً، طبقة "البدون" الجديدة في سوريا، ونعني تلك الطبقة التي باتت محرومة، عملياً، من حقوق عينية دستورية، أي تعيش من "دون" تلك الحقوق و"بدون" أية إمكانية لتبوء مناصب معينة، وبدون أي طموح لترتقي إلى درجة المواطن الأول أو الفرق الناجية من ساطور الدستور، بالتعبير "إياه"، بل ستبقى، دستورياً على الأقل، وفي المدى المنظور، طبقة درجة ثانية في المجتمع السوري.

 هذا توصيف حالة، وليس نقداً ولا تهجماُ، ولا خيانة وطنية كما رطن أحد الأبواق المهترئة والصدئة ضد المعترضين على الدستور. ولتوضيح ماهية طبقة "البدون"، لمن لا يهمه، أو يهمه ألأمر، فالأمر سيان، فمن منا لم يسمع بـمصطلح"طبقة البدون" الذي يتردد صداه بكثرة في الإعلام الخليجي المملوك لأصحاب الجلالة والسمو والعظمة والسعادة والعبادة والبلادة.

 فالمصطلح قادم إلينا، من مجمل ما أتانا من غث ورث، في حقبة البترودولار، من قحط وجفاف وضحالة الصحراء، أي من منظومة مشيخات الخليج الفارسية، ويستخدم عند الإشارة العنصرية إلى تلك الطبقة أو الشريحة الاجتماعية البائسة في تلكم المشيخات، التي حـُرمت، رسميا وعلى رؤوس الأشهاد، من شرف نيل جنسيات تلكم المشيخات القروسطية الأبوية المتخلفة، أو صاروا بدون جنسية، وصار يطلق عليهم لذلك طبقة البدون، وباتوا، بالتالي، محرومين من كثير من حقوق المواطنة الممنوحة لمواطني الدرجة الأولى، ويعملون، على الغالب، في مهن متواضعة ويحرمون من تولي أية مناصب سياسية، ويتعرضون لصنوف شتى من التمييز العنصري والازدراء المبطن والمعلن، أحياناً، بحقهم، ومعاناتهم متشعبة وكبيرة، مع أطفالهم وعائلاتهم، ولا يقبلون، أبداً، في المستشفيات والمدارس الحكومية، في ظل قوانين تلكم المشيخات الفارسية البدائية القبلية المتخلفة الجائرة والباطشة.

 وهم غالباً من قبائل "غير مرضي عنها"، أو بدو رحل كانوا يتجولون بين تلك المشيخات قبل ترسيم الحدود وظهور المشيخات الفارسية للوجود والعلن. وفي سوريا، وبالطبع، ومع الاعتراف بوجود بعض الفوارق الجوهرية، والاختلافات الظاهرة والمتباينة مع مشيخات الخليج الفارسي، وكي نكون منصفين وموضوعيين وعادلين، فالأمر، بالنسبة لبدون سوريا الجدد، ليس بذاك السوء الذي تعانيه طبقات "البدون" الخليجية، لكن يمكن القول أنه تولدت لدينا اليوم، فعلاً، وكل الحمد والشكر لله، وبفعل الدستور العصري جداً، الذي قال أحد المسؤولين جهاراً بأنه سيباهي به كل دول المنطقة، طبقة وشريحة سورية طويلة عريضة محرومة من حقوق دستورية، إلى جانب المرأة، ويمارس ضدها تمييز فاضح، أو بدون بعض الحقوق، وبات من الممكن، والحال، أن نطلق عليهم طبقة "بدون سوريا" الجدد، وهي آخر ما أفرزته العبقرية الدستورية السورية الفذة الجديدة وألف مبروك وتهانينا على هذا الإنجاز الحضاري المهول والعظيم، والفتح المبين.

لا أعرف، بالضبط، ولا يتوفر لدي أية إحصائيات، حول كم هو عدد السوريين غير المسلمين بالتحديد(1)، وهؤلاء كما تعلمون، ليس لهم مكان محدد، فهم، بيننا جميعاً وفي قلوبنا، وموزعون على كامل الجغرافية السورية الواسعة والثرية ديموغرافياً، ولا يشكلون في الحقيقة أية قومية أو دين، أو عرق متجانس، ومستقل عن سواه، ولهم اتجاهات سياسية متباينة، لكني أستطيع الجزم، والتأكيد بأن عددهم يمكن أن يشكل حجم دولة معقولة، أو، بحسابات أخرى، أكثر من تعداد ثلاثة مشيخات خليجية من الحجم غير العائلي، طبعاً، كعجمان، ورأس الخيمة والبحرين، والكويت "الشقيق" على سبيل المثال لا الحصر، الكويت هذه التي ردت الجميل لسوريا على أحسن ما يكون.

 أي أنهم يشكلون تياراً مجتمعياً لا يستهان به، ولا يمكن تجاهله والتنكر لحقوقه الطبيعية، والقفز فوقها تحت أي مسمى وذريعة وسبب. وتجريد البشر، من أي حق دستوري هو جريمة دستورية موصوفة بحد ذاتها. ما كنا بحاجة، أبداً، لمثل هذا الدستور المتواضع كي يكرّس المكرّس، ويجتر المجترّ ويكرّر المكرّر.

ولا يمكن أبداً، والحال، أن نسمح لدول الخليج الفارسي أن تتفوق علينا بالتخلف، أو أن يكون لديها ما ليس لدينا، فنحن، الآن، مثل دول الخليج، ولدينا، مثلهم، "شوية" نفط، وغاز، وأيضاً طبقة "البدون"، التي بتنا نفتخر ونباهي بها أمام أمم الأرض وشعوب المعمورة، وهي تلك الطبقة المحرومة من حقوق وطنية ودستورية ويُـمارس ضدها التمييز، و"فرد شكل"، مثلهم، وما حدا أحسن من حداً. أخي المواطن السوري الكريم المحروم من حق دستوري: آن الأوان كي نقول لك: هنيئاً لكم وألف مبروك تمتعكم بلقب الـ"بدون"، و"عقبال" ألقاب أخرى يا رب مع كل دستور.

 (1)- لن نـُشمل ها هنا شريحة المرأة السورية، أيضاً، المحرومة من حقوق دستورية، هي الأخرى، المسلمة وغير المسلمة، ويمارس التمييز ضدها، وذلك لأن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية، وبينه وبين المرأة، بشكل عام، ما صنع، وما لم يصتع، الحداد؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز