نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
يوم سوري حزين: لا للدساتير الفاشية

باستفتاء اليوم، المزمع، ومع هذا الحشد الرسمي الحكومي والإعلامي له، تـُكرّس سوريا، كشقيقاتها العربيات، كدولة فاشية دستورياً، وذلك مع عدم اعترافها بحقوق دستورية لمواطنين سوريين، كانوا في الحقيقة أصحاب هذه الأرض الأصليين، وهم السباقين في الوجود على الأرض السورية من غيرهم. وسيكون يوم 26 شباط فبراير 2011، علامة فارقة، ونقطة تحول بارزة في سعي سوريا الدؤوب والحثيث، ومنذ وصول البعث، نحو عملية التعريب والأسلمة الممنهجة، التي طبعت الحياة العامة في سوريا لعدة عقود خلت.

 وكان من الأفضل أن يعكس الدستور الجديد، كي يعتبر عصرياً وحديثاً، الحالة الحقوقية الأممية السائدة في العالم المتحضر، ويجسد ذاك الثراء والتنوع والتسامح والبعد الحضاري التعددي المدني العريق الذي اشتهرت به سوريا عبر التاريخ، حين كانت مولدة للحضارات قبل أن تلجمها وتئدها ثقافة الصحراء، لا أن يكرس ما هو قديم ومجتر ومكرر وفاشل ومهزوم. فسوريا، اليوم، وبكل أسف، وعبر هذا الاستفتاء المريب، ترتدي الجلباب إياه، وتجدد إنكارها وتنصلها من المواثيق والأعراف الدولية وشريعة حقوق الإنسان التي تقول بأن الناس متساوون جميعاً في الحقوق والواجبات وأمام القانون، إذ تمنع شرعة الأمم المتحضرة أي شكل من أشكال التمييز العرقي، والقومي، والديني، والجنسي. والفاشية بكل بساطة هي فلسفة أو فكر يقضي بإعلاء شأن قوم أو عرق أو دين على ما عداه، واعتباره الأفضل والأحسن والأنسب، ويعطيه ما لا يعطي لغيره من حقوق وامتيازات واعتبارات وهذا بالضبط ما يفعله الدستور السوري المقترح "العصري" جداً.

 فناهيك، يا صاح، عن التمييز الديني الفاقع والمرفوض في هذا الدستور، والمتجسد في المادة الثالثة التي تخجل منها دساتير العالم المتحضر، هناك تمييز جنسي فاشي، أيضاً، أشد خطورة ووقعاً وهو التمييز ضد المرأة عبر حجب ومنع المرأة، هي الأخرى، وإنكارها حق تبوء منصب رئاسة الجمهورية توافقاً مع التشريع الإسلامي الذي نستمد منه قوانينا، والذي لا يعترف بولاية المرأة، وينظر لها بدونية، ويعتبرها ناقصة عقل ودين..إلخ هذه المصفوفة المفاهيمية، وتعامل بتمييز واضح في الميراث والزواج والعمل والحياة بشكل عام. إذ قالت المادة الثالثة، صراحة، دين الرئيس ولم تشر البتة إلى دين الرئيسة.

 هنا لا وجود ولا حتى مجرد اعتراف بالمرأة في هذا المكان، أو في هذا الحق. سأعتبر هذا اليوم، كما أيامي الكثيرة، يوماً حزيناً وسوداوياً في تاريخ الشعب السوري العظيم ونضالاته التاريخية وإنجازاته الحضارية وإسهاماته المدنية على مر التاريخ. إنه يوم ذبح المدنية السورية على مذبح المواد الفاشية الطنانة الرنانة التي تلعلع وتتربع على عرش الدستور "العصري". سأنكس راياتي، وأكبت آهاتي، وأعلن الحداد، وألبس السواد، وأطأطئ هامتي حجلاً معتصماً على روح سوريا، لا أبارح مكاني المظلم البارد القصيّ الكئيب.

فالتصويت بنعم يعني الإقرار والاعتراف، ضمناً، وربما، وكي لا نظلم أحداً، من غير قصد من البعض، بهضم الحقوق الدستورية لغير المسلمين، ولغير العرب، وللمرأة السورية على وجه التحديد، التي كنا نطمح أن نراها في يوم من أيام التاريخ السوري، القريب أو البعيد، في المنصب الأول، نتباهى بذلك أمام الأمم كما تباهينا بمنصب أول نائبة لرئيس الجمهورية، في المنطقة، وأول وزيرة، وأول قاضية، وأول ضابط في الجيش، لكن دستور اليوم يحرمها من حق مبين وبنص دستوري وقانوني. لا شك، هناك، اليوم، وفي عموم المنطقة المسماة بالوطن العربي المستهدف حضارياً، وسوريا ليست منها استثناء، تيار طاغ فاشستي عروبي اسلاموي يفرض إيقاعه وشروطه، ويصعد ويتقدم لاحتلال المواقع والخنادق التي هجرتها القوى اليسارية والتنويرية والعلمانية.

 ومن يتابع بعض مجريات جلسات مجلس "الشغب" المصري (لا يوجد خطأ إملائي هاهنا)، يعي مدى الدرك والحضيض الحضاري المريع وحجم الهزائم القيمية والأخلاقية والمعنوية والثقافية والفكرية المنحطة التي بلغتها شعوب المنطقة. وبالمناسبة هذا التيار يحوز على رضا واشنطن وتل أبيب وعواصم الارتداد الحضاري، ويتجلى بالدعم اللا محدودو لهذه القوى الفاشية والإسلاموية الإخوانية وتنصيبها على مقدرات هذه البلاد ورقاب هذه العباد. وكل رموز الربيع الإخواني، ويا كبدي عليهم، خرجوا من تحت عباءات أوباما وساركوزي وبرنار هنري وتنورات كلينتون وميركل وطرابيش بني عثمان في "الأستانة" ودشاديش عربان النفط وجنرالات الناتو.

 وبذا يمكن القول أن ما يسمى بالربيع العربي قد فرض إيقاعه وشروطه، ودستورياً، على الأقل، في سوريا، ونجح رمزياً في إعطاء هويته للدستور السوري الجديد. لاااااااا كبيرة للدساتير الفاشية، ولا للدستور السوري الجديد، سأقولها من قلب كسير، مجروح، ومكلوم، وحزين. وسأردد مع محمود درويش ما قاله ذات يوم: سأقول لا ويدي، تحيات الزهور وقنبلة، مرفوعة كالواجب اليومي ضد المرحلة. سأقول لا، سأقول لا، سأقول لا. اشهدُوا، يا قوم، أني قد بلـّغت.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز