أسامة غاندي
osamagandi@live.se
Blog Contributor since:
13 February 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
أزمة الغرب في سوريا ورخص الادوات المستخدمة

تحولت القضية السورية لدى المحور الامبريالي من مسألة تخطيط استعماري جديد للمنطقة يأخذ دورته الطبيعية , الى أزمة داخل الدول المتكالبة على سوريا , وأخذت القضية منحى آخر لدى هذه الدول يتعلق بهيبتها وكرامتها ومستوى ادائها  وحضورها السياسي المستقبلي , وأصبح التراخي في هذا الملف يعني الانتحار السياسي , وهذا ما أكدته صحيفة واشنطن بوست الاميركية التي قالت بالحرف الواحد ,أن استقرار سوريا يعني كارثة للولايات المتحدة الامريكية . لكن صحيفة أخرى كانت اوضح في شرح ازمة الغرب مع سوريا ( وقد نجحت سوريا في أن تجعل من معاناتها مع القوى الاستعمارية  أزمة لهذا القوى نفسها ,حيث ستأخذ أي عملية عسكرية او سياسية في سوريا طابعا كونيا . ولم يعد بالامكان اخفاء اي جريمة ترتكب بحق سوريا , كما جرى من مجازر في ليبيا وتم التعتيم عليها وحُفظت في خانات الديمقراطية وتحرير الشعب ) .

الصحيفة الاخرى التي كان اوضح في شرح ازمة الغرب في سوريا , قالت : إن السبب الرئيسي في اخفاق الغرب تحقيق تقدم سياسي او خلق واقع على الارض , او احداث شرخ عميق في البنية السياسية والعسكرية للدولة السورية , هو أن الغرب استخدم ادوات رخيصة وغبية وغير متمرسة في ضرب سوريا . بدءا من الجامعة العربية ونبيلها ومشخة قطر وديناصوراتها الهلامية واعلام ال سعود الرخيص , وانتهاءا بكادر معارضة يبدأ من غليون وينتهي بالعرعور . هذه العورة الكبيرة اصابت الغرب بالهلع واستنزفت منه الجهود . هذا المقال وضع اليد على الجرح تماما . وشهد من حيث لا يدري بقوة وصلابة البنيان السياسي السوري , وصلابة الشعب العربي السوري البطل , الذي ميع كل هذه الجهود وضيع كل هذه الاموال المصروفة على دمه وعرضه , واستدرج الجميع الى ساحة الاجرام وكشفه على الملأ .

لذلك فان ما شاهدناه في مؤتمر اصدقاء واشنطن في تونس من حضور امريكي بريطاني فرنسي في اعلى مستوياته وباقصى طاقاته الاستعراضية , كان لسد هذه العورة البارزة في هزال الجميع الذين استخدمهم الغرب لنهش الجسد السوري . وكما قال الدكتور بسام ابو عبدالله الاستاذ في كلية السياسة في جامعة دمشق في مداخلة له على قناة العالم : لم يبق لهيلاري كلنتون الا ان تقف على باب المؤتمر بعد انقضاضة وتتلقى عبارات العزاء ( عظم الله اجركم واحسن عزاءكم ) .

ورغم كل عمليات التجميل وتلقين شهود الزور في قنوات العربية والجزيرة والبي بي سي , واظهار الخلفيات الدموية المأخوذة في الغالب من حروب سابقة , وتخصيص النشرات بكاملها للحدث السوري . ورغم كل الاموال المضخوخة , والرشاوى المدفوعة والاجهزة والاسلحة , لم تستطع هذه القوى وادواتها الرخيصة أن تصنع شيئا ذا بال يحاكي الدولة ورجالاتها ومؤسساتها , وهذا مادفع الغرب الى ان يتولى المهمة بنفسه وقام كل من الان جوبية وكلينتون بمهمة ناطق باسم قوى المعارصة السورية , وما جعل كلينتون تدعو صراحة الى التمرد ومقاومة الدولة وتسليح الارهابيين الخارجين على القانون , مما يبعدها كثيرا عن الدبلوماسية ويجعل في يد موسكو وبكين اوراقا اضافية لتعزز موقفها , أمام وزيرة خارجية دولة عظمى تدعو صراحة الى الارهاب .

أنا شخصيا اتابع الشأن السوري كما اتابع أي شأن عربي , ولا أمت بصلة الى اي طرف من الاطراف المتنازعة , وأتجول كثيرا في وسائل الاعلام اسمع كل وجهات النظر , على أمل أن اقف على تفسير معقول وخطاب هاديء سياسي ومسؤول ومعبر , لكني لا أجد خطاب موحد عقلاني وطني وعملي فيما تسوقه المعارصة . كما لا اجد الحضور المسؤول والواعي ولو على المستوى السلوكي الشخصي لمن يدعون الاصلاح والديمقراطية والخرافات الاخرى , وربما اسوق لك عزيزي القاريء بعض الملاحظات واشترك فيها معك في الحوار لتحكم انت لا أنا .

قبل شهر أو أكثر تابعت خطاب الرئيس الاسد في قاعة جامعة دمشق والذي تحدث فيه ارتجالا لنحو ساعتين عن كل التحديات والامور التي حدثت في سوريا وابدى رؤيته للمستقبل واقترح جملة اقتراحات ووعد ببعض الاجراءات منها الاستفتاء على الدستور , وخطاب لرئيس يعاني بلده من هجمة كونية ويحمل على اكتافه كل اعباء المسؤولية والقيادة, ويجب أن يكون بحجمها , وينتقي عباراته بعناية كي لاتفسر خطأ , ولا تمس دولة أخرى لا يريد أن يفتح جبهة معها , كما أنه يحرص على حيادية دول متأمرة مثل تركيا , ولا يستفزها في هذا الوقت العصيب . وهذا الرئيس ليس اديبا ولا شاعرا . الا أنه ادى ( في رأيي الشخصي لانني عملت فترة محلل خطابات في مؤسسة حكومية ) خطاب تاريخي مهم فيه الكثير من التماسك والحس بالمسؤولية , وهو أمر شهد به الاعداء , وقال اكثر من صحفي في حينه , أنه خطاب اعاد الثقة للشعب السوري .

في نفس الوقت تقريبا , خرج علينا برهان غليون ( استاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون ) . والذي (فلقنا ) في تنظيراته وبحوثه السياسية , وفي فلسفة الدولة وبنية المجتمع السياسي , وقد قرأت له انا شخصيا على الاقل كتابين في الفلسفة السياسية , خرج لمدة خمسة عشر دقيقة في خطاب مكتوب ,  سمج ركيك متحلل من كل مسؤولية او افق فكري , بصورة منفعلة وهو يرتجف أمام المنصة ويزبد كالعادة , ومع احترامي لكل القراء واسماعهم الكريمة , فانه لا يعدو ان يكون عواءا , ولو صاحبته بعض الموسيقى لامكن أن تأتلف منه اغنية رخيصة على الاقل من اغاني هذه الايام . وهكذا حال الطاقم من هؤلاء الذين ضاقت بهم استديوهات الفضيلة والرأي والرأي المقابل .

ملاحظة أخرى , تابعت خطاب الملك الرشيد عبدالله السعود , في افتتاح القمة الخليجية الاخيرة في الرياض ,وكانت تبحث التحديات الكبيرة للمنطقة , وأزمة وجود الانظمة الابوية على المدى القريب وليس البعيد . وكان الحدث كفيل بان يتجول العاهل الرشيد في مجمل الاحداث والتحديات , وخطب الملك خطبة مكتوبة لم تزد فيما اعرف عن السطرين او الثلاثة لكنها وقفت في فمة ولسانه العربي المبين ثلاثين مرة . وهو الملك الذين يقول عنه اتباعه انه يقود الامة العربية والاسلامية في وقت تذبح جهارا , وفي وقت ازمة لم تشهدها الامة العربية الذبيحة منذ الف عام .

ووقف المرشد الايراني السيد على الخامنئي , في مؤتمر الوحدة الاسلامية , كما في مؤتمرات كثيرة , يخطب لمدة اربعين دقيقة باللغة العربية الفصيحة , يحرك ساكنها ويرفع فاعلها وينصب مفعولها , ويحقق مخرج الحرف الصحيح ويتحرى ذلك , وهو الفارسي الذي يصعب عليه نطق بعض حروف الحلق العربية , الا أن اجتهد فحقق مخارجها .

فالى من استمع انا من خطاب مسؤول وواع وهادف يرحمك الله . وهناك مفارقات كثيرة تأخذني وتضطرني الى التأمل . كما أن هناك سلوكيات وسير شخصية تجعلني اقارن ايضا بين الاشخاص بغض النظر عن انتمائي الفكري والايدلوجي , لان العدل والانصاف مما تمليه على ثقافتي التي يفترض ان تكون اخلاقية بمقدار ما تكون (مسطرة ) لقياس مواقف الاخرين .

هل انظر الى محمود نجاتي المتقشف الزاهد في الحياة الفقير , الذي يفترش الارض في المطار ينتظر الطائرة ( ليست الخاصة ) انما طائرة مسافرين عاديين متجهة الى نفس وجهته , لحضور مؤتمر في بلد او زيارة رسمية , والذي يتقاضى راتبا قدره 500 دولار فقط . هل يمكن ان يكون هذا الرجل مرتشيا , وهو الرجل الاكاديمي , وهل يمكن ان تشتري امريكا والاخرون ذمته بمال الدنيا , هل اقارنه بامير قطر ومالكها الذي يملك فقط يختا في البحر ب600 مليون دولار , و600 الف صومالي يموت من الجوع و6000 عراقي هجرتهم البطون العربية المنتفخة ,   نحن لانتحدث عن مهارة شخصية في الكلام وعلى عن قابلية مالية تخص الانسان وحده , لكننا نتحدث عن مصير معتم مجهول يتولاه لص او أمي دجال أو قائد روحي اعور أو مرشد ديني شاذ , وتأبى كرامتنا ان نضع مصيرنا ونسلم قيادنا لمثل هؤلاء .

تقديم التافهين والمترسبين في الحياة من انصاف الرجال واشباههم , وتنصيبهم , يمثل احتقارا مقصودا لشعوب تناضل في سبيل حريتها واسترداد كرامتها , كما ان تسطيح الوعي وسيادة التافهين وتمييع القياسات الصحيحة في الاختيار والانتقاء بات موضة استعمارية امريكية تسهل على الاعداء التحكم في المصائر والاقوات والعقول , وهذا اسوأ ما في الازمة .

في تونس اغتيلت الدولة وعوقب المجتمع على ثورته , واعتلى منصة القرار فيها المنصف الوهايبي الذي توج حكمه الرشيد بطعن العروبة , وراشد الغنوشي الذي بدأ مهماته التاريخية بعداء شخصي مع اليسا وهيفاء وهبي . والادهى ان الشعب حرق نفسه للحصول على لقمة العيش والعمل , فارتفعت البطالة في تونس الى 19% . وتراجع الاداء المجتمعي بنسبة 25% بعد ان كان صفرا .

وليبيا التي اصبحت خارج القياسات والاحصاءات , وتحت رحمة أمراء الحرب , والذي استنجد ثائرها الاكبر الجليل عبد الجليل بالغرب مرة أخرى ليس ضد القذافي هذه المرة انما ضد الشعب , فاقترح علية برنارد ليفي أن تقوم فيها معارك بين القبائل , لتوفير فرص عمل واشغال المقاتلين في امور مفيدة , ومن تبقى منهم ارساله الى سوريا ليقوم بالزحف المقدس على ما تبقى من قيم وشرف .

 وفي مصر حيث ركب ثورتها الاخوان المسلمون وتسلقوها ووصلوا بها الى البرلمان وكفى الله المؤمنين شر القتال , وبدأوا يساومون على الرئاسة عبر القرضاوي القطري . وبدأت الخطابات الشرعية في تجريم الخارج على السلطة  . وزادت ديون مصر واعباءها المالية بارقام فلكية لا يسترها تبجحات الاعلام المضلل .  وانفتقت العقول على مشهد تهريج اعلامي مقصود بهدف تضييع الحقائق .

كانت ازمة الدول الاستعمارية مع القضية السورية هي ضعف الادوات المستخدمة وتفاهتها كما قلنا , وقوة الاحتواء والمعالجة المؤسساتية للازمة من قبل السوريين . وهو ما حقر هذه الادوات في نظر نفسها , فلم يعد هناك ما يمكن ان تقوم به قطر بعدما اطلقت كل الدعوات واشترت كل الجامعة العربية . ولم يبق ما تقوم به دولة الحجاز . وهذا ما دفع هذه الدول أن تشعر بالضآلة امام مستخدميها . ولكن الامر الاكثر سوءا في هذه المعضلة ,هي أن المحارم ( ورق التنشيف ) التي استخدمها الغرب مثل الجامعة العربية وقطر والحجاز والجزيرة والعربية وتركيا , استنفذت مع اول استعمال , دون أن تنظف الغائط المتخلف من الجسم , ويلزم استخدامها مرة أخرى , لكنها اضحت نجسة . بمعنى آخر أن هذه الدول كشفت كل اوراقها سريعا وفي ضمير وعقل الشعب العربي . دون أن تحقق نتيجة وهذه خسارة لهذه الدول عظيمة قد لاتشعرها الان . حيث لا يوجد حاكم عاقل يدرك عواقب هذه الامور . لقد اصبحت قطر مشكلة الامة العربية بكاملها , واصبح مستقبلها  بيد المزاج العربي , وكذا الحجاز الذي اشرت الاحتجاجات السياسية والمواجهات فيها لحالة التغيير مهما طال أمده , وهذه الدول كانت في غنى عن هذا بالكامل , ولكنها اشترت العداء لنفسها باموالها , وهذا ما يجعل دول الخليج ترهن نفسها بعدم السماح للامور في سوريا أن تستقر , ولكن فات الاوان على ذلك .

في اعتقادي الشخصي ( وهذه من المفارقات ) ان الجزيرة والعربية اصبحتا قنوات فضائية سورية ,  فبقدر ما تبثه من اخبار كاذبة وما تعرضه من قاذورات سياسية ومحللين , تعزز قناعة الشعب العربي خصوصا في سوريا , بان ما يجري في سوريا مؤامرة , وكما قال محلل سياسي روسي , فان القنوات المعادية لفتت انتباهنا الى حقيقة المؤامرة بفعل الدجل والتمثيل الكاذب . وهو أمر لم تلتفت اليه هاتان القناتان الاعرابيتان , بينما التفت اليه قناة البي بي سي , واصبحت بين الحين والاخر تحاول اعادة حياديتها , او الادعاء بها على الاقل , وتقارن احيانا بين ما يجري في سوريا بالحجاز وقطر والبحرين . وقد سجلت القناتان رسميا كقنوات مغرضة في وجدان الشارع العربي على الاقل .  وهو ثمن باهض دفعته هذه المؤسستان , اذا كان هناك قياس اخلاقي مهني .

امام هذه التفاهة وبغية تخليص الموقف السوري بما يحفظ الوجه ويحقق بعض الاهداف ,  اصبح المطروح في كل المحافل الاممية المتأمرة هو مفاوضة الرئيس الاسد على شكل من اشكال التنازل بما يحفظ له كامل حقوقه واعتباراته , وهذا تنازل واضح وتراجع عن المطالب القديمة , وتخل واضح عن الزمر المتشردة في الخارج , والتي باتت تلعن كل المؤتمرات حتى مؤتمر اصدقاء واشنطن , الامر الذي يفسر التصريحات العربية المتسارعة بعدم التدخل العسكري حتى بتفويض , ويفسر العناد الروسي أمام كل الدعوات والاغراءات والرشاوى المعروضة . يعني أن الاوراق كلها اصبحت كما ارادت سوريا بيد الشعب السوري , ويلزمة غدا الامضاء عليها بالتصويت على الدستور , لان التصويت عليه يعني شهادة موثقة بانه يريد الحياة ولا يريد التدخل الخارجي ولا اي شكل من التدخل في شؤونه الداخلية .

لعبة التافهين انتهت , واستفذت كل المحارم المستخدمة فلم يبق الا ضخ المرتزقة والارهابيين , وستكون هذه مهمة الشعب السوري البطل . الذي يراهن عليه كل العرب بان يجتث هذا الوباء على ارضه كما اجتث وباء المغول في عين جالوت .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز